الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع سلسلة رواة حديث فضل سورة البقرة في صحيح البخاري، مبيناً أن الراوي هو أبو مسعود البدري لا عبد الله بن مسعود كما وقع فيه خطأ في بعض النسخ. ويستعرض أسماء الرواة في الإسنادين، ويناقش منزلة أبي نعيم الفضل بن دكين بين حفاظ حديث سفيان الثوري، مؤكداً على عناية الله بحفظ الدين عبر نقلة أثبات.
يتميز الدين الإسلامي بتلقيه عبر أسانيد متصلة وصحيحة عن الثقات، وهي خصيصة لهذه الأمة لم توجد في غيرها كاليهود والنصارى. وقد حفظ الله القرآن بالسند المتواتر، وحفظ السنة النبوية بنفس المنهج، كما يظهر في عناية الرواة كسفيان الثوري بحفظهم الدقيق وإتقانهم للرواية.
يذكر المقطع تنوع أسانيد الحديث عن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، ويستعرض تاريخ نشأة الكوفة والبصرة كمراكز للعلم، ثم يورد حديث النبي ﷺ: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»، مبيناً أن المراد بهما آيتا «آمن الرسول...» وأن قراءتهما تكفي القارئ من الشرور وتجزئ عن قيام الليل.
يستعرض المقطع أقوال العلماء في تفسير كلمة «كفتاه» الواردة في السياق القرآني، مبيناً أنها تحتمل معاني الكفاف من الشرور والسوء، وكفاية القارئ في قيام الليل وتلاوة القرآن، وتكون حرزاً للعبد. ويشير إلى أن الحافظ ابن كثير رجح احتمال جميع هذه الأوجه مجتمعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب فضل سورة البقرة». قال: «فضل سورة البقرة». قال: حدثنا محمد بن كثير، وهو العبدي، قال: أخبرنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام العتكي، شعبة بن الحجاج بن الورد، وهو إمام من أئمة هذا الشأن، وكان يحفظ عليه حديث الطوال. قال: عن سليمان، سليمان هو الأعمش، سليمان بن مهران الأعمش، مصحفها للكوفة. قال: عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، فقيه أهل الكوفة وعالمه. عن عبد الرحمن، وهو ابن الأسود النخعي، أقصد عبد الرحمن بن يزيد النخعي، أبوه يزيد بن الأسود النخعي، وعمه علقمة. قال: عن عبد الرحمن عن أبي مسعود. عبد الرحمن يروي عن عبد الله المسعود، ويروي عن أبي مسعود، ولهذا اختلط بعض الرواة، ذكروه في هذا الحديث أنه المسعود، وإنما هو أبو مسعود، عقبة بن عمرو البدري رضي الله تعالى عنه. فالحديث عن من مسند أبي مسعود البدري، وليس من مسند عبد الله بن مسعود، ومن ذكره أنه عبد الله بن مسعود فهو قد أخطأ، حتى في بعض نسخ البخاري أنه ابن مسعود، وهو خطأ. قال: عن أبي مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أنه قال: «من قرأ بالآيتين...». قال: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل ابن دكين الكوفي، قال: حدثنا سفيان. وأبو نعيم كما قال الدارقطني: هو خامس خمسة في سفيان. خامس خمسة تذكرون من هؤلاء الخمسة؟ معناه يقول: خامس خمسة، أي أحفظ الناس في سفيان، خمسة: أبو نعيم خامسهم. أولئك مقدمون على أبي نعيم، هؤلاء الذين هم أوثق الناس وأحفظ الناس لحديث سفيان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وخامسهم أبو نعيم الفضل ابن دكين، خامس هؤلاء الخمسة. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان. أنا هناك العلماء يعرفون لكل عالم هناك من يحفظ حديثه من الحفاظ الكبار، وهذا من الله عز وجل لأجل أن يحفظ دينه، تجد أن هؤلاء الحفظة يحفظون حديث هذا الإمام حفظاً، يعني قل أن يفوت هؤلاء الحفاظ حديث هذا الشخص، سواء كان سفيان أو شعبة أو الزهري أو يحيى بن أبي كثير أو هشام بن عروة أو غيرهم من هؤلاء الحفاظ الكبار الذين حفظوا هذا الدين، أو حفظ الله عز وجل بهم هذا الحديث، أو هذا الدين. حفظ الله عز وجل بهم هذا الدين، فجعل الله عز وجل لهم من يحفظ حديثهم ويبلغوه للناس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تسمعون مني، ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم». هذا الدين أخذ على هذا الترتيب، أو أخذ على هذا الإسناد، ولهذا هذه الأسانيد خصيصة لهذه الأمة، ليس هناك أمة من الأمم أخذت دينها بهذا الإسناد الصحيح عن الصالحين وعن الثقات إلا هذه الأمة. حتى اليهود والنصارى دينهم كلهم متقطع منقطع، ليس عندهم أسانيد، ليس عندهم أسانيد، كلها الكتب التي ألفت، سواء كان الأقصد... الأقصد التي جمعت، معنى جمعوا فيها التوراة من اليهود، أو الأناجيل، أو غيرها، فغالبها ليست لها أسانيد، ليست لها أسانيد. لكن ميز الله عز وجل هذه الأمة بالإسناد، فالقرآن مثلاً ورد إلينا بأسانيد متواترة ك الشمس، لا شك فيها أبداً، فالقرآن ورد بأسانيد كثيرة جداً، وحتى أنه لا يشك أبداً في شيء من القرآن، بل جاء متواتراً بأسانيد عظيمة عن أئمة معروفين. وأيضاً كذلك الأحاديث، أكثرها عن هؤلاء الأئمة، وقليل أن يأتي حديث لا يحفظ هؤلاء الأئمة، يأتي عن مثلا أناس مجهولين، فغالباً ما يكون حديثاً صحيحاً، لكن غالب الأحاديث الصحيحة يحفظها هؤلاء الأئمة، وهذا من حفظ الله جل وعلا لدينه. قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فحفظ السنة هو حفظ القرآن. فهنا ليس المقصود القرآن فقط، وإنما معه أيضاً السنة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. قال: حدثنا أبو نعيم، وقال: حدثنا سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، الإمام الحافظ الكبير، كان حفظه عجيباً، أن يحفظ من أول ما يسمع، ومن شدة حفظه حتى أنه كان يحافظ على سمعه، كان إذا خرج إلى السوق وضع القطنة في أذنيه حتى لا يسمع شيئاً فيحفظه فيخلط عليه، وهذا من كثرة حفظه. فكان إذا جاء إلى الأعمش أو إلى بعض مشايخه يسمع عدة أحاديث ويحفظها ويقوم، كان يأتي الأعمش فيعطيه حديثاً ثم يقوم، تفرغ له الأعمش مع أن الأعمش عسر في الرواية، لكن إذا جاء سفيان تفرغ له الأعمش وأعطاه أحاديث ثم قام سفيان، فكان الأعمش يقول: «لما لا تكونون مثل صاحبكم؟» معنى ما يأخذ منه وقت، فيقول لهم: «لما لا تكونون مثل صاحبكم؟» فقال له: «هذا يحفظ، ونحن لا نحفظ»، أنا أحفظ بسرعة، وهذه نعمة من الله عز وجل أعطاها لبعض هؤلاء، لإما حفظه، رحمهم الله تعالى. قال: حدثنا سفيان عن منصور، منصور بن المعتمر. فالحديث أولاً ساقه من طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم، وهنا ساقه من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم كذلك. قد رواه شعبة أيضاً عن منصور، ورواه سفيان أيضاً عن الأعمش، لكن هؤلاء الأئمة يتنوعون في الأسانيد، تجد أن هذا الحديث عنده عن جماعة من مشايخه، لكنه يذكر شيخاً واحداً، يذكر شيخاً واحداً في مجلس، في مجلس آخر يذكر شيخاً آخر، في مجلس يجمع مشايخه، وهذا كله بحسب ما يراه مناسباً هذا الإمام. قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم ابن يزيد النخعي عن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود النخعي كذلك. والنخع من قبائل اليمن، من قبائل جيشان، أبوا وذهبوا في زمن عمر، في زمن الفتوحات، وأرسلهم عمر رضي الله عنه إلى مناطق كثيرة، فكانوا النخع في الكوفة، وكانت الكوفة ممراً لأهل الجهاد الذين يذهبون إلى الشام وما بعده، ولما كانت المدينة بعيدة من الشام، فكر بعض الصحابة في عهد عمر، وأحدث هذه الكوفة والبصرة، ووضع عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري في الكوفة، وكذلك البصرة، وتكاثر الناس فيها حتى صارت مدينة... مدينتي... أو ما صارت من المدن الكبار، أي الكوفة والبصرة. ثم ورد إليها كثير من المناطق التي فتحت، سواء كان من خراسان، أو من الشام، أو كذلك من ما هو أعلى من المغرب، ومن الأندلس وغيرها، فكلهم تواردوا إلى العراق، وخاصة الكوفة والبصرة، وصارت هي موضع أهل العلم، وطلبة العلم، حتى في وقت من الأوقات كانت البصرة تزخر بالعلم أكثر من المدينة، منبع العلم هو المدينة، لكن في وقت من الأوقات صارت البصرة تزخر بالعلم وطلبة العلم، وحفاظ هذا العلم. قال: عن عبد الرحمن عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾. هذه من سورة البقرة. وقدم الإمام البخاري هذا الحديث لبيان فضل هذه الآيات، وسيأتي أيضاً في فضل آية الكرسي، وهذه الآيتان لهما هذه الفضيلة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفتاه». من قرأها في ليلة كفتاه. وقال العلماء: معنى «كفتاه» أي كفتاه من كل شر، وقيل أنه كفتاه من القرآن، معنى من قراءة القرآن في تلك الليلة، وقيل غير ذلك، لكن أكثر ما يذكر أنه كفتاه في... صارت حرزاً له من الشياطين ومن غيرها من الشرور، ومن غيرها من الشرور. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة قال: كفتاه». وقيل أيضاً كذلك أنه أجزأته عن قيام الليل، أجزأت قراءته في تلك الليلة. وقد ذكر الحافظ رحمه الله عدة أقوال في قوله «كفتاه»، وقال: بعضها العلم، كما ذكر الحافظ ابن كثير أن هذه الآية قد تحتمل كل هذه الأوجه، أي تكفيه من الشرور، تكفيه من السوء، وكذلك تكفيه في قراءته لتلك الليلة، وكذلك تكفيه أيضاً من غيرها مما ذكر، ما غيرها مما ذكر، فهي حرز له، وكذلك أيضاً كفاية له من القرآن وغيرها من قراءة القرآن، أو من قيام الليل. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وشكراً.