الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح هذا المحور الفرق الجوهري بين الغبطة المحمودة التي هي تمني الخير للغير والسعي لمثله، والحسد المذموم الذي هو تمني زوال النعمة عن صاحبها. ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الغبطة الممدوحة لا تكون إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فقام به، ورجل آتاه الله مالاً يتصدق به.
يبيّن المقطع حث النبي صلى الله عليه وسلم على التسابق في الخيرات مع تخصيص الذكر لتلاوة القرآن قياماً بالليل والنهار، وإنفاق المال في وجوه الحق. ويوضح أن الليل أنسب أوقات صفاء القلب لتلاوة القرآن وتدبره، مما يجعل الغبطة فيه مشروعة ومرغوبة.
يعرض حديث النبي ﷺ عن أربعة أصناف في المال والعلم، مبيناً أن من تمنى أن يكون مثل من آتاه الله مالاً وعلماً فسخرهما في طاعة الله نال مثل أجره. ويؤكد أن النية الصادقة مع القدرة على العمل الصالح تورث الأجر الكامل، بينما تمني المال للإنفاق في غير حق يجعل صاحبه شريكاً في الإثم.
يشير الحديث إلى أن حامل القرآن مغبوط لمكانته العظيمة عند الله، ويتمنى الناس أن يكونوا مثله في امتلاك كتاب الله والقيام بآياته. ويؤكد أن هذا الفضل مشروط بالسعي الجاد للعمل بما جاء في القرآن والسنة لا مجرد الحفظ أو التلاوة فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب اغتباط صاحب القرآن". واغتباط صاحب القرآن أي من الغبطة، والغبطة هي مثل الحسد، لكن المراد بالغبطة هو تمني الخير، تمني الخير مما يكون عليه هذا الشخص. وأما الحسد فهو أن يتمنى زوال هذه النعمة عن الشخص، ففرق بين الغبطة والحسد. هذا فالغبطة هو تمني ما عند الشخص من الخير، وأن يغبطه على هذا الخير الذي عنده، ويتمنى أن يكون مثله، فهذا تسمى الغبطة. والحسد هو أن يتمنى زوال النعمة عن أخيه، وأعظم أن يكون يتمنى زوال النعمة عن أخيه دون أن ترجع إليه، فهذا من الحسد الأعظم؛ إنه يريد فقط أو يتمنى أن تزول النعمة من أخيه فقط، فهذا الحسد المدموم الذي ذمه الشرع. ولهذا جاء في هذا الحديث كما سيأتي: "لا حسد إلا في اثنتين". سماها الغبطة حسداً لأنه مثله، لكن الفرق كما ذكرنا. قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وهو شعيب بن أبي حمزة، وكلاهما حمصي شامي، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أي ابن عمر، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "لا حسد إلا على ثنتين: رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار". فهذا الحسد الممدوح وهو الغبطة. "لا حسد إلا على ثنتين"، فإنه لا معنى لـ "لا حسد" أي لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين، أو يقال: لا يحسن الحسد إلا في ثنتين. وهذا كما قال الحافظ: إن النبي عليه الصلاة والسلام أطلق الحسد وأراد به تحصيل الخصلتين والتسابق فيهما، فاستبقوا الخيرات. فهذا الذي يسابق فيه وهو تلاوة كتاب الله جل وعلا وحفظه والقيام به والعمل به. "رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل" أي يصلي به، "ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار". وتجد في النصوص، سواء كان نصوص الكتاب والسنة، دائماً يذكر القرآن ويذكر قيام الليل، وهذا يدل على أهمية قيام الليل بالقرآن، وأنه يحرص على قراءة القرآن والصلاة في الليل، فهي أجرها عظيم عند الله جل وعلا. وكما قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولما ذكر القرآن ونزوله على النبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، أي أشد وطأً أي مواطأة للقلب. فالليل من أعظم الأوقات التي يتفرغ فيها القلب من المشاغل وغيرها، ليس هناك مشاغل في الليل، فلهذا يكون قلب العبد فارغاً، فإذا تواطأ القلب واللسان حصل الخير بإذن الله جل وعلا. قال: ثم قال: حدثنا علي بن إبراهيم، وهو الواسطي، قال: حدثنا روح، وهو ابن عبادة، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، وهو الأعمش، قال: سمعت ذكوان، وهو أبو صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل. ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق"، يهلكه في الحق أي ينفق، ينفق في الحق ويضع هذا المال في الحق، وعنى ما يهلكه في الباطل. "فقال رجل: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل". فهذا الحديث أيضاً نفس الحديث لكن سياقه آخر، يبين أن صاحب القرآن يغبط على ما هو عليه، وخاصة إذا كان يقوم بهذا القرآن، إن عنده حفظ لكتاب الله، وأيضاً عمل أن يقوم بهذا القرآن ويقرأه ويعمل بما فيه، فإن هذا يحسد أن يغبط، ومن تمنى مثله فإن له الأجر مثله، كما جاء في حديث أبي كبشة الأنماري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إنما الدنيا لأربعة"، وذكر: "رجل آتاه الله علماً ومالاً فسلط ماله بعلمه"، إن عنده علم وعنده مال، فسلط هذا المال مع العلم، فسلطه في الحق. "ورجل قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل ما عمل"، قال عليه الصلاة والسلام: "هما في الأجر سواء". "ورجل لم يؤته الله علماً وآتاه مالاً فسلط ماله في غير الحق"، قال: "ورجل آخر"، أي الرابع، "قال: لو أن لي مالاً مثل فلان لفعلت مثل ما فعل"، قال: "هما في الوزر سواء". قال: "هما في الوزر سواء"، إنه يقول: إذا كان لي مثل فلان من هذا المال لفعلت مثل ما فعل فلان، فهذا يقع في إثم ذلك الشخص الذي أنفق ماله في غير مرضات الله. والعكس كذلك: من كان على مال، على علم، وسلط ماله في الحق من الإنفاق في الجهات المطلوبة، إما في طاعة وإما في مباح، وكذلك أيضاً لم يضع ماله في التبذير وغيره، فهذا على خير وعلى أجر. فإن قال رجل آخر: "لو أن لي مالاً مثل فلان لفعلت مثل ما فعل"، قال: "هما في الأجر سواء". فهذا الحديث كما قلنا يدل على أن صاحب القرآن مغبوط، صاحب القرآن مغبوط، أي عنده شيء عظيم يغبط لأجله، وأيضاً يتمنى المتمني أن يكون مثله، عنده كتاب الله جل وعلا، وكذلك يقوم بهذا القرآن العظيم، وأيضاً يحاول فيما استطاع أن يكون عاملاً بما جاء في الكتاب والسنة. وهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.