التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 21

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 21

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 21، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

بداية المرض ورد فعله عند علمه بالسرطان

أُصيب الشيخ ابن عثيمين بسرطان في المستقيم انتشر إلى الكبد والرئتين، ولما علم به تبسم وحمد الله مستبشراً بلقاء ربه. واصل عبادته ودعوته رغم شدة المرض، مظهراً قوة اليقين وحسن الظن.

رحلة العلاج في أمريكا ورفض العلاج الكيماوي

سافر الشيخ إلى أمريكا للعلاج ورفض العلاج الكيماوي حرصاً على لحيته، وواصل الصلاة بالناس والدعوة هناك. أظهر ثباتاً على مبادئه حتى في أصعب الظروف الصحية.

أيامه الأخيرة في الحرم المكي ودروسه في رمضان

في رمضان 1421هـ أصر الشيخ على الإقامة في الحرم المكي رغم نصيحة الأطباء، وألقى الدروس وأجاب عن الأسئلة من غرفته حتى ليلة القدر. دعا الله أن يتوفاه على الإسلام وأن يجعله من دعاة الخير.

وصاياه الأخيرة ووفاته ودفنه في مكة

في أيامه الأخيرة تلا القرآن وظهر شوقه للقاء الله، وأوصى بتقوى الله وإمامة المسجد والخطابة، وطلب الصلاة عليه في الحرم ودفنه في مكة. توفي مبطوناً شهيداً حكماً يوم 15 شوال 1421هـ عن 74 عاماً، ونُقل إلى مكة فصلّي عليه ودُفن فيها.

الدعاء الختامي بالاقتداء بالصالحين والفوز بالجنة

اختتم المتحدث بدعاء أن يوفق الله الجميع لاتباع أحسن القول، وأن يرزقهم الاقتداء بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويجمعهم بهم في أعلى درجات الجنة، مختتماً بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.

  • 12 جمادى الآخرة 1445هـ - 24/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين، الذين كما سبق برحيلهم فقدت الأمة من العلم الشيء الكثير، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». ومن هؤلاء الأعلام ما سبق الحديث عن حياتهم وسيرهم، العلامة فقيه زماننا الشيخ أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد العثيمين، رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وهذا هو المجلس الثامن الذي نتذاكر فيه بعض جوانب حياته وترجمته رحمه الله تعالى، وها نحن ذا أوشكنا على الانتهاء من هذه الترجمة الماتعة. وكم يا إخوان النفوس ترتاح والقلوب تطمئن عند سماع وقراءة أخبار أمثال هؤلاء النبلاء والعظماء من العلماء الناصحين والراسخين في العلم، وكم نستفيد من الدروس من حياتهم ومواقفهم وسيرهم العطرة. فنحن حين نقرأ أو نسمع عن أمثال هؤلاء ليس من باب التسلية أو من باب قضاء الأوقات، وإنما قبل ذلك هو من باب الاقتداء والتأسي، وكذلك أيضاً الاستفادة من هذه المواقف وهذه الدروس. وبقي معنا في ترجمته رحمه الله تعالى فصلان: الفصل الأول في مرضه، والفصل الآخر في وفاته رحمه الله تعالى. أما مرضه رحمه الله تعالى، فنترك الشيخ عبد الرحمن الريس، مؤذن الجامع الكبير بعنيزة، يذكر لنا بداية مرضه رحمه الله تعالى وغفر له. قال حفظه الله تعالى: قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: بدأ مرضه، أو بداية مرضه، كان سرطاناً في المستقيم قبل أن ينتشر المرض. والمستقيم معروف أنه ذلك العضو الذي تخرج منه الفضلات من الأمعاء الغليظة إلى خارج البدن. قال: وكان الشيخ قد عمل عملية بواسير منذ إحدى وعشرين سنة، أي من وفاته، من إحدى وعشرين سنة من عام وفاته، وقبل رمضان العام الماضي، أي قبل وفاته بعام، يعني ألف وأربعمائة وعشرين. قال: بدأ الشيخ يتألم من شدة المرض، وأكثر تردده على دورة المياه، خصوصاً ليلاً. قال: وبعد إلحاح شديد من محبي الشيخ أقنعوه أن يعمل فحصاً عاماً، وافق الشيخ على عمل الفحص، وأخبرهم الشيخ بمرضه السابق، وكان يعتقد رحمه الله تعالى أن هذه الآلام هي مجرد امتداد لمرضه الأول، أي البواسير. قال: فأخذ المستشفى عينة من الدم، وبعد التحاليل تبين أن الشيخ مصاب بمرض السرطان في المستقيم، وأخذوا عينة من الكبد فوجدوا نفس المرض، أي سرطاناً، ثم فحصوا الرئتين فوجدوا به نفس المرض، فعلموا أن المرض قد انتشر في جميع جسم الشيخ رحمه الله تعالى. ولم يخبر الأطباء الشيخ بما فيه، فحس الشيخ أن الأمر فيه شيء، فلح على الأطباء أن يخبروه، وبعد إلحاح شديد من الشيخ أخبره الأطباء بالمرض. قال: فتبسم. وبعد إلحاح شديد من الشيخ أخبره الأطباء بالمرض، فتبسم الشيخ عند إخباره بالمرض، وحمد الله وأثنى عليه. فتكلم الشيخ كلمات عجيبة تكتب بماء الذهب، حيث قال: «إن الإنسان المؤمن إذا قام بطاعة الله وفعل أوامره واجتنب نواهيه، فإنه لا يرجو بذلك إلا رحمة الله ودخوله الجنة، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى الجنة إلا بالموت، والموت قد كتب على جميع البشرية، قال: فمرحباً بالموت إذا كان الموت هو الذي بيننا وبين الجنة». وهذه كلمات يا إخوان، كما سبق، تكتب بمداد الذهب لا بمائه. وهذه الكلمات تدل على قوة يقين لدى الشيخ رحمه الله تعالى وغفر له، وأيضاً تدل على حسن ظن الشيخ بربه سبحانه وتعالى. والله وتعالى. والشيخ رحمه الله تعالى مع شدة المرض وثقل الحركة التي أصابته، فكان رحمه الله تعالى يأخذ وقتاً طويلاً في الوضوء، وهكذا في الأكل والصلاة. وفي آخر الأيام، عندما كان الشيخ رحمه الله تعالى في مدينة عنيزة، كان يأم المصلين، وكان كذلك أيضاً يجلس للناس ويخطب بهم الجمعة، لم يتوقف عن ذلك بالرغم من المرض وشدته عليه رحمه الله تعالى. وبعد إجراء الفحوصات اللازمة على الشيخ في مستشفيات المملكة، تبين للأطباء أن الشيخ مريض بالسرطان، وأن المرض قد عم جسمه رحمه الله تعالى. وهنا بدأت رحلة العلاج والبحث عن الدواء، فعندها ألح على الشيخ بضرورة السفر إلى الخارج، وكانت الوجهة إلى أمريكا، لأن أمريكا كانت من أكثر، بل هي أكثر الدول تقدماً في علاج حالات السرطان. ورافقه بعض أهله وطلابه ومحبيه. وفي أمريكا يا إخوان، مع العلاج والمستشفيات، إلا أنه رحمه الله تعالى صلى بهم الجمع، وكان يقيم المحاضرات، ويجيب عن الأسئلة والاستفسارات والقضايا العظيمة التي يعاني منها المسلمون في ذلكم البلد، وكانت دعوة إلى الله عز وجل في بلاد أمريكا. وبعد الفحص، كان العلاج المقترح من قبل الأطباء، ولا سيما بعد انتشار المرض واستفحال أمره، أمرين اثنين: إما الإشعاع النووي أو الكيماوي، أو المسكنات. فالشيخ رحمه الله تعالى كان له موقف من استخدام العلاج الكيماوي، لأنه معروف قوة العلاج على هذا الجسد النحيف والنحيل، والذي ازداد نحافة بسبب المرض، أنه يؤدي في الغالب إلى تساقط الشعر. فرفض الشيخ رحمه الله تعالى أن يستخدم ذلكم العلاج. ومما يؤثر عن الشيخ رحمه الله تعالى أنه لما ذكر له الأطباء أن العلاج الكيماوي سيؤدي إلى تساقط شعره، ومنه شعر لحيته، فكان الشيخ رحمه الله تعالى يحب أن يلقى الله عز وجل بلحيته. انظروا إلى حرصه رحمه الله تعالى، ثم انظروا نظرة أخرى إلى من استهان باللحية واستخف بها، ولربما جعل يقصقص فيها، والبعض يجعل الموسى تمر عليها. فالشيخ رحمه الله يعلم الناس الذين معه، وهكذا من يبلغهم أهمية المحافظة على السنة. الشيخ رحمه الله تعالى على فراش المرض كان يقدم دروساً عملية عظيمة جداً، فيعلم الناس الصبر واحتساب الأجر عند الله عز وجل، وهكذا أيضاً يعلمهم الجد والاجتهاد في طاعة الله عز وجل، ولو مع اشتداد المرض. فالشيخ رحمه الله تعالى على شدة مرضه، فكان يتحامل، حتى أنه إذا سئل عن هل يجد ألماً، فكان غالباً لا يظهر ذلك، إلا إذا لم يكن عنده أحد إلا ابنه عبد الله، فكان الشيخ رحمه الله تعالى يذكر أنه يجد ألماً وألماً مستمراً في المستقيم الذي هو منشأ المرض، يقول: هذا من باب الحكاية، وليس من باب الشكاية. آخر موسم حضره الشيخ في رمضان في سنة ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين، وكان من عادته يا إخوان يأتي في سنواته الماضية إلى الحرم في رمضان، فيقيم الدروس ويجيب عن الأسئلة. فمع قوة المرض، كان الشيخ تجعل له غرفة في الحرم، ومن هذه الغرفة كان يبث دروسه، وهكذا تعرض عليه الأسئلة رحمه الله تعالى فيجيب عن أسئلة المصلين رحمه الله تعالى، مع ما يعاني من شدة المرض، ونصحي الأطباء له بأن يبقى في المستشفى، أو تحت العناية المركزة، والشيخ يرفض. اشتد المرض عليه في غرفته، فأُسعِف إلى جدة إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي، ودخل العناية يومين أو ثلاثة أو نحوها، ثم أمر بإرجاعه إلى الحرم. وبعد إصراره أُتي به إلى غرفته في الحرم، وقام بإلقاء الدروس والإجابة عن الأسئلة، وإلى آخر ليلة من رمضان، إلى آخر ليلة من رمضان. وكان رحمه الله تعالى في آخر ليلة سمع، أو تكلم بصوته الضعيف ولسانه الثقيل، يقول: «وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء المبارك، أسأل الله أن يعينني وإياكم على الخير، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا من دعاة الخير وأنصار الحق، إنه على كل شيء قدير، إنه على كل شيء قدير». وما هي إلا أيام، وإذا بالمرض يزداد، والأيام الأخيرة من حياته رحمه الله تعالى، ذكر الطبيب المعالج له قال: «وفي آخر ليلتين اشتد عليه المرض جداً، وسمعناه يقرأ أشياء من القرآن، فاستمعنا وأنصتنا، فقال: فسمعناه يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾، فأعجبنا ذلك». ثم في آخر يومين اشتد عليه المرض جداً، وهكذا المرافقون للشيخ يسمعون منه الحمد والثناء على الله تبارك وتعالى، وهكذا أيضاً يسمع له تلاوات للقرآن، سورة الفاتحة، وهكذا أيضاً غيرها من الآيات تسمع منه رحمه الله تعالى. والشيخ رحمه الله تعالى ظهر في آخر حياته، آخر ساعات وآخر أيام عاشها، لوحظ منه شوقاً للقاء الله عز وجل. ذكر الشيخ عبد الله بن محمد اليحيى، وكيل وزارة العدل هناك، قال: في آخر أيامه كان الشيخ يوصي من يزوره بتقوى الله عز وجل والدعوة إلى الله والقيام بحقوق الناس، وكان يقول: إنه اشتاق لملاقات ربه. ووصية الشيخ: كان يوصي بوصية عامة، وهكذا أيضاً هذه الوصية العامة كانت بتقوى الله عز وجل والاجتهاد في الدعوة إلى الله تعالى. وهناك وصية خاصة، وصية خاصة للشيخ معروفة ومشهورة، أوصى بها أهله وطلابه ومحبيه، فيما يتعلق بإمامة المسجد أو الجامع الكبير بعنيزة، وهكذا أيضاً الخطابة وإلقاء الدروس، وغير ذلك، مما نفع الله بهذه الوصية. وهكذا أيضاً وصية خاصة بموته ودفنه. ويذكر ابنه خالد العثيمين من وصية الشيخ رحمه الله تعالى: كان يذكره بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويذكر أنه أوصى الأطباء بأنه إذا وافته المنية ألا يحاول استخدام الصدمات الكهربائية لإنعاش قلبه. وهكذا أيضاً أوصى رحمه الله تعالى بأن يصلى عليه في الحرم، وأن يدفن كذلك أيضاً في مكة. والشيخ يا إخوان كانت له أمنيتان: الأمنية الأولى: هو الشهادة، أن يموت شهيداً. والأمنية الثانية: أن يصلى عليه في الحرم وأن يدفن في مكة. وحقق الله له هاتين الأمنيتين، فمات مبطوناً، والمبطون كما هو معلوم شهيد شهيداً حكماً. وهكذا لما توفي رحمه الله تعالى نقل إلى مكة، وصلي عليه، ودفن في مكة. وكانت وفاته رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال، عام ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين، وكانت قبيل المغرب، الساعة الخامسة وخمساً وخمسين دقيقة. وتوفي رحمه الله تعالى عن عمر بلغ أربعاً وسبعين سنة وثمانية عشر يوماً. ووفاته رحمه الله تعالى كان فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير، ومن ذلك أنه كان يوصيهم بالبعد عن المخالفات في الجنائز، ولو كانت منتشرة في تلك المجتمعات. فعلى سبيل المثال كان ينهاهم عن الجلوس للتعزية في البيت، كما كان يفعل في حياته. قالوا: مات أبوه وماتت أمه رحمه الله، فما كان يجلس في البيت، يأتي إلى المسجد ويلقي دروسه، ومن عزاه في المسجد عزى، ومن عزاه في طريقه عزى، ومن كان قد عزى بالمقبرة فقد عزى. ولهذا رفض أهله الجلوس في البيت للتعزية. هناك مبشرات في حياة الشيخ وبعد مماته، من الرؤى الطيبة التي رآها له من رآها من الصلحاء ومن طلاب العلم والعلماء، وهي لعلها عاجل بشرى المؤمن. وأيضاً لعلها تكون دليلاً على الخير الذي انتقل إليه الشيخ رحمه الله تعالى. ومات رحمه الله تعالى، وكان الثناء العطر على الشيخ رحمه الله تعالى من قبل العلماء والملوك والأمراء والوزراء والدعاة وطلاب العلم، بل أثنى عليه الكثير في أنحاء الدنيا وأقطار المعمورة. وهذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاجل بشرى المؤمن، أنه عاجل بشرى المؤمن. وحقيقة أيها الأحبة في الله، تراجم وسير أمثال هؤلاء، لو جلس الجالس الأيام الطويلة وعقدت المجالس العديدة، لما كانت وافية بحق أمثال هؤلاء العظماء وسيرهم التي هي مليئة بالدروس والعبر، لكن هذا شيء يسير من شيء كثير يذكر في حياة أمثال هؤلاء، حسب ما سمعتم. وأسأل المولى جل علاه أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، وأن يرزقنا التأسي والاقتداء بأمثال هؤلاء العظماء، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.