المقامات الحسان من دروس رمضان  6

المقامات الحسان من دروس رمضان 6

الدرس في المقامات الحسان من دروس رمضان 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل إطعام الطعام في رمضان وتأصيله الشرعي

يُعد إطعام الطعام من أعظم خصال أهل الإسلام، وقد حث عليه الإسلام خاصة في شهر رمضان، حيث يُعد إفطار الصائم من الأعمال المحبوبة عند الله تعالى. يُؤجر فاعله مثل أجر الصائم دون نقص في أجره.

أهمية إطعام الطعام وتفاصيل حول إفطار الصائم وتطبيقه العملي

يُشدد على أهمية إطعام الطعام في رمضان ويُذكر أمثلة من سلف الأمة في تفانيهم في هذا الباب، ويُوضح أن إفطار الصائم ليس مقتصرًا على الفقراء بل يشمل الجميع، مع توضيح آراء العلماء حول ضابط الفطر.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

فلما وفقوا لمسألة الصيام، ثم كانوا من أهل القيام، بقيت الخصلة العظيمة، وهي الثالثة، وهي خصلة الإنفاق، فتدافع الناس إلى مسألة الإنفاق حتى تكتمل الصورة؛ صور الخير وأبواب الخير: الصلاة والصيام والإنفاق. ثم ختمنا مجلس الأمس، أخواني في الله، بحول ما يتعلق بصور الجود، وأن صور الجود متنوعة متعددة، ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم. ومن صور الجود والتي حرص عليها المسلمون في الصدر الأول ولا زالوا، وهي من أعظم صور البذل والعطاء في مثل هذه الأيام، ما يكون، أخواني في الله، من باب إطعام الطعام. وما يكون من إفطار الصائمين، إذ أن هذه الخصلة، أي إطعام الطعام، كانت من خصال العرب قبل الإسلام في جاهليتهم، يشتهرون بها من بين الأمم والملل والشعوب، أنهم على خلق رفيع في باب الكرم والجود، وخاصة في باب إطعام الطعام، وما كان من باب الضيافة والاستضافة. وما كانت الأمم قديما وحديثا لا تعرف هذا، من ذهب إلى بلاد الكفر لا يكاد يجد أحدا من الناس من يدعوه إلى طعام أو إلى وليمة، لا يكاد يعرف هذا في شيء من الأمم إلا في الأمة العربية. فلما جاء الإسلام أقرهم على هذا الخلق، بل وحثهم عليه وأكد هذا الأمر، بل جعلت هذه الخصلة، إطعام الطعام، من أعظم خصال أهل الإسلام. وقد جاء في الحديث -وإن كان مرسلا، والمرسل من عياد الضعيف، لكن المعنى صحيح- أنه صلوات ربي وسلامه عليه سئل: «ما هو الإسلام؟» فقال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام». إطعام الطعام وطيب الكلام، أي أصبحت هذه الخصلة، إطعام الطعام، من أعظم خصال أهل الإسلام، بل هي كذلك خصلة تدعم صاحبها حتى تدخله إلى الجنة. ثبت في السنن من حديث عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. فذكر عليه الصلاة والسلام أن من الأسباب المعينة على دخول الجنة إطعام الطعام. وجاء كذلك أثر حديث يحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «أطعموا الطعام، وافشوا السلام، تورثوا الجنان». أي أنكم إذا تمتعتم بهاتين الخصلتين، وإحداهما إطعام الطعام، فإن ذلك مما يؤدي إلى ضمان الجنة. وقد مر معنا من الأعمال المحبوبة عند الله جل وعلا، كما في قوله صلوات ربي وسلامه عليه: «وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعا». ولا يكون طرد الجوع عنه إلا بإطعام الطعام. فهذه الأدلة العامة، إخواني في الله، كانت ماثلة أمام سلفنا الصالح، ولهذا سارعوا في أيام رمضان خاصة إلى التحلي بهذه الخصلة العظيمة، فتدافع الجميع إلى إطعام الطعام. وزيادة على هذه الأدلة العامة الأدلة الخاصة، الأدلة الخاصة التي تدل على عظم هذا النوع من أنواع الجود في نهار رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره، إذ أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء». فهذا الحديث فيه دلالة، وهو دليل خاص زيادة على الأدلة العامة، دليل خاص على الحث على إطعام الطعام، وخاصة في نهار رمضان، وذلك يكون بإفطار الصائم. من فطر صائما، ولكن من باب البحث العلمي، إخواني في الله، هذا الحديث رواه أهل السنن كترمذي وغيره، إلا أن فيه مقالا، إذ أنه من طريق عطاء عن زيد بن خالد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن ذكر ابن المديني رحمه الله تعالى أن عطاء لم يسمع من زيد بن خالد، أي إعلال بعلة الانقطاع. إلا أن هذا الحديث كما قال العلماء له شواهد عامة، شواهد عامة تؤيد المعنى، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله أجر فاعله». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من جهز غازيا فقد غزى». فالأدلة العامة، أي صحة المعنى، أن من كان سببا لأداء شيء من الخير فإنه كصانع الخير. وهذا المعنى صحيح، شهد له، إخواني في الله، الأدلة العامة والخاصة، تهدف إلى أن المسلم في نهار رمضان، وفي أيام صيامه خاصة، أنه يتحلى بهذه الخصلة، أن يكون ممن يطعم الطعام. وقد ضرب لنا السلف رحمهم الله تعالى أربعة الأمثلة في تفانيهم في هذا الباب. قال أبو سوار العدوي رحمه الله تعالى: «كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام وحده قط». فإن وجد أحدا يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه. انظر إلى هذا التفاني في باب إطعام الطعام، ما عرفوا أنهم كانوا يفطرون على حدة، وإنما إن وجدوا الضيفان فأفطروا معهم، وإلا أخرجوا طعامهم إلى المسجد فأكلوا مع الناس وأكل الناس معهم، مشاركة في باب إطعام الطعام. وهذا من حرصهم، وذلك ما قلنا، تطبيقا لهذا الخلق النبوي، وهو إطعام الطعام، وخاص في باب الصيام، وفي أيام رمضان. وهكذا نقل عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، كما ذكر ذلك في ترجمته، أنه رحمه الله تعالى «كان إذا صام ما أفطر إلا مع المساكين». بل كان بعضهم لربما يوانس إخوانه من أصحابه فيطعمهم وهو صائم، كما نقل ذلك عن ابن المبارك رحمه الله تعالى، أنه يكون في سفر مع أصحابه، فكان يطعمهم يطعمهم ألوانا وأصنافا من الطعام وهو صائم. كل ذلك من باب التوسعة في هذا الباب، باب إطعام الطعام. وهكذا أثر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، لربما يكون في خدمة إخوانه، وفي خدمة أهله، يطعمهم الطعام وهو ممسك. بل نقل كذلك عن إمام أحمد، كما ذكر ذلك في مسائله، وذكر العلماء ذلك أيضا في ترجمته، أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في يوم من الأيام كان صائما، وقد أعد رغيفين لفطره، فبينما أراد أن يفطر، إذا بسائل يطرق عليه الباب ويطلب طعاما، فإذا بالإمام أحمد رحمه الله تعالى يدفع الرغيفين للمسكين، ويبقى يومه صائما، وما أفطر على شيء. هذا، أخواني في الله، نماذج سريعة وعظيمة تدلك على كيف كان السلف رحمه الله تعالى حرصوا كل الحرص على أن يدافعوا في هذا الباب، هذا الباب، باب الجود، وأعظم باب الجود الذي قد تواصلوا فيه الإطعام. حتى قال الزهري رحمه الله تعالى: «إذا دخل رمضان، فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». أي جعلوا جل الخصال المهمة الذي ينبغي أن يتمتع بها الصائم في أيام صيامه، الإقبال على القرآن، والإقبال كذلك على إطعام الطعام. وهنا، إخواني في الله، مسائل مهمة ننبه عليها ونحن في صدد هذه الخصلة العظيمة من خصال الجود، ولا وهي إفطار الصائم. أولا علينا أن نعلم، إخواني في الله، أن الأجر الذي تناله، يا عبد الله، من إفطار الصائم، ليس من شرطه أن يكون في حق المسكين وفي حق الفقير، وإن كانوا هم بالأولى. بمعنى أن بعض الناس يرى أن إفطار الصائم، وكونك تتحصل على أجر إفطار الصائمين وعلى إطعام الطعام، أن يكون هذا الطعام يصل إلى الفقراء والمساكين، هذا ليس بالضرورة. نعم، الفقير والمسكين إن ظفرت به وأطعمته الطعام والإفطار في نهار رمضان، فهذا نور على نور وأجر على أجر، لكن هذا ليس بشرط. لأن النبي أطلق، فقال: «من فطر صائما». فلو كان هذا الصائم فقيرا أو مسكينا أو كان غنيا وعظيما وميسورا، فإنك تدخل في الأجر. فلك، يا عبد الله، أن تطعم الموسرين وتطعم كذلك الأغنياء وتطعم كذلك من كان ميسور الحال، كل ذلك تجد أجره عند الله سبحانه وتعالى. فإفطار الصائم بابه واسع، بابه واسع. ومن هنا، بالإمكان، يا عبد الله، أنك تفطر الجار وتفطر القريب وتفطر صاحب الرحم وتفطر الصديق، ولو كان ميسور الحال، فإن لك أجر صومه. «من فطر صائما كان مثله أجر صومه». وهكذا أن تجعل إخوانك الصالحين. فهذه من العبادات العظيمة، حتى قال بعض السلف: «أن أدعو عشرة من إخواني -أي من أصحابي- على طعام يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل». أنظر، إخواني في الله، الحرص على الرفقة، وكذلك على هذه الخصلة، على إطعام الطعام، على طعام يشتهونه، كان هذا الصنيع أحب إليه من أن يعتق عشرة من ولد إسماعيل. وهذا يدلك على أن السلف إنما كانوا يحرصون على إطعام الطعام لكل عامة الناس، الصغير والكبير، وهكذا الفقير والعظيم. وأيضا، إخواني في الله، من المسائل المتذكرة في هذا الباب، باب الإفطار، ما هو ضابط الفطر؟ ما هو ضابط الفطر؟ «من فطر صائما». اختلفت أنظار العلماء في ذكر ضابط الفطر الذي تنال به، يا عبد الله، أجر الصائم. من أهل العلم من ذهب إلى أن من فطر صائما أن يكون الإفطار بأي شيء يكون به الإفطار، ولو بتمرة، تمرة واحدة تضعها في فم صائم فأفطر على هذه التمرة، لك أجر صومه. لقول نبينا: «من فطر صائما». وقال علماء: والحديث يشمل أدنى صور الإفطار، فكل ما كان فيه معنى الفطر فإنك تدخل في حيز فضله «من فطر صائما». فيدخل في ذلك التمرة وما زاد. ومن أهل العلم من لا يرى ذلك، منهم من يرى أن ضابط الفطر الإشباع. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في «مجموع الفتاوى»، عندما ذكر حديث زيد بن خالد «من فطر صائما» وحسنه رحمه الله تعالى، قال: «والمراد بتفطيره أن يشبعه». فعنده لا تغني التمرة ولا التمرتان، وإنما عليك، يا عبد الله، أنك إذا فطرت الصائم أنك تفطره على شيء يشبعه. بحيث ماذا يقول: قد أفطر. أفطر بحيث ماذا؟ قد فطر من صومه وقد روي من هذا مما لاقاه من الصوم ومن الجوع ومن الضمأ. وهذه أقوال العلماء، ومسألة هي خلافية، وبعض العلماء يرجح المذهب الأول، ومنهم من يرجح المذهب الثاني. لكن على كل، إن يا عبد الله حاول أنك تكون من المفطرين، أي من المفطرين، تفطر غيرك بما تستطيع. ولا شك، يا أخواني في الله، أن إطعام الصائم التمر يعتبر من الإفطار، وإطعام الصائم وليمة من الإفطار، لكن شتان بين الأجر. ليس الذي أعد المأدبة وعد الطعام الكثير والأطعام الوفير للصائم كحال من أنفق تمرة، الأمر يختلف. وربنا لا يضيع عمل المحسنين. الفائدة الثالثة، إخواني في الله، المرجوة من هذا الباب، من باب إطعام الطعام، الفضل العظيم، الفضل العظيم، يا عبد الله، الذي فتحه ربنا جل وعلا على عامة المسلمين: «من فطر صائما كان له مثل أجر صومه». تخيل، يا عبد الله، أنت بإمكانك أن تصوم في رمضان عدة أشهر، بل ربما في هذا اليوم مثلا، في يوم واحد من رمضان، أنك تصوم في اليوم خمسة أيام. اليوم الواحد تجعله خمسة أيام، كيف ذاك؟ وذلك بأنك تطعم خمسة صوام. إذا أطعمت خمسة من الصوام فإنك كأنك صمت خمسة أيام. فتخيل أن رجلا بهذه السعة، وعنده من الراحة، بحيث ينفق المال في إطعام الطعام، فيفطر في اليوم الواحد العشرات والعشرات والعشرات. فالناس إذا خرجوا من رمضان بصوم ثلاثين يوما، فهذا قد خرج من رمضان بصوم مئتين يوم، مئتين يوم. لأن في كل يوم أفطر عدة صائمين. وهذا أجر عظيم، وهذا أجر عظيم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. ومن، أخواني في الله، كان من أمر السلف الصالح التدافع إلى باب إطعام الطعام. وإلى الله الحمد، لا زالت هذه الخصال الإسلامية والخصال العربية الأصيلة موجودة في مجتمعاتنا، ولا زالت هذه الظاهرة تتفشى دائما في أيام رمضان. تجد تلك الأطباق التي تتناولها الديار، ذاك يرسل بطبقه، وذاك يرسل بصحنه، وذاك يأتي بكيس من أكله، وذاك يرسل إلى الجيران، وذاك يرسل إلى المساجد. وهذه كلها، عباد الله، من إطعام الطعام، فلا تستهينوا بهذا الخير. فهذه من الأمور العظيمة الذي بشر بها نبينا أصحابها بأنهم من أهل الجنان. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.