الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع الأول حديث رسول الله حول التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة، ويبين آراء العلماء حول كيفية التصفيق ومدى جوازه للنساء. يبين أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء هو الأفضل عند التنبيه أو الاستئذان في الصلاة.
إذا صلت النساء مع الرجال فينبغي لهن التصفيق دون التسبيح لما قد يترتب على صوتهن من الفتنة. أما إذا صلين منفردات فيشرع لهن التسبيح لانتفاء العلة، ويبين أن التصفيق من أفعال النساء.
يبين حكم البكاء والنحنحة في الصلاة، حيث أن البكاء من خشية الله لا يضر الصلاة، واختلف العلماء في البكاء لغير خشية الله. كما أن النحنحة لا تضر الصلاة ولكن التسبيح أفضل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»، متفق عليه. زاد مسلم: «في الصلاة». هذا الحديث في الصحيحين: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء». وجاء أيضا من حديث سهل بن سعد في البخاري. نعم، وجاء أيضا بلفظ: «من نابه شيء في الصلاة فليسبح»، وحديث سهل بلفظ: «التصفيح للنساء»، والتصفيح بدل التصفيق. والتصفيح للنساء. ورواية مسلم قال: زاد مسلم «في الصلاة»، يعني أن هذا التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة. أخرجها مسلم من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة. والإمام البيهقي رحمه الله أخرج الحديث بلفظ آخر، من طريق الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه أن الرجل المسلم إذا نابه شيء في الصلاة، فاحتاج إلى تنبيه -تنبيه الإمام مثلا إذا سها واحتاج إلى من يفتح عليه- فيسبح، أو احتاج أن ينبه أن المصلين أو الحاضرين عنده على أمر من الأمور التي يخشى من وقوع ضرر منها، فيسبح. والمرأة تصفق. والمرأة تصفق إذا احتاج إلى التنبيه فإنها تصفق. والتصفيق هل له كيفية معينة؟ بعض العلماء قال: تضرب بأصبعين على باطن كفها اليسرى، أو على ظاهر كفها اليسرى. هو التصفيح. التصفيح: ضرب الأصابع اليمنى على ظهر الكف اليسرى. هذا التصفيح. وأما التصفيق، فإنه ضرب باطن أصابع اليمنى على باطن الكف اليسرى. وصح أنه يجوز التصفيق بأي كيفية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد كيفية معينة، فسواء صفقت بأصبعين على باطن الكف اليسرى، أو بأربع أصابع على باطن الكف اليسرى، أو بأصابعها على ظاهر الكف اليسرى، كل هذا جائز، كل هذا جائز. فهذا الحديث فيه أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله، على ما في ظاهر هذا الحديث. والإمام مالك رحمه الله ذهب إلى أن التسبيح للرجال والنساء، وحملوا هذا الحديث في قوله: «والتصفيق للنساء»، هذا قال: المراد به أن التصفيق من فعل النساء، يعني هذا على جهة الذم، أن يصفق الرجال؛ فإن التصفيق من أفعال النساء. واستدلوا بعموم الحديث: «من نابه شيء في الصلاة فليسبح»، قالوا: هذا عام للرجال والنساء. والصواب الأول: أن التصفيق للنساء، وهذا التفريق قد يقال به إذا كان النساء يصلين مع الرجال، يعني النساء يصلين خلف الرجال في بعض المساجد، في هذه الأزمنة قد تكون المساجد ضيقة، ليس هناك محل للنساء، فيفعل لهن ساتر في الخلف خلف الرجال، فهن الآن يصلين مع الرجال، فإن نابهن شيء فإنها تصفق ولا تسبح. قال أهل العلم: ذلك أن صوت المرأة فتنة، لو سبحت سيسمع الرجال صوتها وقد يفتتنون بصوتها، فلهذا فإنها تصفق. لكن إذا صلت النساء وحدهن، إذا صلين النساء وحدهن ما عندهن رجال، فهل يشرع لهن التسبيح؟ أم لا؟ الصحيح أنه يشرع لهن التسبيح، وإلى هذا ذهب إمام الحرم رجب رحمه الله، وذلك أولا: أن العلة منتفية -علة الفتنة- هنا منتفية لكونهن وحدهن. والأمر الثاني: أنه قد صح في البخاري في قصة عائشة رضي الله عنها مع أسماء في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام الكسوف، فإنها سبحت، فإن عائشة سبحت لها، قال: «سبحان الله». فدل هذا أنه يشرع التسبيح للنساء إذا كن وحدهن. فهذا القول هو الأظهر. أما إذا كن مع الرجال فإنهن يصفقن ولا يسبحن. وكذلك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام: «والتصفيق للنساء»، فيه أن التصفيق من أفعال النساء، فما يفعله بعض الرجال في الاجتماعات واللقاءات إذا أعجبهم شيء من كلام متكلم قاموا بالتصفيق، هذا خلاف السنة، بل هذا يعني من التشبه بالنساء، الذي لا ينبغي أن يفعله المسلم. بل التصفيق -يعني بالنسبة للرجال- هو من أفعال المشركين كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال جمهور المفسرين: المكاء التصفير، والتصدية التصفيق. وهذا ذكر على سبيل الذم والتوبيخ، إذن المسلم إذا أعجبه شيء فإنه يسبح أو يكبر ولا يصفق؛ لأن التصفيق إنما هو من أفعال النساء. قال رحمه الله: وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحديث صحيح، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. ومطرف بن عبد الله بن الشخير تابعي جليل، قال الحافظ: تابعي ثقة عابد فاضل. وعبد الله بن الشخير صحابي ممن وفد على النبي عليه الصلاة والسلام في وفد بني عامر. فيقول عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. أزيز يعني صوت وغليان بالبكاء كأزيز المرجل -المرجل: القدر- إذا وضع على النار وغلى فيه الماء فإنه يصدر صوتا، فكان صوت بكاء النبي عليه الصلاة والسلام كصوت المرجل. والبكاء: خروج الدمع من العينين مع صوت. فهذا الحديث فيه أن بكاء المصلي في صلاته من خشية الله جل وعلا، وإن صدر مع ذلك صوت عند بكائه فإنه لا يضر بصلاته، ولا يبطلها. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويصدر منه الصوت بالبكاء عليه الصلاة والسلام. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بالناس في صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف، ولما بلغ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ بكى بكاء شديدا حتى سمع نشيجه من خلف الصفوف، كما قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه، وهو الحديث ذكره البخاري معلقا، وهذا الأثر ذكره البخاري معلقا، ووصله سعيد بن منصور في سننه. إذن البكاء والنشيج من خشية الله لا يضر بصلاة المصلي. طيب إن بكى من غير خشية الله -يعني مثلا تذكر موت قريب أو صديق أو نحو ذلك فبكى- هل يضر هذا بصلاته؟ قال بعض أهل العلم: إن صدر منه حرفان بطلت الصلاة، وهذا قول الحنابلة، وهكذا أيضا المالكية والشافعية. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إن بكى وغلب عليه البكاء فإنه لا يؤاخذ بذلك. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونسبه إلى الجمهور، إذا بكى المصلي في صلاته خشية من الله جل وعلا، أو شوقا إلى لقاء الله، أو طمعا في جنته، أو خوفا من ناره، أو تذكر -يعني موت قريب- فبكى، فإن ذلك لا يضر بصلاته. قال رحمه الله: وعن علي: «كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلا، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي». رواه النسائي وابن ماجه. هذا الحديث ضعيف، فيه أبو بكر بن عياش، وأبو بكر بن عياش ثقة لكنه كبر فساء حفظه، فرد من حديثه ما علم أنه أخطأ فيه كما قال ابن حبان، وقد أخطأ في هذا الحديث وخولف في إسناده ومتنه. وفيه أيضا عبد الله بن يحيى متكلم فيه، ولهذا ضعفه جماعة من أهل العلم كالإمام الذهبي والطحاوي، وكذا الإمام النووي، والعلامة الألباني. والنحنحة: هو صدور صوت من الحلق أو من الجوف، صدور الصوت أو تردد الصوت في الجوف، يقال: نحنحة نحيحا إذا تردد صوته في جوفه. يعني مثلا إنسان يأتي وآخر يصلي، فيه يريد أن يستأذن عليه وهو في الصلاة، فيقول هذا تردد الصوت ثم نحنحة. هذا الحديث فيه أن النحنحة -يعني لا تضر بالصلاة- أنها لا تضر بالصلاة. لكن الحديث ضعيف، وهو مع ضعفه يعني معناه صحيح، أن النحنحة ما تضر. لكن التسبيح أفضل؛ لأنه أصح إسنادا، فكونه يسبح هذا أفضل من النحنحة، يقول: «سبحان الله»، فيعلم من أراد أن يستأذن عليه أنه يصلي فيحصل المقصود. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. صلى الله عليه وسلم على آله وصحبه أجمعين.