التعليقات على كتاب الأدب المفرد 155

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 155، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الخصومة بين المسلمين وجواز الانتصار للمظلوم

يشرح هذا الفصل جواز انتصار المظلوم من ظالمه بالعدل، ويبين أهمية العدل والإنصاف في الخصومة بين المسلمين، مع التشديد على عدم جواز الاعتداء أثناء الانتصار.

أهمية العدل بين الزوجات ومكانة عائشة رضي الله عنها

يناقش هذا الفصل أهمية العدل بين الزوجات في الإسلام، ويوضح أن العدل المطلوب هو فيما يمكن التحكم فيه، كما يبرز فضل عائشة ومكانتها عند النبي عليه الصلاة والسلام.

فضل الزراعة والغرس وجواز العمل في الأرض

يُشجع هذا الفصل على الزراعة والغرس حتى في الأوقات العصيبة، ويبين فضل هذه الأعمال الصالحة، كما يستدل على جواز العمل في الزراعة وتأجير الأرض بأجرة معلومة.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فوقفنا في الدرس الماضي عند حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، حين بعث أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي الله تعالى عنها تخبره بأن أزواجه يسألنه العدل بين نسائه في بنت أبي قحافة. ثم أرسلنا بعد ذلك زينب رضي الله تعالى عنها، وحصل ما حصل بينها وبين عائشة، وسبت زينب عائشة وتكلمت عليها، ثم ردت عليها عائشة رضي الله تعالى عنها. وأجاء في رواية عند الإمام مسلم أن عائشة رضي الله عنها لما ذكرت مجيء زينب، قالت: وكانت هي التي تساميني في المنزلة -يعني تقاربني في المنزلة عند النبي عليه الصلاة والسلام- قالت: ولم أر ولم أر امرأة قط خيرا في الدين منها، من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل، إلا حدة كانت فيها -يعني سرعة وتسرع- لكن سرعان ما تفي -يعني ترجع-. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا الحديث على جواز الانتصار ممن ظلم، انتصار المظلوم ممن ظلمه، وذلك حين تكلمت زينب في عائشة رضي الله عنها ووقعت فيها. نظرت عائشة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تنتظر هل يأذن لها بأن ترد عليها، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، فعلمت من ذلك أنه يأذن. ولم يشر إليها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الإشارة أو تحريك العين ونحو ذلك ليس من خلق الأنبياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس للأنبياء قائنة لعين». لكن علمت من سكوت النبي عليه الصلاة والسلام أنه يأذن في ذلك، فردت عليها وانتصرت لنفسها. فدل ذلك على جواز انتصار المظلوم ممن ظلمه، انتصار المظلوم ممن ظلمه، لكن لا بد أن يكون ذلك بالعدل، يعني إن ظلمه وأراد أن ينتصر لنفسه، فإنه لا يتعدى على ما ظلمه به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. تعاقب بمثل ما عوقبت به. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المتسابان ما قال، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». المتسابان ما قال، فعلى البادئ منهما -يعني الإثم على البادئ منهما- فإذا ابتدأ شاص وسب آخر، ثم جاء الآخر فسبه بمثل ما سبه، فليس على الثاني إثم، وإنما الإثم على الأول. «فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم»، فإذا اعتدى هذا المظلوم بأن زاد على ما اعتدى به أو ما اعتدي به عليه، كان الإثم بينهما. وفي هذا الحديث كذلك ما ينبغي أن يكون بين المسلم وأخيه من العدل والإنصاف، حتى في وقت الخصومة، حتى في وقت الخصومة. فعائشة رضي الله عنها هنا لما حصل ما حصل بينها وبين زينب، ما جحدت فضل زينب، ولا فجرت في خصومتها أبدا، بل أثنت عليها خيرا، وذكرت ما عليها زينب من الخير والعبادة والتقوى لله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، ألا يكون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في صفات أهل النفاق: «وإذا خاصم فجر». يكون بينه وبين أخيه صحبة، وكذلك أخوه، ثم يحصل بينه وبينه شيء، فلا ينبغي أن يفجر في الخصومة. إذا حصل بينه وبينه شيء فجرى في حقه، وهذا فلا ما فيه خير، ولا عنده خير، ولا يعرف منه خير. وهكذا يفجر في خصومته، ليس هذا من خلق المسلم، بل هذا من خلق أهل النفاق. ولو كان حصل بينك وبينه سوء، ينبغي عليك أن تعدل. «وإذا قلتم فاعدلوا»، ولو كان هذا قربا. عليك أن تعدل في القول وفي الفعل، فهذا من خلق أهل الإسلام. وهكذا أيضا في هذا الحديث بيان فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، وأنها أحب نسائه إليه عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في بعض الروايات أنه لما أرسلنا فاطمة رضي الله تعالى عنها، وذكرنا السبب في ذلك، ما جاء في رواية الإمام البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت تأتيه الهدايا في يوم عائشة، فغرنا أزواجه رضي الله تعالى عنهن من ذلك، فأرسلنا فاطمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «إنه لم يأتيني الوحي في لحاف امرأة غيرها» -يعني ما جاءه الوحي عليه الصلاة والسلام وهو عند امرأة إلا عائشة رضي الله تعالى عنها- وهذا من فضائل عائشة رضي الله تعالى عنها. وفيه كذلك أيضا ما يقع بين النساء الضرائر من الغيرة، وكذلك أيضا ما يقع في قلوب بعضهن على بعض، فهذا أمر طبيعي، وليس مانعا من التعدد في باب النكاح، بل هذا شيء يقع فيه غالب النساء، حتى أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فإنه يعالج بالسياسة والحكمة، وبذلك يذهب الشعر الذي يتوقع من حصوله. لكن هذا شيء لا يسلم منه غالب النساء، وكذلك أيضا فيه أنه إن وقع شيء من ذلك بين نساء الرجل، فإنه لا ينبغي أن يميل إلى بعض دون البعض. إذا حصل شيء بينهن من عداوة أو سوء تعامل، فإنه لا ينبغي له أن يميل إلى بعض نساء دون بعض، بل يقف الموقف الحق والوسط والعدل، فيعدل بينهن، ويسائس الأمور بالسياسة الصحيحة. وهكذا كذلك أيضا في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعدل بين نسائه فيما يجب فيه العدل، وأما ما لا يجب فيه العدل، فهذا لا يواخذ عليه الإنسان، وهو المراد في هذا الحديث بقولهن: «إن نساءك يأمرنك العدل في ابنة أبي قحافة». فليس المراد بالعدل هنا العدل في المبيت والنفقة ونحو ذلك مما يجب فيه العدل، بل المراد به العدل في المحبة، العدل في المحبة. وهذا مما لا يجب على الإنسان أن يعدل فيه باتفاق أهل العلم، لأن شيء لا يملك هذا، شيء لا يملكه الإنسان، أمر يقع في قلبه لا يستطيع أن يملكه. فلهذا فالله عز وجل رخص للإنسان أن لا يعدل فيما يتعلق بقلبه من المحبة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ -يعني مهما حرصت أن تعدل بالقلب والمحبة فهذا لا يمكن، لن تستطيع- لكن لا يحمل كذلك على الظلم والجور وعدم العدل فيما تملكه من المبيت والنفقة والمسكن نحو ذلك. أما ما يتعلق بالقلب فلا جناح عليك في ذلك. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عائشة رضي الله عنها أكثر من سائر نسائه، ومع ذلك فكان يعدل بينهن فيما يجب فيه العدل عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا كذلك في هذا الحديث كما قلنا جواز الانتصار للمظلوم من الظالم بغير اعتداء وبغير ماذا تعدي بما فعل هذا الظالم. ومع ذلك فالعفو والصبر هو الأفضل، العفو والصبر هو الأفضل، لكن إن أراد أن يقابله بما فعل بما لا يخالف الشرع فله ذلك. وفيه أيضا فضيلة لفاطمة رضي الله تعالى عنها، إذ أن نساءه أرسلنا فاطمة رضي الله عنها إلى النبي عليه الصلاة والسلام لعلمهم بمنزلة فاطمة عند النبي صلى الله عليه وسلم. قال: باب المواساة في السنة والمجاعة -يعني عند حصول القحط والشدة- قال: حدثنا محمد من المثنى قال: حدثنا حماد ابن بشير الجهضمي قال: حدثنا عمارة المعولي قال: حدثنا محمد من السيرين عن أبي هريرة قال: يكون في آخر الزمان مجاعة، من أدركته فلا يعدلن بالأتباد الجائعة. وهذا الحديث ضعيف، محمد ابن بشير مجهول. قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب ابن أبي حمزة قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لا». فقالوا: تكفون المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. والحديث صحيح، هو في صحيح الإمام البخاري. وفي هذا الحديث أن المهاجرين لما قدموا إلى المدينة وآخى بينهم النبي عليه الصلاة والسلام تلك المؤاخاة العظيمة التي كانت مثلا عظيما في الأخوة، حتى إن بعضهم كان يرث من بعض بهذه الأخوة. فطلب الأنصار من نبي عليه الصلاة والسلام أن يقسم بينهم وبين إخوانهم النخيل، وكان الأنصار أصحاب نخل وزراعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا». فقالوا: تكفون المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا -يعني تقومون بمؤونة النخل والقيام بزرعه وتكون الثمرة بين الأنصار وبين المهاجرين الذين يعملون فيها- يعني يشتركون في هذا النخيل. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على المواساة عند حصول السنة والمجاعة، ووجه ذلك ظاهر، فإن المهاجرين لما قدموا إلى المدينة كانوا فقراء وذوي حاجة، تركوا أموالهم وتركوا ديارهم، فكان من المواساة التي حصلت بينه وبين الأنصار أن يعملوا في مزارعهم والقيام بنخيلهم ويكون الأجرة والثمرة بينهما. وفي هذا الحديث جواز العمل في الزراعة وتأجير الأرض لأن تزرع ويكون ذلك بأجرة معلومة، إما بالدراهم والدنانير أو بالشطر ما يخرج من الثمر، إما بالنصف أو الثلث أو الربع على حسب ما يتفق العامل مع مالك الأرض، فهذا جائز كما في هذا الحديث. وأما ما ثبت من نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كراء الأرض، فهو محمول على كراءها بالشيء المجهول، كما كان يفعل في الجاهلية، كانوا يؤاجرون الأرض فيقول صاحب الأرض: لي هذا الجانب ولك هذا الجانب، فربما أثمر هذا ولم يثمر هذا، فكان في ذلك جهالة وغرر، فلهذا نهي الشرع عن مثل ذلك. أما إذا كان بأجرة معلومة وثمن معلوم فهذا جائز كما في حديث رافع بن خديج في الصحيحين. وهكذا أيضا فيه فضل العمل في الزراعة، ومن ذلك النخيل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة في فضل الزرع. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من زرع زرعا فأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ولا شيء إلا كان له أجر» -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- وهذا يدل على فضل الزراعة. وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليفعل» -يعني بيده فسيلة- فإن استطاع أن يغرسها فليفعل. وهذا فيه فضل الغرس والزراعة.