تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 58

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 58

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير من ولاية الكفار واتخاذهم بطانة في ضوء القرآن

يشرح الشيخ آيات سورة آل عمران الناهية عن اتخاذ الكفار بطانة وأصدقاء مقربين، مبيناً حرصهم على إيذاء المسلمين وإخفاء البغض في صدورهم. وتؤكد الآيات وجوب البراءة من الكفار وعدم موالاتهم أو التشبه بهم.

النهي عن اتخاذ الكفار بطانة ومستشارين بالأدلة النبوية والتاريخية

يحذر المقطع من اتخاذ غير المسلمين بطانة أو وكلاء مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ وموقف عمر بن الخطاب مع أبي لؤلؤة المجوسي. ويؤكد أن الكفار لا يأمن جانبهم ويسعون لإيذاء المسلمين.

تحذير من المنافقين وكشف بغضهم وخيانتهم للمؤمنين

يوضح المقطع أن الله يحذر المؤمنين من المنافقين الذين يسعون للإفساد رغم إحسان المؤمنين إليهم، وأن بغضهم الحقيقي أكبر مما يظهر. لذا يجب عدم اتخاذهم أولياء وبطانة بعد تبين حقيقتهم.

تأكيد وجوب البراءة من الكافرين وختم الدرس بالتتمة

يؤكد المقطع أن الله بيّن وجوب الاعتبار وعدم اتخاذ الكافرين أولياء لأن ذلك يضر بالمسلم ويعيق مسيره إلى الله. ويختتم ببيان أن تفسير الآية سيكتمل في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

السلام على رسول الله وآله وصحبه من والاه. ما بعد، جزى الله خيراً الشيخ وديع، حفظه الله، على هذه النصيحة الطيبة، فنسأل الله عز وجل أن يجزيه عليها خيراً. قال العلامة سعد، رحمه الله تعالى، عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وهذه أخذناها طيباً. قال عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ذكر الآيات. قال رحمه الله: هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار واتخاذهم بطانة، أو خصيصة وأصدقاء يسرون إليهم ويفضون لهم بأسرار المؤمنين. فوضح الله عز وجل لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة، فقال بأنهم لا يألونكم خبالاً، أي يحرصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم. فهذا تحذير من الله، كما قال الشيخ، لعباده عن ولاية الكفار واتخاذهم بطانة. أما ولايتهم فهي مما كثرت الآيات في عدم ولاية الكفار والتبرؤ منهم، وكذلك عدم مشابهتهم حتى فيما هو مختص بهم. وقد ذكرنا ذلك، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"، فإن الكتاب خصّص لهذا الأمر العظيم وهذه المسألة العظيمة، وهي عدم مشابهة الكفار، وما يكون من المسائل التي أيضاً كذلك ينبغي للمسلم أن يبتعد عنها في معاملة الكفار. ومن ذلك اتخاذهم بطانة، أي أصدقاء، أو مما يختص بهم الشخص من مثلاً وزراءه إذا كان ملكاً، أو مدراء له إذا كان مثلاً صاحب شركة، أو كذلك مثلاً أولياء يجعلهم مثلاً في أعماله، يوكلهم وكلاء في أعمالهم وغير ذلك. فإن هذا من اتخاذ البطانة السوء. فلهذا ربنا جل وعلا حذر من اتخاذ بطانة في مثل هذه الأعمال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. ولهذا كان أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، يحذر من بطانة هؤلاء أن يجعلوا لهم مكانة، ويجعلوا لهم عملاً عند المسلمين. ولما قُتل، أو لما طُعن، رضي الله عنه، فقال: "من هذا الذي فعل؟" قالوا: "غلام المغيرة". قال: "قد قلتُ له: مَعْنَا". قد قال له عمر، رضي الله عنه، ونصحه: "من هذا الخبيث؟ أبو لؤلؤة المجوسي". أن يجعله في أعماله، أو يجعله ويعتمد عليه في شيء من أموره. فإن هؤلاء ليس لهم أمان. أي الكفار لا يألونكم خبالاً، أي حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم. وقد بدت البغضاء من كلامهم وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة. وهذه الآية أيضاً حذر الله عز وجل من المنافقين، أي أن يتولوا ما يكون من أهل الإيمان من وكالات أو غيرها، فإنهم يسعون إلى الفساد ويسعون إلى الضرر بأهل الإيمان. لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم. أن يخرج... معنى: الله عز وجل يفضحهم في فلتات ألسنتهم، يخرج ما في قلوبهم من البغض والعداوة على أهل الإسلام. فتجده يتكلم في مجلس، أو يتكلم بين أصحابه، فينقى الكلام وينتشر كلامه. وهذا من فلتات ألسنتهم التي يفضحهم بها، وكيف أنهم يريدون الضرر بأهل الإسلام. ولهذا قالوا: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، أي هذا الذي خرج وفضحهم الله عز وجل به شيئاً يسيراً، وما يكون في صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر على أهل الإيمان. قال رحمه الله: ﴿أَكْبَرُ﴾، أي مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم. فإن كانت لكم فهوم وعقول، فقد وضح الله لكم أمرهم. وأيضاً فما الموجب لمحبتهم واتخاذهم أولياء وبطانة؟ وقد تعلمون منهم الانحراف العظيم في الدين، في مقابلة إحسانكم. أي أنتم تحسنون إليهم حتى تجعلوهم في هذه المراكز، وهم يحاولون أن يضروا بكم، وأن كذلك يفسدوا عليكم أعمالكم. وإن وجدوا فرصة، فإنهم أفسدوا ما تعملونه، وكذلك أضروا بكم. مع أنكم تحسنون إليهم، لكن تجد أنهم يقابلون هذا الإحسان بالإساءة وبالضرر عليكم. فقال الله عز وجل: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فهذا بيان من الله عز وجل لهؤلاء: إن كنتم أهل عقول وأهل فهوم، فاعتبروا بهذا الذي وضحه الله لكم، فلا تجعلوهم أولياء، ولا تجعلوهم بطانة، فإن هذا يضركم، ويضر أيضاً كذلك مسلككم إلى الله جل وعلا. فهذا تفسير هذه الآية، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.