الدرس في كتاب الصلاة 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح حكم قتل الحية والعقرب أثناء الصلاة استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين شروط إبطال الصلاة بحركة المصلي. أول كلمات هذا المحور هي 'حكم قتل الحية'.
يتناول المقطع الحركة الكثيرة التي تبطل الصلاة، وحديث النبي حول إثم المار بين يدي المصلي، واستخدام السترة في الصلاة. يُوضح أن استخدام السترة مستحب.
يشرح حديث النبي حول تحريم المرور بين يدي المصلي، ويبين أهمية اتخاذ السترة لمنع المرور بين يدي المصلي وتجنب أماكن الازدحام أثناء الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب». أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان. وهذا الحديث أخرجوه من طريق يحيى، عن أبي كثير، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح. فهذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب. وقيل لهما بالأسودين على جهة التغليب، وإلا فتقتل الحية والعقرب سواء كان أسودين أو غير أسودين من الألوان الأخرى. وهو حيوان من الزواحف، طويلة البطن، وجسمها محرشف، عديم الأطراف، وهي تلدغ عن طريق الفم، ثم تفرز المادة السامة، فتنتقل إلى اللديغ. والعقرب معروف، يلدغ أو يلسع بشوكة في طرف ذيله، العقرب يلدغ بشوكة في طرف ذيله، وهي أيضا فيها سم. فهذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل الحية والعقرب، ولو كان الإنسان في الصلاة. ولو كان الإنسان في الصلاة إذا رأى حية أو عقرب فإنه يقتلها. ولم يحدد النبي عليه الصلاة والسلام ضربات معينة. بعض أهل العلم قال: إذا كان ذلك ضربتين. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق. سواء كان بضربتين أو ثلاث، فله أن يقتلها وهو في الصلاة. لكن ما حكم الصلاة في هذه الحال؟ إذا كانت الحركة التي تحركها لقتل الحية والعقرب يسيرة، إذا كانت يسيرة ولم يتحول عن جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة. وأما إذا احتاج إلى قتلها إلى حركة كثيرة، فإنه حينئذ يخرج من الصلاة، ويقتل الحية والعقرب، ثم يستأنف الصلاة من جديد. وهكذا أيضا إذا كان يصلي، مثلا، ومرت الحية والعقرب، وهو يخشى أن تلدغ أحدا في البيت، فإنه يخرج من الصلاة ويقتلها. ومثل هذا إنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق. لو احترق البيت وهو يصلي، يخرج. أو كان يصلي فرأى شخصا يغرق، وهو يستطيع إنقاذه، يخرج من الصلاة وينقذه؛ لأن هذا من باب اجتماع دفع المفاسد أولى من جلب المصالح. فإن استمراره في الصلاة سيؤدي إلى حصول مفسدة، بلدغ هذه الحية أو العقرب ذلك الإنسان. أو إذا استمر في الصلاة، وذاك يغرق في البحر، سيموت ويهلك، وهذه مفسدة. فيخرج وينقذه، ثم بعد ذلك يستأنف الصلاة. وهنا تأتي مسألة: ما هو ضابط الحركة الذي به تبطل الصلاة؟ بعض أهل العلم قال: إذا تحرك ثلاث حركات، فإنها تبطل صلاته. وهذا لا دليل عليه. وقد مر معنا في حديثي مع قبيلتها في حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة. فهذه الحركات التي حصلت أكثر من ثلاث حركات. ومن أهل العلم من قال: يرجع في هذا إلى العرف. وقول الحنابلة: يرجع إلى العرف، فما عد عرفا أنه كثير، فإنه تبطل به الصلاة. وهذا القول قد تختلف الأعراف. في عرف يعدون هذه الحركة كثيرة، وفي عرف آخر يعدونها قليلة. لكن أضبط من هذا من قال من أهل العلم: بأن الكثير الذي إذا رآه الناظر يعلم أو يرى أنه ليس في صلاة. الحركة الكثيرة التي إذا فعلها المصلي، من يراه يقول: هذا ليس في صلاة، تكون هذه حركة كثيرة تبطل بها الصلاة. يكون هذا هو الضابط. الحركة الكثيرة التي تبطل بها الصلاة، التي إذا رأى الناظر هذا المتحرك في الصلاة يقول: هذا ليس في صلاة. قال رحمه الله: باب سترة المصلي. عن أبي جهيم بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه». قال: متفق عليه، واللفظ للبخاري. ووقع في البزار من وجه آخر: أربعين خريفا. هذا الحديث حديث أبي جهيم، وهو عبد الله بن الحارث بن الصمة، وهو من أخت أبي كعب. في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه». الحديث في الصحيحين ليس فيه ذكر لفظة «من الإثم»، وإنما قال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف». هكذا بالصحيحين. وكذلك في كتب السنن والمسانيد، كلهم أخرجوا هذا الحديث بهذا اللفظ، ليس فيه ذكر «من الإثم». والحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح قد انتقد من ذكر الحديث بلفظ «من الإثم»، كما أشار إلى ذلك النووي على الطبراني نسبتها إلى البخاري بكتابه الأحكام. وهكذا أيضا عيب على صاحب العمدة نسبتها إلى الشيخين. ثم الحافظ هنا في البلوغ ذكر هذه اللفظة، ووهم في ذلك رحمه الله. وقوله: «باب سترة المصلي»، أي هذا مدخل لذكر ما يتعلق بسترة المصلي. والسترة: ما يستتر به مطلقا. والمراد به هنا سترة المصلي، أي ما يضعه المصلي أمامه إذا صلى حتى يمنع من أراد أن يمر بين يديه. واستخدام السترة مستحب باتفاق أهل العلم. والخلاف في وجوبها كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. وقوله هنا: «وقع في البزار من وجه آخر: أربعين خريفا»، يعني الحديث في الصحيحين قال: «لكان أن يقف أربعين»، لم يذكر أربعين ماذا؟ أربعين يوم؟ أربعين شهر؟ أربعين سنة؟ قال أبو النضر: أحد رواة الحديث، قال: لا أدري، قال: أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة؟ وفي رواية البزار قال: «أربعين خريفا». والخريف هو فصل من فصول السنة التي تخرج فيها الثمار. والمقصود أربعين خريفا يعني أربعين عاما. وراوية البزار هذه تفرد بها أبو عيينة بذكر أربعين خريفا، رواها عن أبي النضر، وذكر فيها أربعين خريفا. وقد رواها يعني مالك والثوري عنه عن أبي النضر، ولم يذكروا تقييدها بأربعين خريف. ورواها من عيينة كذلك كرواية الجماعة، يعني من غير تقييد. رواها كرواية الجماعة من غير تقييد، أي أربعين، وهي الأصح. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم»، لو حرف شرط، ويعلم فعل الشرط. وقوله: «لكان أن يقف»، جواب الشرط. «لو يعلم المار» يعني الماشي بين يدي المصلي، أي بين موضع قيامه إلى موضع سجوده. بين موضع قيام المصلي إلى موضع سجوده الذي يمر في هذا المكان. وقال: «بين يديه»، هذا من ذكر البعض وإرادة الكل، يعني المرور بين جانب المصلي أو فيما بين قيامه وبين موضع سجوده. «لو يعلم هذا المار بين يدي المصلي ماذا عليه» يعني من الإثم والوزر، «لكان أن يقف أربعين» يعني يبقى واقفا حتى ينتهي المصلي من صلاته، ولا يمر بين يديه، «خيرا له» يعني لو وقف ينتظر أربعين، سواء أربعين ساعة، أربعين يوم، أربعين شهر، أربعين سنة، هذا خير له من أن يتعجل ويمر بين يديه وهو في الصلاة. وهذا من باب يعني تعظيم هذا الأمر، يعني تقييد الأربعين من باب التعظيم، تعظيم مروره بين يدي المصلي وهو يصلي، وأنه أمر عظيم. فالحديث يدل على تحريم مرور الإنسان بين يدي المصلي وهو يصلي. تحريم المرور بين يدي المصلي وهو يصلي، وأن ذلك محرم يلحق صاحبه الإثم. بل اعتبره بعض أهل العلم من الكبائر. الإمام الشوكاني رحمه الله عد المرور بين يدي المصلي من كبائر الذنوب. ونقل الإمام ابن حزم رحمه الله الإجماع على أنه آثم، على أن المار بين يدي المصلي آثم. يدل هذا على أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من المرور بين يدي المصلي وهو يصلي. ومن أطلق الكراهة من أهل العلم، فإنها تحمل على كراهة التحريم، كإمام الترمذي رحمه الله وغيره، كابن عبدالبر. فذكروا لفظ الكراهة، لكن تحمل هذه الكراهة على كراهة التحريم؛ لورود الحديث الذي يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي. وأيضا فيه أنه ينبغي للمسلم أن يبتعد من الأماكن التي يمر منها الناس حتى لا يمرون بين يديه فيقطعون صلاته. وهكذا أيضا هل هذا الحكم كذلك يشمل الصلاة في المسجد الحرام؟ خلاف بين أهل العلم. الصحيح أن هذا الحكم كذلك يشمل المسجد الحرام، يعني لا يجوز أن تمر بين يدي المصلي ولو كان يصلي في المسجد الحرام؛ لأن الحديث عام لم يخصص بعض الأماكن دون بعض، فيشمل من كان يصلي في المسجد الحرام وفي غيره. وهذا القول هو الصحيح. ولهذا بوب الإمام المخرج رحمه الله في صحيحه: باب السترة بمكة وغيرها. والنبي صلى الله عليه وسلم لما صلى عند المقام جعل المقام بينه وبين الكعبة، كما في مسري من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وصح عن ابن عمر قال: صالح بن كيسان رأيت ابن عمر يصلي عند الكعبة، فلا يدع أحدا يمر بين يديه. والأثر ذكره البخاري في صحيحه معلقا، ووصله الحافظ في كتابه تغليق التعليق. فهذا هو الصحيح. ومع ذلك كذلك ينبغي للمسلم أن يجتنب أماكن مرور الناس، كالطواف. بعض الناس ربما إذا طاف يأتي ويصلي ركعتي الطواف عند المقام، والطواف مزدحم بالناس. فمثل هذا كما قال أهل العلم يكون له حرمة، لا يكون له حرمة؛ لأنه صلى في مكان مرور الناس، وهذا خطأ. ينبغي أن تبتعد وتصلي ركعتي الطواف بعيدا عن محل مرور الناس. بل لو كان المسجد مزدحما، لك أن تصلي الركعتين في أي موضع في المسجد الحرام. فالمقصود أن المسلم يبتعد عن الأماكن التي يزدحم فيها الناس ويمر منها الناس حتى لا يقطعون صلاته. وكذلك أيضا يحرص المسلم على اتخاذ السترة؛ لأن من فوائد السترة أنها تقي من أراد أن يمر بين يديه، فيمنع من أراد أن يمر. سيئة الكلام على ذلك، وذكر شيء من فوائد السترة إن شاء الله في الأحاديث القادمة بإذن الله. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.