كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 26

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 26

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح باب فضل سورة الكهف وتمييز الرواة

يشرح الإمام البخاري باب فضل سورة الكهف مبيناً حال رواية أبي إسحاق عن البراء بأنها سماع وليست تدليساً، مستشهداً بتحري شعبة للسماع. كما يتميز الرواة المسمون زهير في هذا الباب.

تشدد السلف في التثبت من السماع وحديث السكينة

شدد علماء الحديث كشعبة ويحيى بن سعيد على اشتراط التصريح بالسماع، حتى خاف شعبة من سؤال قتادة. ورد حديث صحيح عن نزول السكينة مع قراءة سورة الكهف.

قصة أسيد بن حضير مع سحابة السكينة

نزلت سحابة السكينة على أسيد بن حضير أثناء قراءته القرآن فاضطرب فرسه، وأخبره النبي ﷺ أنها السكينة تنزلت بالقرآن. كما ورد فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة.

حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة ووقف الحديث

حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة موقوف على أبي سعيد الخدري، وهو في حكم المرفوع عند الألباني. من قرأها محتسباً الأجر يوم الجمعة رجيت له المثوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب فضل الكهف". في بعض النسخ: أو قال الحافظ في رواية بالوقت "فضل سورة الكهف". وجائز أن يقال: "الكهف" أو "سورة الكهف"، وإن كان بعض التابعين أو بعض السلف كره ذلك، كرهوا أن يقال: "البقرة" أو "آل عمران"، والأفضل أن يقال: "سورة البقرة" و"سورة آل عمران". لكن ليس هناك ما يدل على الكراهة؛ فإن كان المقصود به السورة فلا بأس أن يقول: "الكهف" أو "البقرة" أو "آل عمران" وغير ذلك. قال: "باب فضل الكهف". قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا زهير، وهو ابن معاوية الكوفي. زهير: إذا كان في الإسناد الكوفي فهو ابن معاوية، وإذا كان في الإسناد المكي أو البصري أو الشامي فهو زهير بن محمد الخرساني المكي. قال: وهؤلاء - يعني زهير بن معاوية وزهير بن محمد - هما أشهر من يُقال لهم زهير. قال: حدثنا بسحاق، وهو إسحاق السبيعي، عمر بن عبد الله السبيعي الهمداني، عن البراء. ورواية أبي إسحاق عن البراء ظهر أنها سمع، ولهذا أكثر منها البخاري، أي: أخرج عدة أحاديث البخاري من طريق أبي إسحاق عن البراء. وقد جاء أيضًا مصرحًا في بعض الطرق، كما رواه الترمذي من طريق شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء. وهذا يدل على أنه لم يدلس؛ لأن أبا إسحاق عنده تدليس، فلذا كان شعبة يحرص على سماع أبي إسحاق، ويعنى يحرص أن يقول: سمعته. حتى قال شعبة: كنت أنظر إلى في الرجل - يعني الراوي أو الشيخ - فإن قال: سمعت، أخذت، وإن قال: عن، لم آخذ. وهذا من تحريه رحمه الله؛ كان يتحرى أن يكون الحديث سماعًا ولا يكون بالعنعنة عنه؛ لأنه قد يكون هناك تدليس، خاصة من عرف عنه التدليس. ولهذا كان شعبة يقول: "كفيتكم تدليس، كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة". كان يسألهم عن السماع، وبعضهم لا شك أن بعضهم كان يتبرم من هذا ويغضب أن يسأل عن ذلك؛ لأن الناس غالبًا كانوا على السلامة، كانوا على السلامة. ولهذا لما قيل للحسن - يعني الحسن البصري -: ممن سمعت هذا الحديث؟ فغضب الحسن، وقال: "هل تظنون أننا نسمع من السوق؟ هل تظنون أننا نسمع من السوق؟ عن السوق، أهل السوق، وليس أهل علم". يعني: نحن نسمع من أهل علم، لا نسمع من السوق. لكن كان قصد كثير من السلف، خاصة من أتباع التابعين، كان قصدهم التثبت في الحديث: هل هو سمعه من الشيخ أم أنه تلقاه؟ لأن الإنسان قد يتلقى شيئًا دون أن يتثبت فيه فيحصل الوهم، ويحصل كذلك الغلط في الحديث. فلذا شدد العلماء في هذا الباب، شدد بعض أهل العلم في هذا الباب. فكان شعبة ويحيى بن سعيد القطان وجماعة لا يأخذون حديث مشايخهم إلا ما صرحوا به بالسماع. وإن كان هذا ليس على إطلاقه أو أنها قاعدة مضطردة، فقد يخرج عن هذا، قد يخرج عن هذه القاعدة؛ أي أنه مثلًا ممكن أن يروي شعبة حديثًا عن بعض هؤلاء الثلاثة وغيرهم ولم يصرحوا فيه بالسماع. ولهذا جاء في حديث - حديث في البخاري ومسلم - حديث أنس من طريق هذا، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "سووا الصفوف، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة". جاء في مسند أبي عوانة الأسفرايني الذي خرجه على مسلم، قال: فقال شعبة: أنا برواي - إلى شعبة قال: فقال شعبة: فلم يصرح قتادة بالسماع، وخفته أن يفسده علي. أنا خاف أنه يقول: إنني لم أسمعه من أنس. قال: فخفته أن يفسده علي، فلم أسأله. أنا ما سألت قتادة في هذا الحديث، خاف أن يفسده عليه؛ أي أنه يقول له: أنه ما سمع من أنس مباشرة. لكن قد جاء سماعه من أنس في هذا الحديث. طيب. قال: حدثنا بإسحاق عن البراء، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بالشطنين، على شطنين - أي حبلين. ويقال: شطن، هو الحبل الذي يعصب بشدة أو بصعوبة - أنا من الشيطن، من الصعوبة. فقال: مربوط بشطنين. فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر. فلما أصبح أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر ذلك له. فقال: "تلك السكينة تنزلت بالقرآن". أنا كان يقرأ سورة الكهف. وهذا أصح حديث في قراءة سورة الكهف، وفي فضل قراءة سورة الكهف مطلقًا، ليس في الجمعة. وقد جاء أيضًا هذا الحديث من حديث أسيد بن حضير، وهو الرجل الذي كان يقرأ سورة الكهف، وكان ابنه يحيى عنده، وخاف. فكان يقرأ، كلما قرأ، كلما غشيتهم السكينة، أو هذه السحابة، ووطئت على الفرس، وكان الفرس ينفر، ينفر - يعني يضطرب - من ثقل ما عليه، أو أنه ظن أنه شيء سيسقط عليه، فكان ينفر هذا الحصان. فخاف أسيد بن حضير على ابنه يحيى أن ترفسه الناقة، فسكت عن القراءة. وهنا قال: "وجعل فرسه ينفر". وهنا قال أيضًا: "فتغشته سحابة". هذه السحابة: سحابة السكينة التي تنزل على القرآن. وإن كان هذا شيء معنوي، لكن الله عز وجل أحيانًا كرامة لبعض أوليائه يجعلها شيئًا مشاهدًا، فجعل أسيد بن حضير يشاهد هذه السحابة التي هي سكينة تنزلت على القرآن. قال: "فجعلت تدنو وتدنو"، أي: هذه السحابة تقرب من الحصان، والذي كان عنده أسيد ويقرأ عنده كان في جانبه، وهذا الحصان مربوط، فكان الحصان يريد أن ينفك، كأنه يظن أن هذه السحابة ستأتي عليه، أو حس بثقل فأراد أن يخرج من ذلك المكان، فكان ينفر. فخاف أسيد أن يطأ الفرس ابنه يحيى، فترك القراءة وأخذ ابنه. ترك القراءة وأخذ ابنه، فوقفت هذه السحابة. قال: "فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر". فلما أصبح - أي هذا الرجل، وهو أسيد بن حضير كما سيأتي - فلما أصبح أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر ذلك له، أنا ذكر هذا الشيء الغريب الذي وجده. فقال: "تلك السكينة تنزلت بالقرآن"، أنا تنزلت بقراءته وتلاوته بالقرآن. فقال: "تلك السكينة تنزلت بالقرآن". فهذا فيه فضل هذه السورة العظيمة، وأن الله عز وجل أنزل السكينة في قلب هذا القارئ حتى رأى هذه السكينة عيانًا، رآها مثل السحاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نزلت مع القرآن، أو على القرآن، أو قال في هذه الرواية: "هذه السكينة، هذه السكينة تنزلت بالقرآن"، أي: بسبب تلاوته بالقرآن. فهذا ما جاء في فضل هذه السورة، والله تعالى أعلم. وأما قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، فقد جاء حديث في هذا، وأفضلها وأصحها حديث أبي سعيد الخدري: أن من قرأ سورة الكهف أضاء الله عز وجل له ما بين الجمعتين، وزيادة ثلاثة أيام. وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، اختلفوا في رفعه ووقفه. ويقول أبو حاتم: أن الذي صح هو فضل الكهف، أو سورة الكهف، مطلقًا. أن يقصد هذه الحادثة فقد صحت عن جماعة من الصحابة، ومنهم أبو سعيد. ومنهم من يقول: أنه موقوف على أبي سعيد في يوم الجمعة، كما يقول الشيخ الألباني، وهو في حكم الرفع، وهو في حكم الرفع. فمن قرأ مثلًا سورة الكهف في يوم الجمعة اعتمادًا على هذا الحديث، إن شاء الله تعالى يؤجر على ذلك، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر