الخطبة بعنوان الخلوات ذنوب وطاعات، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 14 صفر 1447هـ الموافق 8 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد الخطيب على أهمية مراقبة الله تعالى في الخلوات مستشهداً بالآيات والأحاديث، مبيناً أن عبادات السر سبب للثبات بينما ذنوب الخلوات أساس الانتكاسات، وضرب مثلاً برجل رفض دعوة امرأة ذات منصب وجمال خوفاً من الله اقتداءً بيوسف عليه السلام.
يبرز المقطع فضيلة الأعمال الصالحة المخفية كصدقة السر وقيام الليل والصيام والذكر في الخلوة، مستدلاً بالأحاديث وأثر السلف، موضحاً أن هذه الخبيئة سبب للرفعة ودفع المصائب وحفظ العمل من الرياء، وأن الشيطان يسعى لإظهارها لإفسادها.
يحذر المقطع من ذنوب الخلوات التي تمحو الحسنات وتسبب الانتكاس مستشهداً بحديث ثوبان عن قوم يأتون بحسنات كجبال تهامة فتجعل هباءً منثوراً لانتهاكهم محارم الله في السر، مؤكداً أهمية مراقبة الله في الظاهر والباطن وأن من أعظم الجهاد حفظ السريرة.
يختتم المتحدث بالدعاء لله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين وبلادهم خاصة وبلاد المسلمين عامة، وأن يجنبهم المصائب والفتن الظاهرة والباطنة، مختتماً بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ألا وإن من أعظم الواجبات وأجل العبادات التي يتقرب بها أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان، هو مراقبة الله عز وجل، أن يراقب العبد ربه تبارك وتعالى في السر والعلن، في الظاهر والباطن. يقول ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وهذا في حال من يبتعد، يتعدون عن أعين الناس، ولا يخشى مراقبة الله عز وجل. أيها المسلمون، عباد الله، الخلوات، وما أدراك ما الخلوات، فيها من الطاعات، وفيها من المعاصي والسيئات. فعبادات الخلاء تعتبر من أجل العبادات، وهكذا ذنوب الخلوات تعتبر أصلاً وأساساً للانتكاسات. قال شيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أساس الانتكاسات، كما أن عبادات الخفى هي من أعظم أسباب الثبات». لقد أثنى ربنا عز وجل على أقوام من خلقه يجتهدون في عبادته في الخفى، وهكذا فيما بينهم وبين الله عز وجل، قال ربنا سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سبعة، أي أصناف من الناس، يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه». قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، وهذا من أكثر ما يطلبه الرجال في النساء، فهي التي تدعوه وليس هو الذي يجري ويلهث خلفها، وهذا لا يكون غالباً إلا في الخفاء، قال: فقال: إني أخاف الله». قال: «إني أخاف الله». وهذا يذكرك بما ذكره ربنا عز وجل عن عبده ونبيه ورسوله يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾. وهنا قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، قال: ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». هكذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء في حديث الزبير، وهكذا جاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استطاع منكم أن يجعل له خبأً صالحاً من عمله فليفعل، من استطاع منكم أن يكون له خبأ صالح من عمله فليفعل». وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله كما في سلسلته الصحيحة، وهكذا في صحيح الجامع وغيرهما. ولهذا كان سلفنا الصالح يستحبون أن يكون للعبد خبيئة من الأعمال الصالحة التي لا يعلمها أحد إلا الله عز وجل. وهذه الخبيئة قد تكون صلاة، ولا سيما صلاة النافلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صلاة المرء، يعني الرجل، في بيته إلا المكتوبة». في بيته وهي غالباً تكون من عبادات السر، من عبادات السر التي لا يطلع عليها أحد إلا الخواص. ومن ذلك قيام الليل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قد يقوم من الليل ولا تشعر به حتى زوجته، فيتوضأ فيسبغ الوضوء، ويلبس ثوبه، ويقف بين يدي ربه، فيناجي ربه، ويذكر ربه، ويدعو ربه، ويستغفر ربه. ما أجملها وما أعظمها من حسنات ينتفع بها العبد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. هذه الخبيئة قد تكون صياماً يصومه العبد، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله تعالى: إلا الصوم، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». ولك أن تدقق النظر في قوله عز وجل: ﴿مِنْ أَجْلِي﴾. عبادة تعتبر من العبادات الخفية، ومن الأسرار العظيمة التي هي بين العبد وربه عز وجل. وهكذا هذه الخبيئة قد تكون ذكراً لله عز وجل يداوم عليه صاحبه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. وقد أثنى ربنا عز وجل على عبده زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾، أي سراً فيما بينه وبين ربه، ربه عز وجل، لم يطلع عليه أحد من البشر. هذه الأعمال الخبيئة التي هي بين الرب والخليقة، هذه قد تكون قضاءً لحوائج المسلمين من الفقراء والمساكين والأيتام، أو الأرامل والمحتاجين. ذكروا عن الإمام علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما أنه كان يخرج ليلاً فيحمل على كتفه من الطعام فيضعه على أبواب الفقراء والأرامل واليتامى، فيصبحون ويجدون طعاماً لا يدرون من أتى به. فلما مات فقدوا ذلك، فعلموا عندها أنه هو الذي كان يأتي به، ووجدوا على ظهره خطاً من أثر ما كان يحمله ليلاً. أعمال صالحات تقع في الخلوات، هي أشد ما يكون على إبليس، ولهذا إبليس يجتهد غاية الاجتهاد أن يظهرها في العلم، وأن يخرجها من الخفاء. أعمال الخلوات هي سبب عظيم من أسباب الرفعة وعلو المنزلة عند الله تبارك وتعالى، ولهذا ربنا عز وجل قد يصرف بها عن العبد من المصائب والكرب الشيء الكثير والأمر الكبير. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يحفظ أعمالنا، وأن يتقبل منا حسناتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العمى، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، فكما أن عبادات الخفاء هي من أعظم أسباب الثبات، ومن أحب الأعمال إلى الله عز وجل، فإن ذنوب الخلوات هي من أعظم أسباب الانتكاسات، ومن أعظم أسباب نسف الحسنات. ذنوب الخلوات تذهب الحسنات، جاء عند الإمام ابن ماجه من حديث أبي عبد الله ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ألا أعلمكم أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات، بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله هباءً منثوراً». قال ثوبان: «قلنا: يا رسول الله، جلهم لنا، صفهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم؟». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم من إخوانكم، ومن بني جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». هذا الذي ينسف الحسنات، هذا هو أصل كبير من أسباب الانتكاسات. قال: «ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، إذا أغلقت الأبواب، وأطفئت المصابيح، وفتحت الأجهزة، وفتحت الأجهزة، هنا يُعلم ما في القلوب من الخوف من الله عز وجل، هنا يظهر أثر المراقبة لله تبارك وتعالى». ورحم الله الإمام بلال بن سعد إذ يقول: «لا تكن ولياً لله في الظاهر، عدوه في السر، لا تكن ولياً لله في الظاهر، عدوه في السر». ما أحوج المجتمعات إلى مراقبة الله عز وجل، وأن يعظم الخوف من الله تبارك وتعالى في القلوب، ولا سيما ونحن نعيش في هذه الأزمنة المتأخرة التي عظمت فيها الشرور، أصبحت مصادر الشر متوفرة وموجودة، ويسهل تناولها، وأن يختفي العبد بها عن أنظار وأعيني الآخرين، وهذا يعتبر من أعظم الجهاد الذي يجب أن يلتزم به العبد. جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل من أهل النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان، يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». فلا إله إلا الله، ما أخطر وما أعظم ذنوب الخلوات! أسأل المولى جل في علاه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أسأله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، أن يصلح ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانيتنا، وأن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا. يسأله تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، أن يصلح بلدنا هذا خاصة، يسأله جل في علاه أن يصلح بلدنا هذا خاصة، وأن يصلح بلاد المسلمين عامة، وأن يجنبها المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.