يتناول المقطع حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» المروي في سنن أبي داود، ويسرد سنده وينقل خلاف العلماء في تصحيحه وتضعيفه. صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، بينما أنكره أحمد وابن معين وعبد الرحمن بن مهدي مستدلين بأحاديث نهي النبي عن تقديم رمضان وبصيامه شعبان كله.
يرى جمهور العلماء أن حديث النهي عن صيام ما بعد نصف شعبان شاذ متروك، فيجوز الصيام فيه اقتداءً بالنبي الذي كان يصوم أكثر الشهر. أما أحاديث فضل ليلة النصف فاختلف في صحتها والأكثر على ضعفها، غير أن بعض الأئمة صححوا بعضها ويبقى صيام يوم النصف مشروعاً لكونه من أيام البيض.
يعرض المقطع الأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف وما فيها من مغفرة إلا للمشرك والمشاحن، وتعظيم بعض التابعين لها في الشام. يختلف العلماء بين إنكار تخصيصها بعبادة زائدة وعدّها بدعة، والترخيص في إحيائها سراً أو استحباب الجماعة، ويرجح عدم مشروعية تخصيصها بصلاة أو صيام مخصوص.
يقدم الشيخ أبو همام عبد الله باسعد سلسلة دروس في المسائل الفقهية المستمدة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم. يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة لمتابعة الحلقات القادمة.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا المجلس الرابع من سلسلة المسائل الفقهية من خير قول البرية. فنقول: أيها الإخوة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأيها المستمعون الكرام، قد أخذنا في الدروس السابقة حديثاً، حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه في صوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واليوم إن شاء الله تعالى نأخذ حديثاً جديداً، ونذكر فيه بعض المسائل الفقهية من هذا الحديث الذي ذكرناه. فهذا الحديث هو ما رواه أبو داود سليمان بن الأشعث في كتابه «السنن»، فقال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي، قال: حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، مولى الحرقة، قال: قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء، وهو ابن عبد الرحمن مولى الحرقة، قال: فأخذ بيده فأقامه. أي: عباد بن كثير أخذ بيد العلاء بن عبد الرحمن، فأخذ بيده فأقامه، ثم قال: اللهم إن هذا -أي العلاء- يحدث عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». فقال العلاء: اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. قال أبو داود رحمه الله بعد هذا الحديث: أي كل هؤلاء رووا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. قال أبو داود بعد ذلك أيضاً: هذا الحديث، وكان عبد الرحمن لا يحدث به، أي: عبد الرحمن بن مهدي. قلت لأحمد: لما قال؟ لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصل شعبان برمضان. وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خلافة». قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافة، ولم يأتِ به غير العلاء عن أبيه. فهذا الحديث قد اختلف العلماء في صحته، ثم أيضاً في العمل به. فأما تصحيحه: فقد صححه غير واحد من أهل العلم، كالإمام الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، وغيرهم. وكذلك أيضاً قبل هذا كلام أبي داود الذي ذكرنا يدل على أنه يرى صحته. وتكلم فيه أيضاً من هو أكبر من هؤلاء علماً، وأيضاً أكبر منه علماً وكذلك سبق. فمن هؤلاء من قال: إن هذا الحديث منكر، ولم يعمل به. ومن هؤلاء: عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وابن معين، وكذلك أبو زرعة الرازي، والأثرم صاحب الإمام أحمد، وغيرهم من العلماء. وقال الإمام أحمد رحمه الله: «لم يأتِ على حديث أنكر منه». ورده بحديث الذي سيأتي إن شاء الله، حديث بهز بن حكيم: «لا تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين». فرأى كثيراً من أهل العلم أن هذا الحديث يخالف هذا الحديث؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدم رمضان بيوم أو يومين»، أي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدمه بيوم أو يومين، أي: ما كان أكثر من ذلك فمفهومه أنه جائز. وهذا يدل مفهومه على معارضة هذا الحديث. لهذا قال الأثرم: «الأحاديث كلها تخالفه». يشير بقوله «كُلها» إلى حديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان، ونهي عن التقدم على رمضان بيومين. فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة. وذكر الطحاوي رحمه الله أن هذا الحديث منسوخ، وذكر إجماع أهل العلم على ترك العمل به. وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به، أي: على أنه ليس هناك نهي على منتصف شعبان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان، وكان يصل به رمضان. وكذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يصاب اليوم الأخير وهو يوم الشك، وما قبله. وهذا يدل على جواز ما كان قبل ذلك. وقد أخذ أيضاً بهذا القول بعض الفقهاء الشافعية، وبعض الفقهاء الحنابلة: أنه ينهى عن ذلك، عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان، لمن ليس له عادة. ووافقهم على ذلك بعض أيضاً المتأخرين من العلماء الحنابلة أو غيرهم. فلذلك حصل كما قلنا الخلاف في هذا. وأما صيام يوم النصف منه فغير ممنوع عنه باتفاق؛ فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر، فهي داخل في الثلاثة الأيام التي تصام، ولا يدخل في النهي. وإنما كما قال بعض الفقهاء: النهي يدخل إذا صام الإنسان السادس عشر من شعبان وما بعده، فإنه يدخل في هذا النهي. لكن الصحيح كما قلنا: أن أكثر أهل العلم لم يعتدوا بهذا الحديث ولم يعملوا به، فدل على جواز أن يصوم الرجل بعد انتصاف شعبان. بخصوص معناه يخصه بذلك. وقد جاء حديث عن صيام ليلة النصف، أو صيام يوم نصف شعبان، ولكنها حديث ضعيف. لم يأتِ بخصوص نصف شعبان صياماً في حديث صحيح. جاء عن علي عند ابن ماجه: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعفيه، حتى يطلع الفجر». وهذا الحديث لا يصح عن علي رضي الله عنه، ولا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاءت أحاديث في فضل ليلة النصف، وليس في يوم نصف شعبان. جاءت أحاديث في ليلة النصف، وهناك مسألة: مسألة استحباب إحياء نصف شعبان، إن شاء الله نذكرها بعد هذا الحديث أو بعد هذه الأحاديث. فجاء في فضل النصف من شعبان بعض الأحاديث، وقد اختلف العلماء في صحتها. فأكثر أهل العلم على أنها لا تصح، أو لا يصح منها شيء. وصحح بعضها العلماء كابن حبان، وابن خزيمة، وغيرهما. صحح بعض هذه الأحاديث. ومن أمثل هذه الأحاديث وأفضلها من ناحية الإسناد: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «فقدت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخرجت فإذا هو بالبقيع رافعاً رأسه إلى السماء». فقال عليه الصلاة والسلام: «كنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟» فقلت: يا رسول الله، ظننت أنك أتيت بعض نسائك. فقال: «إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي. وكذلك ذكر الإمام الترمذي بعد هذا الحديث تضعيف الإمام البخاري له. وأيضاً من أمثل هذه الأحاديث: ما أخرجه الإمام ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاح». وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وذكره في «السلسلة الصحيحة». وجاء تفسير «مشاح»: أي مشاحن من أهل البدع، كما جاء ذلك عن الأوزاعي وغيره. فهذا الحديث وغيرها من هذه الأحاديث فيها أن فضل تلك الليلة العظيمة، ليلة النصف من شعبان، وأنها فيها يغفر الله عز وجل لكل مسلم لم يشرك بالله شيئاً، أو مشاحن شاحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشاحن أهل السنة، وشاحن أيضاً كذلك أهل الإسلام بمخالفاته وقاطعهم، بل وخرج عليهم بالسيف كالخوارج وغيرهم؛ فإنهم داخلون في هذا الحديث: أن الله عز وجل لا يغفر لهم ما داموا على مشاحنتهم حتى يتوبوا إلى الله جل وعلا. فلذلك كانت ليلة النصف من شعبان تعظمها بعض التابعين من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول، وأبي عبد الله، ونعمان بن عامر، وغيرهم، ويجتهدون فيها في العبادة. وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها. وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية. فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك. فمنهم من أنكر هذه الطريقة، أي: أن يحدث عبادة؛ لأنه لم يأتِ في الأحاديث شيء من ذلك أن يحدث عبادة، مثل قيام الليل، أو يحدث صياماً في نهاره. فقد أنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم علماء الحجاز: كعطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، ونقل فقهاء أهل المدينة. وكذلك هو قول مالك وأصحابه، بل صرح بعضهم بأنه بدعة. وكذلك اختلف علماء أهل الشام أنفسهم في صفة إحيائها. فمنهم من قال: إنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، أي: يصلون صلاة الليل. وكان خالد بن معدان ونعمان بن عامر يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون، ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك. واختار بعض العلماء أيضاً الآخرون أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد؛ لأنه لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ويكره ذلك في المساجد. لكن له أن يصلي في خاصة نفسه، له أن يصلي في خاصة نفسه. كما جاء ذلك عن إمام أهل الشام، وهو الإمام الأوزاعي رحمه الله. وهذا لعله إن قلنا بصحة الأحاديث التي جاءت بالقيام، وهي الأحاديث كما تقدم أنها ضعيفة، ممكن أن يقال: إنه يحيي هذه الليلة. وإلا لم يأتِ دليل على إحيائها لا بصلاة ولا بغيرها، ولا أيضاً كذلك بجعل يومها يكون صياماً. بل لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وآله وسلم. فلذلك القول الصحيح: أنه لا يشرع شيء من العبادات في ليلة النصف من شعبان، ولا كذلك أيضاً في يومها. أيضاً لا يشرع أن يصوم العبد؛ لأنه لم يثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا كما قلنا: إذا قلنا بصحة ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: بأن هذه الليلة ينزل الله عز وجل فيها، ويغفر جل وعلا لمن أسلم، أو لكل مسلم ما لم يكن مشركاً بالله أو مشاحن. فلذلك كما قلنا: فهذا الذي إن شاء الله ينكر في هذا الحديث. أولاً: مسألة الصيام في انتصاف الشهر فهو جائز. وكذلك أيضاً: مسألة صيام النصف من شعبان بخصوصه لم يأتِ فيه دليل، لكن من كان يصوم ثلاث البيض فهو يصوم ذلك اليوم معها. وكذلك أيضاً: المسألة الثالثة التي ذكرناها، وهي إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة أو بالذكر أو بالدعاء، لم يأتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الفضل. بل كما قلنا: أن كثيراً من العلماء أنكروا هذه الطريقة، بل بعضهم صرح بأنها بدعة. هذا ما يذكر. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. اشتركوا في القناة.