الدرس في كتاب الإيمان 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أهمية الحرص والاجتهاد في طلب العلم ودور العلماء في حفظ ونشر المعرفة. كما يشير إلى أن الاجتهاد يمكن أن يحقق نتائج كبيرة.
يشرح هذا الفصل أهمية التحكم في الكلام وعلاقته بالإيمان، ويبين أن كثرة الكلام قد تؤدي إلى الوقوع في المكروه والمحرم. كما يشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول قول الخير أو الصمت.
يتناول هذا الفصل أهمية إكرام الضيف وحدود هذه الإكرام، وآداب الضيافة ومدتها. كما يبين اختلاف العلماء حول وجوب أو استحباب إكرام الضيف استنادًا إلى الأحاديث النبوية.
يشرح هذا الفصل اختلاف العلماء في وجوب زكاة الفطر على أهل الحاضرة وأهل البادية، ويبين آراء الإمام الشافعي والإمام مالك في هذا الشأن.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسابور القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا حرملة بن يحيى، وهو توجيه أبو حفص المصري. أخرج له الإمام مسلم رحمه الله، وابن ماجة، وأخرج له النسائي بواسطة أحمد بن الهيثم، وهو كثير الرواية عن ابن وهب، عبد الله بن وهب، يكاد أن يكون قد جمع حديثه كله. ووقع بينه وبين أحمد بن صالح المصري شيء بسبب ذلك، أنه حدث أحمد بن صالح بشيء من حديث ابن وهب، ولم يحدثه ببقية ما سمعه منه أو رواه عنه، فوقع بينهما عداوة بسبب ذلك، حتى إن أحمد بن صالح كان إذا أتى طالب العلم الحديث إلى مصر، فبدأ بالسماع من حرملة لم يحدث أحمد، لم يحدث أحمد بسبب ذلك. وهذا يدلنا على أن العلماء قد يقع بينهم شيء، قد يقع بينهم شيء من نزغات الشيطان، وتكون بينهما عداوة، ومع ذلك هذه العداوة لا تصد أحدًا أن يجرح أحدهم الآخر، أو يبدأ أحدهم الآخر، بل ولو وقع ذلك، وكان سببه يعني شيء في النفوس أو نحو ذلك، لم يقبل جرح هذا العالم في أخيه، ولا طعنه في أخيه، مع ثناء العلماء الآخرين له، وعدم قبولهم لطعن أحدهما في الآخر. وقع هذا كثيرًا، وقع هذا كثيرًا لبعض العلماء، ولم يقبل العلماء جرح أحدهما في الآخر، واعتبر ذلك من ماذا؟ منافسة الأقران، ولم يقبل قول أحدهما في الآخر. قال ابن وهب، وهو عبد الله، من علماء أهل مصر: أخبرني يونس، وابن يزيد، قال عن ابن شهاب، ما اسمه؟ محمد بن المسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة مختلف في اسمه، قيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل، قيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته. قال عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما اسمه أبي هريرة؟ عبد الرحمن بن الصخر، على القول الراجح، والأرجح مما ذكر من الاختلاف في اسمه، فهو مختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين قولًا، أرجحها أنه عبد الرحمن بن الصخر، واشتهر بكنيته عن أبي هريرة. وحفظ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، روى من الحديث فوق خمسة آلاف حديث، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسة آلاف حديث، وليس لأحد من الصحابة من الحديث مثل الذي له. ولهذا تجد أهل البدع من الروافض وغيرهم يطعنون في أبي هريرة في رواياته، يقولون: صاحب النبي عليه الصلاة والسلام فترة قصيرة، ثلاث سنين، فكيف يروي هذه الأحاديث كلها؟ يقال لهم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو أيضًا بسبب جده واجتهاده في طلب العلم، فكان مفرغًا رضي الله عنه لطلب العلم، ومنازمة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: كنت ألزم رسول الله على ملء بطني. الحاصل: وكان إخواننا الأنصار يشغلهم عمل أيديهم، والمهاجرون الصفق بالأسواق، كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني. وذكر مرة أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من سمع مني مقالة، هذه فبسط رداءه، ثم ضمها، لم ينس مما قلته شيئًا. ففعل ذلك أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فكان بعد ذلك لا ينسى شيئًا مما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضًا فيه لفتة إلى طالب العلم، أنها ربما يحصل من العلم الشيء الكثير في فترة وجيزة، قد لا يحصلها غيره في فترة طويلة، بسبب الحرص، بسبب الحرص والاجتهاد، واستغلال الوقت، والجد والمثابرة، فقد يتحصل على شيء كثير من العلم في فترة ماذا؟ قليلة، في فترة قليلة، بسبب اجتهاده. كما قال الشاعر يمدح بالإمام الشافعي رحمه الله: أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبيك عنها نعم، أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبيك عن تفصيلها ببياني، سأنبيك عن تفصيلها ببياني. ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة، وصحبة أستاذ وطول زمان. الشاهد منها: الحرص على طلب العلم، والاجتهاد، وصحبة العالم، وطول زمان، يعني فترة طويلة. نعم، هذه من أسباب تحصيل العلم، الذكاء أن تكون ذكيًا، وأن تعمل عقلك، وتسأل الله جل وعلا أن يفهمك ويعلمك، والحرص والاجتهاد، والملازمة، ملازمة العالم السنين الطويلة. نعم، وكذا أيضًا طول الزمان والفترة في طلب العلم. قال عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليسكت. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي حصين، غير أنه قال: فليحسن إلى جاره. هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه. في هذا الحديث أن هذه الأعمال من الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني حق الإيمان، وكان إيمانه تامًا وكاملًا، فليعمل بهذه الخصال. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت، يعني إما يتكلم بخير، وإما أن يسكت، والمراد السكوت عما هو محرم، السكوت عما هو محرم، لأنه مما يؤاخذ عليه الإنسان، ويسجل عليه في صحيفة أعماله: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. وهل يكتب على الإنسان كل قول يقوله مما يجاز عليه؟ أو كذلك أيضًا يكتب ما لا يجاز عليه؟ يعني هل الذي يكتب عليه فقط ما يجاز عليه من الأقوال؟ أو كل أقواله حتى التي لا يجاز عليها؟ لعموم الآية: ﴿ما يلفظ من قول﴾، وقول نكرة في سياق الشرط، ففيه قولان لأهل العلم. وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما إلى أنه لا يكتب عليه إلا ما فيه جزاء، لا يكتب عليه إلا ما فيه جزاء. نعم، فيكون قوله جل وعلا: ﴿ما يلفظ من قول﴾، يقيد بما فيه جزاء، فهذا الذي يكتب عليه. وأما غيره من الأقوال التي يقولها الإنسان ويتحدث بها من أمور المباحة أو نحوها، التي ليس فيها جزاء، فهذه لا تكتب عليه. ﴿ما﴾ هنا ﴿ما يلفظ من قول﴾، هنا ﴿ما﴾ نافية، ﴿ما﴾ نافية، فيكون قول نكرة في سياق النفي، كذلك تفيد العموم. والشارع كذلك حث على الإمساك عن كثير من المباحات. فمعنى ليس المعنى أنك إذا لم تتكلم بخير، أو قوله: «فليقل خيرًا أو ليصمت»، هل يسكت عن الأشياء المباحة؟ يقال: الإكثار من المباح ليس بأمر حسن، الأولى للمسلم أن يقلل من الكلام، ولو كان في أمر مباح، لأن كثرة الكلام في المباح قد توقعك ماذا؟ في المكروه والمحرم، قد توقعك في المكروه والمحرم، فلأجل ذلك تقلل وتخفف ما استطعت، فتجعل الأمر وسط، ما تكون كثير الكلام فتكون ثرثارًا، ربما يعني يبغضك الصديق والحبيب بسبب كثرة كلامك، ولا تكون يعني ساكتًا عبوسًا فيملك الجليس، لكن كن وسط، تتكلم عند الحاجة، على قدر يعني الحاجة، لا بأس، فتجعل الأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط، مع الحرص أنك إن تكلمت لا تتكلم إلا بخير، إما شيء يعني واجب أو مستحب، واجب كأمر المعروف أو نهي عن منكر طيب، أو مستحب من تبليغ علم أو كذلك حث على خير، أو أمر مباح من الكلام المباح. فإن كان ما تتكلم به أمرًا كان أمرًا يعني محرمًا أو منهيًا عنه، فاسكت واستمتع، يعني تحاول أن تجاهد نفسك بهذا. أردت أن تتكلم بشيء أنت تعلم أنه حرام، فتكظم وتسكت ولا تتكلم بهذا الكلام، فيكون هذا من كمال إيمانك، أنك تعلم أنك مؤاخذ بما تتكلم به من أمور المخالفة للشرع، فلذلك تحرص على السكوت. وإذا سكت لم تندم، إذا سكت لم تندم، لكن إذا تكلمت ربما تندم، ولا تستطيع بعد ذلك أن ترفع أو تزيل ما حصل منك من كلام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صمت نجا»، من صمت نجا. ومن كثر كلامه كما قال بعض السلف: «من كثر كلامه كثر خطأه»، من كثر كلامه كثر خطأه، كثرة الكلام سبب لكثرة الخطأ، ووقوع بالزلل. قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت». في الرواية الأخرى: «أو ليسكت»، يسكت هي تكلم ما يضرك. نعم، إذا سكت كما قلنا لم تندم على السكوت، لكن إذا تكلمت ستندم كثيرًا. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره. في الرواية الأخرى: «فليحسن إلى جاره»، يكرمه بالمعاملة، بحسن المعاملة، بما يتيسر من عطاء، من هدية أو شيء من ذلك، تبعد أذيتك عنه، تحسن إليه بما تستطيع، هذا من كمال الإيمان. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يوصي كما مر معنا في درس الماضي بالجار، حتى قال: «ظننت أنه سيورثه». فإكرام الجار هذا من كمال الإيمان. قال في الرواية الأخرى: «فلا يؤذي جاره»، هذا من إكرام أنك لا تؤذيه، لا بقول، لا بفعل. وأذية الجار لجاره هذا من ضعف الإيمان. قال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفًا﴾. الضيف هو القادم من السفر، النازل على المقيم، القادم من السفر النازل على المقيم، هذا هو ضابط الضيف الذي يأتي من سفر وينزل على المقيم. النبي عليه الصلاة والسلام كان يحث ويرغب في إكرام الضيف، وهذه من الخصال التي كانت قبل الإسلام، كانت قبل الإسلام، وجاء الإسلام بتقريرها وتأكيدها، والمحافظة عليها، وذلك بإكرام الضيف، إكرامه بأن يكون له يعني من الطعام ما هو زائد عما يأكله صاحب البيت في كل يوم، يكون له شيء زائد، فيكرم بذلك. نعم، إكرامه يوم وليلة كما جاء في الحديث، يوم وليلة، جائزته يوم وليلة، في اليوم الأول وليلة الأولى، ثم ثلاثة أيام، يعني مع اليوم الأول بعده يومان، فيكون له ثلاثة أيام. إذا أقام الضيف عند من نزل عليه، يكرم الثلاثة الأيام، اليوم الأول كما قلنا بشيء زائد، اليوم الثاني أقل، الثالث أقل، ثم اليوم الرابع ما يعتاده من الطعام. على أنه لا ينبغي للضيف أن يثقل على ضيفه، على من نزل عليه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الضيافة ثلاثة أيام»، فما كان بعد ذلك فهو إثم، قد يكون إثمًا، يعني تثقل على من نزلت عليه، وأنت ضيف لست بمقيم، وإن مزائر، فتجد ثلاثة أيام ثم تنصرف، لأن ربما ما يكون عنده شيء يكرمك به، فتكون ما يثقل عليه، وربما توقعه في شيء من الحرج. نعم. واختلف العلماء في إكرام الضيف، هل هو واجب أو مستحب؟ هل إكرام الضيف واجب أو مستحب؟ من العلماء من ذهب إلى الاستحباب، هم أكثر العلماء، على أنه مستحب، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جائزته الضيف جائزته يوم وليلة»، قالوا: والجائزة بمعنى العطية والهدية، وهذه ليست بواجبة، هذه ليست بواجبة، إنما هي مستحبة. وذهب بعض العلماء إلى الوجوب، واستدلوا بحديث عقبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره بأنه ينزل على القوم فلا يكرموهم، قال: «فإن نزلتم على القوم فأكرموكم بما ينبغي فاقبلوا، وإلا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لكم». قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز للضيف أن يأخذ أن يأخذ ممن نزل عليه حق الضيافة إذا لم يضيفه، قالوا: دل هذا على أن ضيافته واجبة، دل هذا على أن ضيافته وإكرامه واجب. وهذا أظهر، الله أعلم، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز لهم أن يأخذوا شيء لا يجب لهم، إلا هو واجب لهم، ويجب لهم، فيدل هذا على وجوب إكرام الضيف، على وجوب إكرام الضيف. وهو أيضًا من كمال الإيمان: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». واختلف العلماء أيضًا هل الضيافة تجب على أهل الحضر والبدو، أو أنها خاصة بأهل البدو؟ قولان لأهل العلم، منه من قال: هي خاصة بأهل البدو، لأن الإنسان في البادية ما يجد مطاعم ولا فنادق يأكل فيها، فيكون عليه حرج إذا لم يضيف، وتكون واجبة على أهل البادية. أما أهل الحاضرة فعنده مطاعم وعنده فنادق وعنده أماكن يستطيع أن يأكل فيها. لكن ظاهر الأحاديث العموم أنها تجب على أهل البادية، وكذلك أيضًا أهل الحاضرة، وهو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، والإمام مالك يخصه بأهل البادية. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.