كتاب الأطعمة 1

الدرس في كتاب الأطعمة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الأطعمة والأشربة العامة

الأصل في الأطعمة غير الحيوانية الإباحة إلا إذا كانت مضرة، والأشربة كلها مباحة إلا المسكرات. يحرم تناول المسكر بكميات كبيرة أو صغيرة.

أحكام الحيوانات البحرية والبرية

كل ما في البحر حلال سواء كان حيا أو ميتا، أما البري فالأصل فيه الحل إلا ما حرم الشارع. بعض الحيوانات البرية المفترسة محرمة.

تحريم بعض الحيوانات والطيور وتفاصيل الذكاة

نهى النبي عن أكل بعض الحيوانات والطيور مثل الحمر الأهلية وذي المخلب، وأمر بقتل بعض الدواب مثل الحية والغراب. الذكاة هي ذبح الحيوان بقطع حلقومه ومريه لجعله حلالا للأكل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "منج السالكين". قال: كتاب الأطعمة، قال: وهي نوعان: حيوان وغيره. فأما غير الحيوان من الحبوب والثمار وغيرها فكله مباح، إلا ما فيه مضرّة كالسم ونحوه. والأشربة كلها مباحة، إلا ما أسكر، فإنه يحرم كثيره وقليله، لحديث: "كل مسكر حرام". وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام. وإن انقلبت الخمر خلا حلت. والحيوان قسمان: بحري، فيحل كل ما في البحر حيا وميتا، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. وأما البري، فالأصل فيه الحل، إلا ما نص عليه الشارع. فمن ذلك ما في حديث ابن عباس: "كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام". ونهى عن كل ذي مخلب من الطير، رواه مسلم. قال: ونهى عن لحوم الحمر الأهلية، متفق عليه. ونهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، رواه أحمد وأبو داود. وجميع الخبائث محرمة كالحشرات ونحوها. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلالة وألبانها، حتى تحبس وتطعم الطاهرة ثلاثا. هذا الكتاب كتاب الأطعمة، يعني في ذكر أحكام الأطعمة، والمراد بها الأشياء التي يأكلها الإنسان من حيوان وغيره. لهذا قال هنا: وهي نوعان: حيوان وغيره. حيوان وغيره يعني غير الحيوان كالحبوب والثمار والزروع. قال: فأما غير الحيوان كالحبوب والثمار، الحبوب كالبر والشعير والأرز ونحوها، والثمار كالتفاح والبرتقال والعنب والتمر إلى آخره. قال: فكله مباح، يعني الأصل فيه الإباحة، الأصل في الحبوب والثمار الإباحة. قال: إلا ما فيه مضرة كالسم ونحوه. الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وكذلك أيضا غيرها من الآيات الدالة على هذا المعنى في إباحة الثمار والفوح والفواكه. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾. وليا للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، إلا ما فيه مضرة كالسم ونحوه، يعني مما فيه مضرة على الإنسان، فإنه يحرم لما فيه من الضرر. لعموم أدلة في رفع الضرر: "لا ضرر ولا ضرار". وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. فالزروع وكذلك الحبوب التي فيها مضرة على الإنسان، فإنها تحرم بسبب وجود الضرر. قال: والأشربة كلها مباحة، كذلك الأصل في الأشربة الحل، الأصل فيها الحل. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. قال: إلا ما أسكر، ما أسكر يعني ما أزال العقل وغيره وأفسده. قال: فإنه يحرم كثيره وقليله، يعني يحرم ولو ما أسكر كثيره، فيحرم استعمال قليل منه ولو كان القليل لا يسكر، ولو كان القليل لا يسكر، لكن ما دام أن الكثير منه يسكر، فإنه يحرم استعمال هذا الشراب ولو قل. قال: لحديث: "كل مسكر حرام". وهذا نص في بيان علة التحريم، وهو الإسكار. فكل شراب أسكر، سواء صنع من التمر أو من العنب أو من الشعير أو من غير ذلك، فهو حرام. "كل مسكر حرام". قال: وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام. الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا. فالمقصود أن ما أسكر الكثير منه، فشرب القليل منه حرام. ما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام. فالشراب المسكر يحرم، إلا إذا زالت علة التحريم، وهي الإسكار، فيرجع إلى الحل، وهو الأصل. قال: وإن انقلبت الخمر خلا حلت. لأن العلة هنا زالت، وهو علة الإسكار. لكن إذا انقلبت الخمر بنفسها حتى صارت خلا، هنا تكون حلالا ويجوز استعمالها. وأما أن يقوم الإنسان بتخليلها، فهذا لا يجوز. في حديث أنس في مسلم: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا. لأن الواجب هو إراقة الخمر. سئل عن خمر الأيتام هل يتخذونها خلا؟ فقال: لا. وهنا يجب كما سمعتم أن تراق وتهرق. قال: والحيوان قسمان: بحري، فيحل كل ما في البحر حيا وميتا، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيد البحر ما صيد منه حيا، وطعامه ما قذفه البحر ميتا. وفي حديث أبي هريرة في السنن، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". إذن ما في البحر يحل، سواء كان حيا أو كان ميتا. وكل ما في البحر حلال، حتى ولو كان يوجد مثله مما يسمى ببعض حيوان البر مما يحرم في البر، ككلب البحر وخنزير البحر وحية البحر، فإنه يحل. لأن الأصل في صيد البحر هو الحل. واختلف العلماء في بعض حيوانات البحر كالتمساح: هل يلحق بالحيوانات المفترسة البرية فيكون محرما، أو يلحق بحيوانات البحر فيكون حلالا؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى الحل على الأصل لعموم هذه الأدلة. ومنهم من ذهب إلى التحريم، قالوا: لأن التمساح يعيش في البر، ولهذا يلحق بحيوانات البر المفترسة فيكون محرما. وهذا أقرب، الله أعلم. كذلك أيضا اختلف فيما يعيش في البر والبحر، يسمى الحيوانات البرمائية، كالسلحفاء. السلحفاء تعيش في البر وتعيش في البحر، فتخرج إلى البر تبيض ثم ترجع. فهذه الصحيحة أنها تحل بالتذكية إذا وجدت في البر أو صيدت وهي حية، فإن تذكى تعامل معاملة الحيوان البري. وإذا ولدت في البحر، فهي على أصل الحل لعموم الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. فحينئذ تعامل معاملة صيد البحر. قال: وأما البري، فالأصل فيه كذلك، الأصل في الحيوانات البرية هو الحل، أنها حلال، لعموم الأدلة الدالة على الحل. قال الله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. وهذه الآية دالة على حل جميع الأشياء، ومن ذلك هذه الحيوانات البرية. ويدل كذلك على أن الأصل الحل، هو أن الشريعة جاءت بتحريم بعض الحيوانات، فهي معدودة. وما لم يأت فيه التحريم، فالأصل أنه حلال. قال: إلا ما نص عليه الشارع، يعني ما نص على تحريمه فهو حرام. قالت: منها ما في حديث ابن عباس: "كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام". والحديث في مسلم. كل ذي ناب من السباع، يعني بهذا القيد أن يكون سبعا، أي حيوانا مفترسا. فكل حيوان مفترس له ناب، فهو حرام. فيدخل في ذلك الأسد والنمر والفهد والذئب والثعلب والكلب وغيرها من الحيوانات المفترسة. كل حيوان له ناب من السباع، فيحرم أكله. ويستثنى الضبع، الضبع وإن كان له ناب يفترس به، فقد جاء الشرع باستثنائه. سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الضبع، فقال: "الضبع الصيد، وفيه وبر". إذا صاده المحرم. قال: ونهى عن كل ذي مخلب من الطير، رواه مسلم. كذلك كل ما له مخلب من الطيور، لها مخالب تفترس بها، فهي محرمة، كالنسر والصقر والحدى ونحوها من هذه الطيور. ومثلها أيضا ما يأكل الجيف، فكذلك يحرم بخبثه. قال: ونهى عن لحوم الحمر الأهلية، متفق عليه. نعم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، يسمى الحمر الإنسية، والحمر جمع حمار. وهذا الحيوان الذي يعيش بين الناس. الصحابة رضي الله عنهم في خيبر، لما أصابهم الجوع، عمدوا إلى الحمر فذبحوها وطبخوها. فلما بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، نهى عن أكلها وأمر بإكفاء القدور. وقبر بأنها رجس. إذا الحمر الأهلية لا يجوز أكلها. أما الحمر الوحشية، فيجوز أكلها على أصل الحل. قال: ونهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، كما جاء في الحديث عند أحمد وأبي داود. فما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتله، فهو حرام. ما نهى عن قتله فهو حرام، لا يجوز أكله. فالنملة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها. وهذا يشمل جميع النمل بأنواعه. فإن قال قائل: أحيانا نتضرر ونتأذى منها، فيقال: ما كان منه أذية، فيجوز قتله يدفع أذيته، لكن من غير سبب لا يجوز. وهكذا النحلة، النحل لا يجوز قتله. والهدهد الطائر المعروف، وهكذا الصرد نوع من أنواع الطيور، هذه لا يجوز قتلها، فلا يجوز أكلها. وهكذا أيضا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فلا يجوز أكله، مثل الحية والغراب والفارة، هذه حيوانات أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها لما فيها من الأذية، فلا يجوز أكلها. إذن ما أمر عليه الصلاة والسلام بقتله، فلا يجوز أكله. وما نهى عن قتله، كذلك لا يجوز أكله. قال: وجميع الخبائث محرمة كالحشرات ونحوها، لقول الله جل وعلا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وهذه الخبائث يراد بها ما جاءت الشريعة بتحريمه، وكذلك ما تستخبثه النفوس السليمة، كالحشرات الصراصير وما كان مثلها، فهذه تحرم لأنها تعتبر من الخبائث. الصراصير يعني الديدان نحو ذلك من الحشرات. قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلالة وألبانها، رواه أبو داود والترمذي. الجلالة هو الحيوان الطاهر الذي يجوز أكله، إذا أكل من النجاسة. إذا أكل من النجاسة كالدجاج والضان، إذا جادت أكل النجاسة. فإذا أكل الحيوان الطاهر شيئا من النجاسة، وهنا لا يجوز أكله، بل جاء النهي كذلك عن ركوبها، نهى عن ركوب ظهرها. وكذا الإبل إذا أكلت النجاسة، فلا يجوز ركوبها ولا أكل لحمها وشرب لبنها، حتى تحبس حتى يغلب على الظن حصول الطهارة لها. قال: حتى تحبس وتطعم الطاهرة ثلاثا. قيل: الدجاج يحبس ثلاثا، والغنم تحبس شهرا أو أربعين يوما، جاء في أثر عن عمر رضي الله تعالى عنه. المهم أنها تحبس حتى يغلب على الظن طهارتها من هذه الجلالة، فحينئذ تحل، فيجوز شرب لبنها ويجوز أكل لحمها. باب الذكاة والصيد، قال: الحيوانات المباحة لا تباح بدون الذكاة، إلا السمك والجراد. إلى آخر ما ذكر في هذا الباب. نعم الذكاة يقال: ذكى الشاة تذكية، أي ذبحها. فالذكاة هو ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريه، أو عقر ممتنع. الذكاة: ذبح أو نحر الحيوان