التعليقات على كتاب الأدب المفرد 139

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 139، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام التعزية والتعامل مع المصاب

يستحب تعزية المصاب بفقدان الولد بقول "إن لله ما أخذ وله ما أعطى". الصبر والاحتساب يهونان المصيبة ويجعلانها سبباً لدخول الجنة.

استحباب إبرار القسم وضوابط البكاء

يستحب إبرار القسم كما فعلت بنت النبي عليه الصلاة والسلام. يجوز البكاء الرحيم دون تسخط أو رفع صوت كما بكي النبي عليه الصلاة والسلام.

الفرق بين البكاء المشروع والمحرم

البكاء المشروع هو دمع العين وحزن القلب دون صياح، أما البكاء المنهي عنه فيشمل النياحة وضرب الخدود. الرحمة فضيلة لينال الإنسان رحمة الله.

نقل القرآن الكريم عبر العلماء

أخذت العالمة الفقيهة القرآن من أبي الدرداء رضي الله عنه، وتعد حلقة في سلسلة نقل القرآن الكريم.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. وقفنا في الدرس الماضي في كتاب "أدب المفرد" للإمام البخاري رحمه الله عند حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، حين دعت إحدى بنات النبي عليه الصلاة والسلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر حين مرض أحد أبنائها وأوشك على الموت. فأرسل لها النبي عليه الصلاة والسلام رسولا يقول لها: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". وهذا فيه أنه يستحب تعزية المصاب بهذا العزاء، وبهذا الدعاء أن تقول له: "لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فالولد عطية من الله سبحانه وتعالى، فإذا أخذه فقد أخذ ما هو له سبحانه وتعالى. وإذا علم الإنسان ذلك هانت عليه هذه المصيبة، وأن كل شيء لأجل مسمى، والأعمار قد ضربت لآجال لا تتعداها، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لكل أجل كتاب وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. فالإنسان لا يموت إلا بأجله الذي كتبه الله سبحانه وتعالى له، لا يتقدم ولا يتأخر. فإذا جاء أجله انتقل من هذه الدنيا إلى البرزخ، وهي أول منزل من منازل الآخرة. فإذا علم الإنسان ذلك فإن ذلك يهون عليه صعوبة هذا الفراق، فما عليه إلا أن يصبر على هذا البلاء الذي ابتلي به، فعليه بالصبر، لا يجزع ولا يتسخط ولا يتشكى. وهكذا يحتسب، "فلتصبر ولتحتسب"، صبرا مع احتساب، لأن هذا الاحتساب سبب لنفع هذا الأب أو الأم التي فارقت ولدها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم إلا دخل الجنة". قالوا: يا رسول الله، واثنين؟ قال: "واثنين". كما في الصحيحين. فالذي يحتسب من يفقد من أولاده فإن ذلك سبب في دخوله الجنة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يلقى أحدهم أباه -يعني في الآخرة- فيمسك بثوبه، فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه الجنة". جاء رجل إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: "لا تحدثنا بما سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا تسلى به". فذكر له قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الرجل إذا احتسب ولده، فإن وجده يوم القيامة عند باب الجنة، فيأخذ بثوب أبيه، وأخذ بثوب الرجل وجره، فلا يتركه حتى يدخل هو وإياه الجنة". وهذا الفضل العظيم لا يناله إلا بالاحتساب. أما إذا جزع وتسخط فإنه يحرم نفسه هذا الأجر العظيم. وفي هذا الحديث أيضا أن إبرار القسم مستحب. فإن بنت النبي عليه الصلاة والسلام أقسمت على النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتيها، فقام النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من الصحابة حتى أتى إليها. وهذا ليس على سبيل الوجوب، بل يستحب إبرار المقسم. وقد جاء الأمر بإبراره في قسمه، كما في الصحيحين. وإبرار المقسم في حق المسلم على المسلم مستحب، وقد استدل العلماء بالاستحباب بمجرد ورود الحديث في الصحيحين. حين فسر أبو بكر رضي الله تعالى عنه رؤيا رآها النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "يا رسول الله، أصبت". فقال: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا". فقال: "أقسمت عليك إلا أخبرتني فيما أخطأت". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تقسم". ولم يخبره بما أخطأ فيه، فاستدل أهل العلم بهذا على أن إبرار المقسم مستحب. وقام النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من أصحابه، منهم سعد بن عبادة، وجاء في رواية أخرى: "ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب". فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الصبي فوضعه بين ثدييه، قال: "ولصدره قعقعة كقعقعة الشنة" -يعني كان يتألم هذا الصبي- قال: "فدمعت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال سعد -يعني ابن عبادة-: "أتبكي وأنت رسول الله؟" فقال: "إنما أبكي رحمة لها". يعني عجب سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن البكاء على الميت، وأخبر أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر وعمر وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا بكاء رحمة، وبكاء الرحمة لا يؤاخذ به الإنسان، أن تدمع عيناه ويبكي بكاء خفيفا ليس فيه تسخط ولا تشكي ولا رفع صوت ولا صياح، فهذا جائز بل هو رحمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما أبكي رحمة لها". فهذا البكاء مشروع. ومثله ما جاء في الصحيحين حين مات ابن النبي عليه الصلاة والسلام، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "إن العين تدمع وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون". وهكذا لما جاء سعد بن عبادة وقد مرض، فدمعت عين النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "إنها رحمة، وإن الله إنما يرحم من عباده الرحماء". وهكذا غير ذلك من أحاديث التي فيها بكاء النبي عليه الصلاة والسلام. فقال العلماء: هذا البكاء هو المشروع، دمع العين وحزن القلب، والكلام بما يرضي الله سبحانه وتعالى، فهذا لا شيء فيه. أما الصياح والعويل وما كان يفعله أهل الجاهلية من ذكر محاسن هذا الميت، وكذلك أيضا الصياح عليه، فهذا هو المنهي عنه، وهذه النياحة التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ضرب الخدود وشق الجيوب، تضرب المرأة خدها أو الرجل، أو يشق ثوبه، أو كذلك أيضا تنثر شعرها، فهذا من فعل الجاهلية. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "النائحة إذا لم تتب ألبست يوم القيامة درعا من قطران". وهذا العذاب تناله بسبب هذه النياحة المنهي عنها. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء" فيه بيان فضيلة الرحمة واتصاف الإنسان بهذه الصفة، صفة الرحمة. والله سبحانه وتعالى من صفاته الرحمة، وهو سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم. وصفة الله سبحانه وتعالى تليق به، وصفة الإنسان تليق به. واتصاف بهذه الصفة سبب لنيل رحمة الله سبحانه وتعالى، "إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء". ولهذا كان أهل النار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حارثة بن وهب: "كل جواض مستكبر". وقال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى. كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره". فهذا من صفات أهل الجنة أن فيهم رحمة وضعف ولين جانب، وهذا صفة أهل الجنة. وصفة أهل النار عكس ذلك. حدثنا الحسن بن واقع قال: حدثنا ضمرة عن إبراهيم بن أبي عبلة. وإبراهيم بن أبي عبلة من التابعين، قال: ذهب -رحمه الله- في السير، هو الإمام القدوة، شيخ فلسطين، أبو إسحاق العقيلي. قد روى عن بعض الصحابة، كواتل من الأسقع، وأنس بن مالك، وأبي أمامة. ووثقه ابن معين والنسائي. قال: "كنت آتي إلى أم الدرداء، وأم الدرداء هي الصغرى الفقيهة العالمة، هجيمة بنت حي الوصابية، وهي زوجة أبي الدرداء عويمر الصحابي رضي الله تعالى عنه". والأخرى أم الدرداء الكبرى، واسمها خيرة بنت أبي حدرد. فأبو الدرداء رضي الله عنه كان له زوجتان، كلاهما يقال لهما أم الدرداء. كما قال ابن معين رحمه الله: وقد وهم بعض السلف فقال: هما واحدة. والصحيح أنهما اثنتان، كلتا زوجتيه يقال لهما أم الدرداء، إحداهما الكبرى والأخرى الصغرى، وهي هجيمة أو جهيمة. قيل: هجيمة، وقيل: جهيمة. وهي كما قلنا العالمة الفقيهة، أخذت من أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه القرآن، وأخذ منها السلف. نكمل إن شاء الله هذا الأثر في درس قادم. والله تعالى أعلم.