الدرس في آداب الطعام والشراب 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينبغي للمسلم أن يرضى بما يجد ويشكر الله على نعمه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يرضى بالقليل ويصبر على الجوع.
يجب على المسلم أن يتحلى بالقناعة وعدم الإسراف في الطعام، وأن يطعم الآخرين ويتصدق بما يفيض. كما يجب عليه أكل الطعام الحلال والابتعاد عن المال الحرام.
تحرم بعض الأطعمة إما لأصله أو لوصفه، مثل لحم الخنزير والطعام المكتسب بطريقة غير مشروعة. يجب على المسلم تجنب هذه الأطعمة.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يؤكد أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المسائل المتعلقة بآداب الطعام مسائل عامة ينبغي أن يحرص عليها المسلم حين أكله وتناوله لطعامه، مما يناسب ذكره في هذا المقام، ويلحق بالمسائل الماضية مما مرت معنا من المسائل التفصيلية. فمن المسائل العامة التي ينبغي أن يتأمل فيها المسلم وأن يحرص على تطبيقها، من ذلكم الرضا والقناعة، وعدم العنت وعدم التسخط والتذمر من الطعام إن قل أو كثر. فإن نعم الله جل وعلا وإن قلت، لكنها وجدت حمدًا وشكرًا، فإنها تزداد وتستمر، ويبارك الله جل وعلا فيها إذا وجدت حمدًا وشكرًا، كما قال سبحانه ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾. فاشكر الله يا عبد الله على أي طعام يقع لك، قل أو كثر، عظم أو حقر، ترضى به. وتأمل يا عبد الله في حال نبيك عليه الصلاة والسلام، تسمع العجب من قناعته في هذا الباب، في باب الأكل والشرب وتناول الطعام. فقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة، قال: «هل عندكم من شيء؟» أراد طعامًا، فقالت: «لا»، وانظر للإجابة الأعجب «ما عندنا شيء». تخيل بيت ما فيه طعام، هذا في زمننا مستحيل، لكن هذا متوقع في زمانهم. وتكلم عن بيت النبوة، قال: «هل عندكم من شيء؟» قالت: «لا»، قال: «فإني صائم»، ما هناك شيء يأكله فصام عليه الصلاة والسلام وأتم صوم ذلك اليوم الذي ما وجد فيه قوتًا عليه الصلاة والسلام. كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلا جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله، إني مجهود»، تعب، جاء إني مجهود أصابه الجهد والتعب والضمأ، فقام عليه الصلاة والسلام فأرسل إلى بعض نسائه فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقالت: «والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء»، ما عندنا إلا الماء. فقال حينها: «فمن يضيف ضيف رسول الله؟» خرج للناس ما عنده شيء يضيّم من جاء إليه عليه الصلاة والسلام. وثبت أيضًا من حديث أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أنهما خرجا من بيتهما ما أخرجهما إلا الجوع، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علم بسبب مخرجهما قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني إلا هو»، صلوات ربي والسلام عليه، ما الذي أخرجه الجوع أخرجه من بيته. انظر يا أخواني في الله إلى هديه، لا هديه جوع، وكان من أمره هل سمعنا أنه تصخط أو تذمر؟ حاشا عليه الصلاة والسلام، إنما كانت حياته مليئة بالرضا والقناعة. إذا فليكن هذا من خلقك يا عبد الله في باب المطعم وفي باب المأكل والمشرب، إن يسر الله لك بشيء ولو قل احمد الله، وإن لم تجد شيئًا فاحمد الله، فما عند الله خير وأبقى. والإنسان في هذا الباب يعتبر بمن هم دونه، اعتبر نحن والله الحمد في عافية، وإن كنا نرى أننا من أفقر المجتمعات، وأن جل الشعب هم تحت خط الفقر، وأن ما نأكله من أطعمة ليست بذاك الأكل والطعام الذي يأكله من كان بالجوار، لكن مع ذلك احمد الله، فأنت في عافية. تريد أن تعرف العافية التي أنت فيها؟ انظر من هو دونك، انظر لمن امتلأ الله بالمجاعات، وانظر إلى من امتلأ الله بالفقر المدقع، حتى إن بعضهم -والله وجد- أن بعضهم لربما يلجأ إلى القمامة يبحث عن أكل عسى أن يجد شيئًا ينفع أن يؤكل حتى يعيش فتاتًا. بل بلغني في أحد السنوات التي فيها وقعت مجاعة عظيمة في أفريقيا، أن بعضهم كان يبحث عن طعام لدرجة ما يتصورها عقل بشري، لدرجة أنه يتتبع النمل، تعيش فيها أخذ الفتات ويمشي. هؤلاء قوم بلغ بهم الفاق والجوع لدرجة أنهم يتتبعون النمل حتى يصل النمل إلى مخبأه، فماذا يفعل؟ يكسرون مخبأ النمل فيأكلون الفتات الذي جمعه النمل نفسه. فنحن -والحمد لله- الخير كثير، وربنا جل وعلا وسع على عباده، النفس نعم يتفاضلون، لكن اجعل القناعة يا عبد الله دثارًا، ترضى سواء كان في باب الطعام أو في باب الشراب أو في باب الأموال أو في كل باب. فهذا يا إخواني في الله من المسائل التي ينبغي أن يتأملها المسلم في باب آداب الطعام. كذلك يا عبد الله مما يذكر من المسائل العامة في باب الطعام قضية المواساة فيه، واسي غيرك بالطعام، وهذا مما أرشد إليه ربنا وحث عليه، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنما نطعمكم لوجه الله﴾. هذا حال مؤمن معه الطعام، ومع ذلك يواسي غيره بما يسر الله له، يواسي إذا استطاع لذلك سبيلا. فهذه من صفات المؤمنين. وقد جاء كذلك في السنة المطهرة، كما ثبت ذلك من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: «أي الإسلام خير؟» قال عليه الصلاة والسلام: «أن تطعم الطعام، وأن تقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». الشاهد: «أن تطعم الطعام»، فهذه من صفاتي وخلالي وشأن أهل الإسلام والإيمان أنهم يواسون غيرهم بما كان في أيديهم من أطعمة. وهكذا جاء من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام أكل منه وبعث بفضله إلى جيرانه»، يعطيه غيره، يعطيه أبي أيوب، يعطيه من كان بجواره يأكل، فإن زاد شيء بعثه لغيره. وهذا أدب يا إخواني في الله ينبغي للمسلم أن يتخلق به. لا تجعل نفسك يا عبد الله محل سخط الله بأنك تلقي بنعم الله في القمامة، بعد الفطور يزيد في القمامة، بعد الغداء يزيد في القمامة، بعد العشاء في القمامة، في القمامة، حتى أصبحت القمامة مليئة من أنواع الأطعمة. أولا احرص على أن يكون الطعام المعد يكفيك ويكفي من كان من أهل بيتك، لا تزيد، لا تزيد، اجعله كما يقال بقياس. وقد مر معنا أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربع، وطعام الأربع يكفي الثمان، بركة من الله عز وجل للطعام، وخاصة إذا كثرت عليه الأيدي. فإن قدر أن الطعام زاد فاحرص على أنه يحفظ إذا كان بإمكان الحفظ. وإلى الله الحمد وجدت الآن أدوات وأواني وأجهزة تحفظ الأطعمة، من أفران وكذلك من ثلاجات الفريزرات، يحفظ إذا كان ممن يستطيع أن يأكله بعد أمد. وإلى الله الحمد تنفع هذه الأشياء ما استطعت، لا لهذا ولا لذاك، فلا أقل يا عبد الله أن تعطيه غيرك من الجيران من الأقارب من الأرحام، فإن ذلك من التهادي ويميّن فيها الألف القلوب، ألف القلوب ولو بشيء يسير، ولو بشيء يسير، وخاصة من جيرانك. فقد جاء في صحيح مسلم أن أبا ذر أوصاه نبينا بأنه إن طبخ مرقًا أن يزيد فيه ويعطيه جيرانه، ويعطيه جيرانه. فأما إذا لم تجد لا هذا ولا ذاك، وأن الطعام الباقي ليس طعامًا يأكله الناس، فلا أقل أن تعطيه للحيوانات، كما قال علماء، وعلى هذا تؤجر، تعطيه حيوان قط، هر، شاه، غنم أو جيرانك. هذا كم والله الحمد موجود عند بعض الأسر ما يسمى بالنخالة، النخالة هذا الباقي تعطيه لجارك الذي كان عنده أغنام يربي، يقول: «هذا نخالة، خذ يا أخي، تتصدق به»، ولا أنك تلقيه في القمامة. فعص يا عبد الله على هذا الباب، فإن ذلك من الآداب العامة في آداب الطعام أنك تواسي غيرك به. كذلك من أنواع أو من مسائل آداب الطعام العامة يا عبد الله أن يكون أكلك للطعام الحلال الطيب، لا يكون حالك كحال الكافر يأكل ما هب ودب، لأن ذاك الكافر لا عنده دين يردعه ولا عنده شريعة تمنعه، لكن بخلافك أنت، أنت مسلم عندك دين وعندك شريعة. ومما أدبك به ربك جل وعلا أن تتأدب بآداب الإسلام في مطعمك وفي مأكلك، أن لا تأكل إلا من الحلال، أن لا تأكل إلا من الحلال. ولهذا عليك أن تعلم ما حرمه الله عليك فتمتنع عنه. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، فرزق الله الطيب هذا يؤكل، أما الخبائث والمحرمات فإنها لا تؤكل. وقد قال ربنا جل وعلا مبينًا بعض المحرمات التي حرمت علينا كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾، هذه أشياء صور من بعض المحرمات التي حرمها علينا ربنا، فإياك وإياها. ومن باب الفائدة يقول علماء: الأكل الحرام يكون محرمًا بأحد أمرين، إما محرم لأصله، هو في أصله حرام لا يؤكل، مثل لحم خنزير لا تأكله ولا تقربه. وقد ابتلينا -ابتلينا- في هذه الأزمان من بعض المنتجات التي تأتي من الشرق والغرب من بلاد الكفار وهي مطعممة بلحم الخنزير أو بشحمه أو بدهنه. والغرب ابتلوا بلحم الخنازير لأنها عندهم بكثرة كثيرة جدًا وسرعان ما تتكاثر، تتكاثر الخنازير، ولهذا عندهم كميات ضخمة فهم يعيشون عليها، ودينهم المحرف ما يمنعهم يأكلون بكثرة، ولهذا تدخل في أكثر من منتجاتهم، أكثر منتجاتهم يدخلون فيها الخنازير إما بلحمها أو شحمها أو دهنها أو بالجينات ونحو ذلك يستخدمونها. فليكن مسلم على بصيرة، سواء من كان يعيش في بلاد الغرب أو من يعيش في بلاد المسلم، وتأتي منتجات وبعض المنتجات وأكثر منتجات يذكرون هذا شحم خنزير أو لحم خنزير أو يذكرون مصطلحات أذكر فيما أذكر من بعض مشائخنا ذكر لفظة -لا أستحضرها الآن- إن شاء الله ما تخونني الذاكرة، اسمها «لارد»، هذه اللفظة إذا وجدت معناها مصنوعة من خنزير، هذا يعين على أنك تفهم أن هذه المادة إن كان من حلويات أو بعض المشتقات فيها مشتقات الخنزير، فتتحرى حتى لا تقع في الأكل المحرم. فقلنا: إن الأكل الحرام يعد إلى أمرين، إما محرم في أصله، أصل اللحم محرم، أو أصل الطعام محرم، أو يكون الحرمة تعود إلى وصفه، تجد أن الأكل هو حلال يؤكل، لكن جاء بطريقة محرمة، فهذا لا تأكل منه لأنه لا زال حرام، مثل كأن من يعطيك فاكهة، فاكهة حلال ما فيه شيء، تفاح، برتقال، خذ، لكنك تعلم أنه أخذه غصبًا، اغتصبه من أناس، هل تأكل؟ لا، لا تجد أن تأكله ولا أن تتناوله. كما يقع الآن في بعض -للأسف- في بعض النقاط، أقول في بعض النقاط تجد بعضهم من يكون قاطع طريق -للأسف- قاطع طريق، نقاط يكون قطع طريق، يمسكون عائلة ويمسكون صاحب سيارة ويضيقونه حتى يأخذوا منه حبًا أو يأخذوا منه فاكهة ثم يذهب، وبعد ذلك يبيعونها للغير. فأنت إذا علمت أن هذا الفاكهة دخلت على صاحبها غصبًا، انتهبها، اغتصبها، سرقها من غيره، فلا تأكل منها أو تشتري منها حتى تأكل، لا ما يجوز، هذا لا يجوز، أنه تعلم أنه دخل عليه حرام، وإن هذا فاكهة حلال لكن دخلت عليه حرام، فلا يدخل عليك كذلك. وقس على ذلك من سرق أو رجل مكسبه حرام، كما يرى جماعة من العلمان، كان مكسبه كله حرام، فأتى لك بطعام، لا تأكله، من باب التحفظ والتنزه، لا تأكل منه. أو يكون كذلك طعام مباح، لكن أعد في وليمة محرمة، كزيارات القبور مثلًا، تطبح وتذبح فيها الذبائح وتوزع الأطعمة، تأكل؟ لا تأكل، يقول: «يا أخي هذا اللحم مباح»، قل: «لحم»، لكنه على ماذا ذبح؟ على زيارة شركية، وما ندري أذكر اسم الله عليه أم أذكر عليه اسم الولي. وقس على ذلك المناسبات البدعية، ألحق العلماء المناسبات البدعية، جاءك شيء من هذه المناسبات لا تأكل، قد يكون رزًا، رز لا حلال، لكن دخل عليك بوصف حرام. فاحترز يا عبد الله، تحر مثل هذه المسائل. وكما قلنا ونحن في هذه الأزمان أصبحت فيه الشبهات كثيرة، وأصبح الإنسان يتحرى، اتق الله، فما نبت من سحت فالنار أولى به، فلا تستهين في هذا الباب، واحرص على أنك تنال هذا الطعام من حله ومن مكسبه الصحيح. وبقي مسائل عامة تترك -إن شاء الله- في درس غد متعلقة بآداب الأطعمة وما يتعلق بها من أحكام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.