الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبيّن المقطع أن "الفتاح" هو الحاكم الذي يفتح أبواب الرحمة والهداية والرزق، ولا يستطيع أحد رد ما يفتحه الله. ويؤكد أن إيمان العبد بهذا الاسم يستوجب التوجه إليه وحده لطلب الفتح في كل أبواب الخير.
يوضح كيف يتقرب المسلم لله باسم "الفتاح" داعياً بفتح أبواب العلم والرزق والهداية، مبيناً أن الذكر والاستغفار والدعاء هي مفاتيح فتح أبواب الدنيا والآخرة. ويستدل بآيات تربط الاستغفار بنزول الرزق والولد، وتؤكد أن شرح الصدر للهدى بيد الله.
يشرح درجات الناس في نيل فتح الله بدءاً بالأنبياء ثم الأولياء والعلماء فعموم المؤمنين، ويبين أن الكافر يحرم منه بينما المؤمن ينال بقدر إيمانه وطاعته. ويدعو المسلم لسؤال ربه الفتح في جميع شؤون حياته.
يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما طرح، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله إرساله-: "مختصر فقه الأسماء الحسنى". قال: الفتاح. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. فورد ذكر اسم الله -جل وعلا- في مواضع من كتابه، وفي سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، يدل على أن الله سبحانه وتعالى هو الحاكم الذي يحكم بين عباده، ويقضي فيهم بما يريد، ويمتن على من يشاء منهم بما يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. إذا فتح الله عز وجل للناس رحمة من عنده، لا يستطيع أحد أن يمسكها. إذا أراد الله عز وجل إنزال المطر على الناس، لا يستطيع أحد من الخلق أن يمنعه. إذا أراد الله جل وعلا أن يهب إنسانًا أو يفتح على إنسان بالهداية، ويشرح قلبه وصدره لها، ما استطاع أحد أن يسد قلبه. إذا أراد الله عز وجل أن يفتح على إنسان بالعلم والفهم لأحكام الشريعة، لا يستطيع أحد أن يرد ذلك عنه. وهكذا إذا أراد الله عز وجل أن يفتح على إنسان في باب الرزق، في التجارة والبيع والشراء والتكسب، ما يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنه. فسواء كان الفتح رحمةً من الله سبحانه وتعالى بأمر حسي أو معنوي، فإنه كائن وواقع لا محالة. قال: وهذا، وإن إيمان العبد بأن ربه سبحانه هو الفتاح، يستوجب من العبد حسن توجه إلى الله وحده بأن يفتح له أبواب الهداية، وأبواب الرزق، وأبواب الرحمة. فيتعبد المسلم ربه جل وعلا بهذا الاسم: "يا فتاح، افتح لي، افتح لي في العلم، افتح لي في الحفظ، في الفهم، افتح لي في الرزق". تسأل الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم. لهذا يقول علام ابن القيم -رحمه الله-: "ما فتحت أبواب الدنيا والآخرة إلا بمفاتيح الذكر والاستغفار والدعاء". ما فتحت أبواب الدنيا والآخرة إلا بمفاتيح الذكر والاستغفار والدعاء، ذكر الله جل وعلا. وهكذا الإكثار من الاستغفار فهو من أسباب الفتح على العبد في الدنيا، في كثرة المال، كثرة الرزق، كذلك حصول الولد. وقلت: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. وهكذا الدعاء سبب من أسباب فتح الله سبحانه وتعالى على العبد، قال: وأن يفتح على قلبه بشرح صدره للخير. قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. إذن، المسلم يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى أن يفتح له أبواب الهداية، الهداية إلى الصراط المستقيم، الهداية إلى الحق، وإلى الهدى، وإلى طاعة الله، وخاصة إذا أشكلت عليه الأمور، واشتبهت عليه الأحوال، فيلجأ إلى الله: "اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم افتح لي أبواب الهداية". وهكذا أيضًا أبواب الرزق، تسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح عليك في الرزق، لأن الله هو الرزاق، الرزق بيد الله، وأسباب الرزق أيضًا بيد الله، فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لك أبواب الرزق، الطرق والوسائل والأعمال التي بها يتيسر لك الحصول على الرزق. وهكذا أيضًا أبواب الرحمة، أن يفتح لك أبواب رحمته فتنالك رحمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أن يفتح على قلبك ويشرح صدرك للخير والهدى. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. إذن شرح الصدور هو بيد الله، الذي يفتح القلوب، ويفتح الأفئدة، ويفتح الصدور، هو الله سبحانه وتعالى. فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح قلبك، وأن يشرح صدرك للهدى والحق والنور. قال القرطبي -رحمه الله-: "وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ، ففاز منه الأنبياء بالقسم الأعلى، لعلو مرتبتهم، قوة إيمانهم. كان الأنبياء الحظ الأعلى والأعظم من ذلك، ثم من بعدهم الأولياء، ثم العلماء". ويريد بالأولياء: يعني من بلغ درجة الولاية من أهل العلم، لأن الأولياء هم المؤمنون المتقون، المؤمنون المتقون. وأولى الناس وصفًا بالولاية هم أهل العلم، هم أهل العلم، لأنهم أعلموا الناس بالله، وأخشى الناس لله سبحانه وتعالى. فيكون عطف العلماء على الأولياء من عطف الخاص على العام، فالأولياء يدخل فيهم العلماء ابتداء. قال: ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين، ولم يخب، ولم يخب الله منه سوى الكافرين. الكافر هو الذي يحرم من هذا الفتح، ما يكون له فيه نصيب. أما المؤمن فله نصيب من ذلك بقدر إيمانه، وقدر طاعته، وقدر إقباله على أبواب الخير، فله من ذلك نصيب من فتح الله سبحانه وتعالى له، سوى كان في باب الطاعة، أو كان في باب الهداية، أو كان في باب الرزق، إلى آخر ذلك. لكن أعظم الخلق مرتبة، وعلاهم منزلة في ذلك هم الأنبياء، ثم أتباع الأنبياء، وخلفاء الأنبياء، وهم العلماء. إذن، علمنا من هذا الاسم "الفتاح" أن الله عز وجل هو الذي يفتح على عباده، فهو الحاكم جل وعلا الذي يحكم بين عباده بما شاء، ويقضي فيهم بما شاء، وهو الذي يفتح على عباده أبواب الهداية، وأبواب الرزق، وأبواب الخير، إلى آخر ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فالمسلم يسأل ربه جل وعلا هذا الفتح: "يا فتاح، افتح لي، افتح لي في الهداية، افتح لي في القرآن، افتح لي في الطاعة، في الصلاة، أن يفتح لك قلبك، ويكون عندك محبة وإقبال وراحة وطمأنينة في هذه الطاعة، افتح لي في الرزق، افتح لك أبواب الرزق وأسبابه"، إلى آخر ذلك مما يحتاج له المسلم في حياته وفي أخراه. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. ترجمة: نانسي قنقر