الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح معنى العبد في اللغة والشرع، حيث يُفهم العبد بمعنى المذلل المسخر ويشمل جميع المخلوقات. العبودية نوعان: عامة وخاصة.
يشرح الفرق بين العبودية العامة التي تشمل جميع الخلق وهي قسرية، والعبودية الخاصة التي تختص بأهل الإيمان وهي إرادية وتتعلق بطاعة الله ومحبته.
يناقش معنى العبودية وأقسامها، ويفرق بين العبودية العامة والخاصة، ويذكر تقسيمًا لبعض العلماء للعبودية إلى ثلاثة أقسام، ويختتم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معنى العبد؟ وهذا هو السؤال الثالث الذي يطرح المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته التي سار بها على طرح الأسئلة ثم الإجابة عليها. قال: ما معنى العبد؟ هنا السؤال حول معنى العبد، وحول تعريف العبد. والمؤلف رحمه الله تعالى اختار هذه الكلمة من سائر الكلمات ليعتني بها لعدة أسباب، من ذلكم أن كلمة العبد من الكلمات التي جاء ذكرها في كتاب الله وفي السنة النبوية كثيرة. وأيضًا من أسباب الاهتمام بمعنى العبد، إذ أن كلمات عظيمة يحتاجها المسلم في دينه وعقيدته هي تعتمد أساسًا على معنى وفهم كلمة "عبد"، مثل العبادة، وهي قوام الدين. العبادة مشتقة من العبد ومن العبودية، فما معنى العبادة؟ لا يمكنك يا عبد الله أن تتعرف على معنى العبادة إلا إذا تعرفت على أصلها. فناسب هنا المؤلف رحمه الله تعالى أن يمهد لنا المسائل المتعلقة بالعبادة والعبودية بذلك بذكر أوائل مراحلها. قال رحمه الله تعالى: ما معنى العبد؟ قال: العبد إن أريد به المعبد، أي المذلل المسخر. العبد -إخوانًا في الله- مأخوذة من التعبيد، والتعبيد في لغة العرب بمعنى التذليل. يقال: طريق معبد، أي مذلل ذلل بوطء الأقدام عليه. يقال أيضًا في لغة العرب: فلان عبده الحب، أي ذله الحب، ذله وأخضعه. فكلمة التعبيد وما كان من مشتقاتها تؤول وتعود إلى معنى التذليل والتسخير. وذاك طرفه عندما كان يصف الناقة يقول في معلقته: تبارى ناجيات وأتبعن وظيفًا وظيفًا على مور معبد "مور" طريق معبد، مذلل. فإذن التعبيد بمعنى التذليل. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى في خطاب موسى لفرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ما معنى "عبدت بني إسرائيل"؟ أي ذللتهم وأذللتهم وسخرتهم في الخدمة والعمل عندك. "عبدت بني إسرائيل" أي أذللتهم. فإذا -إخواني في الله- معنى العبد مأخوذة من التعبيد، وهو بمعنى التذليل والإذلال. فيقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: العبد إن أريد به المعبد، أي المذلل المسخر، فهو بهذا المعنى شامل لجميع المخلوقات من العوالم العلوية والسفلية، من عاقل وغيره، ورطب ويابس، ومتحرك وساكن، وظاهر وكامن، ومؤمن وكافر، وبر وفاجر، وغير ذلك. الكل مخلوق لله عز وجل، مربوب له، مسخر بتسخيره، مدبر بتدبيره، ولكل منها رسم يقف عليه، وحد ينتهي إليه، وكل يجري لأجر مسمى لا يتجاوزه مثقال ذرة، ذلك تقدير العزيز العليم، تدبير العبد الحكيم. إذن هذا معنى من معاني العبد. سيأتي معنى أن العبد يراد به أحد معنيين: إما أنه عبد بمعنى أنه مذلل، أو بمعنى أنه عبد صدرت منه العبادة. بمعنى: عبد بمعنى المفعول، وبمعنى الفاعل. "عبد" يأتي بمعنى المفعول، أي وقعت عليه العبودية. وأما أنه "عبد" بمعنى هو الذي صدرت منه العبادة، فهو "عبد" بمعنى المعبود، أو "عبد" بمعنى العابد. فإذا قلنا: إن العبد بمعنى المذلل المسخر، فهذا المعنى يدخل فيه جميع الخلق. ما من أحد من خلق الله إلا وهو عبد لله بمعنى أنه مذلل، أي أنه مسخر سخره ربنا عز وجل في هذه الدار. ما من أحد من مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر، ولا تقي ولا نقي، ولا زاهد ولا مجرم، ما من أحد إلا ونحن عبيد لله سبحانه وتعالى. فهذا المعنى من معاني العبودية يسميه العلماء بالعبودية العامة. ودليله ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. ما من أحد، ولو كان في هذه الدنيا أكبر حاكم وأكبر وزير، ولو بلغ من الثراء الفاحش أنه ملك القرى والأرياف والمدن والحضارات، وملك ما ملك من الدنيا، فإنه عند الله عبد، عند الله عبد تجري فيه أقدار الله. لا أحد أبدًا من الخلق يمكن أن يدعي ويقول: أنا بإمكاني أن أخرج عن أقدار الله. ولو كان من أعظم الملاحدة قد يتفوه هذا بلسانه، ذاك في واقع الحال أمره بيد ربه. ولهذا انظر أين الملاحدة الذين أرادوا أن يعيشوا في الدنيا بغير انقضاء؟ من الذي أخذ أرواحهم؟ من الذي قبض أنفسهم؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهم عبيد لله، ولو ادعوا ما ادعوا من الألوهية أو ربوبية. فهم -عبد- عبيد لله سبحانه وتعالى. ربنا سخر في هذه الدنيا، بدليل أن أقدار الله تجري عليهم. لا أحد منهم أبدًا يستطيع أن يدفع عن نفسه لا مرضًا ولا موتًا ولا نعمة ولا نقمة، وإنما أقدار الله تجري على الكل. هذا -إخواني في الله- الذي يسميه العلماء بالعبودية العامة، بالعبودية العامة، والذي يشتمل فيها جميع الخلق من المؤمنين والكفار، وجميع الكائنات. وجميع الكائنات كلها تجري تحت هذا المعنى من معاني العبودية، وهذا النوع من أنواع العبودية. -إخواني في الله- يسميها العلماء بالقسم المعروف بالعبودية العامة، ويعبر بعض العلماء عن هذا القسم بتعبير آخر، يسميها بعبودية الملك والقهر، عبودية الملك والقهر. وبعضهم يعبر عن هذه العبودية بالعبودية القسرية، بالعبودية القسرية، قسرية، أي أنك ملزم بها، ما يمكن أبدًا أن تخرج عنها. ما يمكن أبدًا هل أحد يستطيع يقول: أنا بإمكاني أن أكون لست عبدًا لله بحيث أني أدفع قدر الله عني؟ ما يمكنه أبدًا. فالكل يجري بمقتضى قدر الله سبحانه وتعالى. فتسمى كذلك بالعبودية القسرية، وتسمى أيضًا بعبودية الربوبية لله، بعبودية الربوبية لله. وهذا ضابطها: الذي يكون فيها اشتراك العباد بالخلق، كل من خلقهم الله عز وجل فهم عبيد له، وهم مربوبون له. فهذا القسم الأول -إخواني في الله- من أنواع العبودية، وهي العبودية العامة، والتي يشرك فيها جميع الخلق. قال رحمه الله تعالى: وإن أريد به العابد، أي هذا إشارة إلى كلمة "عبد". فـ"العبد" يأتي بهذا المعنى الأول الذي سمعتموه: أن الذي وقعت عليه العبودية من التذلل والتسخير، فهذا يشرك فيه جميع الخلق. وإما أن "العبد" تطلق في لسان الشرع بمعنى العابد. "عبد" بمعنى العابد، أي: صدرت منه العبادة، يعبد من؟ يعبد الله سبحانه وتعالى. قال: وإن أريد به العابد المحب المتذلل، خص ذلك بالمؤمنين، هم عباده المكرمون، وأولياؤه المتقون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. هذا النوع الثاني من أنواع العبودية، والتي يعبر عنها العلماء بالعبودية الخاصة، بالعبودية الخاصة. وهم الذين أذعنوا لله بالخلق، وأذعنوا لله بالرزق، ومن ثم يروا من أنفسهم أنه ينبغي أن يعبد الله سبحانه وتعالى. فهذه العبودية الخاصة. ويأتي هذا في كتاب الله عز وجل، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، فسماهم ربنا بعباد، بالعبيد، هم عباد لله عز وجل. لكن فرق بين العبودية الأولى والعبودية الثانية. العبودية الأولى: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، هذه عبودية الخلق جميعًا، ما منا من أحد إلا هو عبد لله بمعنى مذلل. لكن العبودية الثانية، وهي عبودية خاصة، تتعلق بأهل الإيمان، بأهل الإسلام، ومن أذعن لله عز وجل بالعبودية. فهذه عبوديته خاصة. فهؤلاء الذين جاء وصفهم في كتاب الله عز وجل، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، هؤلاء وإن كانوا عبيدًا، لكنهم عبيد من درجة ثانية، وهي العبودية الخاصة. وهذا النوع -إخواني في الله- من العبودية الخاصة، يعرفها العلماء أيضًا بعدة أسماء. يسمونها بالعبودية الخاصة، يسمونها بعبودية الطاعة والمحبة، يسمونها كذلك بالعبودية الإرادية؛ لأن صاحبها بإرادته دخل في عبادة الله. وتسمى أيضًا بعبودية الألوهية، بعبودية الألوهية؛ لأن أصحابها يتقربون إلى الله عز وجل بأنواع العبادات والطاعات. وأوضح من هذا كله: ما الفرق بين العبوديتين؟ المؤلف أشار إلى أن كلمة "عبد" تأتي أحيانًا بمعنى العبد بمعناه العام، وهو المذلل. وقد تأتي كلمة "العبد" بمعنى العابد، أي المحب لله المتعبد لله. فما الفرق بين العبوديتين العامة والخاصة؟ هناك عدة فروق. الفرق الأول: قال العلماء: الفرق بينهما أن العبودية العامة هي شاملة لجميع الخلق والكائنات، شاملة لجميع الخلق والكائنات. كل الناس وكل الخلق وكل الكائنات هم عبيد لله، وإن لم يرتضوا هذا الوصف. لو قال كافر: الكفار أنا ما أرتضي أحد أن عابدًا يقول: ولو فأنت عبد، ولو فأنت عبد الله شئت أم أبيت، هذا هو الحال، وهذا هو الواقع. هذه العبودية العامة فهي شاملة لجميع الخلق. أما العبودية الخاصة فهي تختص بأهل الإيمان فقط، تختص بأهل الإيمان فقط. فلا يدخل فيهم الكافر، ولا يدخل معهم ماذا؟ أصحاب الردة والفجرة والكفرة وأهل الشرك والإشراك. لا، إنما العبودية الخاصة متعلقة بأهل الإيمان، هم الذين يرون أنهم يتعبدون لله عز وجل بأنواع القربات. الأمر الثاني: الفارق الثاني: أن العبودية العامة قسرية، قسرية. ما أحد من الكائنات يخرج عنها أبدًا. أنت ملزم بها، كما قلنا: تجري عليك أقدار الله. أما العبودية الخاصة فهي إرادية، ليست قسرية. بإمكانك -يا عبد الله- أن تكون عابدًا لله، تدين لله بالإيمان، تتقرب إلى الله بأنواع الطاعة، هذا بإرادتك. لكن العبودية العامة: تكون عبدًا لله، هذا قهر، هذا إلزام، ما يمكن لأحد كما قلنا: هل يمكن لأحد أن يأخذ عهدًا على نفسه بأنه لا يصاب بمكروه؟ فضلًا أنك تلتزم بالعهد والموافقة لأتباعك بأن ما يصابون بمكروه، ما يتأتى هذا لأحد أبدًا. لأنك -يا عبد الله- ذليل، تخضع لحكم الله ولقدر الله سبحانه وتعالى. فهذا الفارق الثاني: أن العبودية العامة قسرية، والعبودية الخاصة إرادية. الفرق الثالث: أن العبودية العامة لا يترتب عليها دخول جنة ولا تخلص من نار، لا يترتب عليها دخول جنة ولا تخلص من نار. فلو ذكرنا مثلًا: قلنا: يا أيها الناس، ويا أيها الخلق، من يهود ونصارى، ومن أبرار وفجار، ومن كفار وملاحدة، كلكم عبيد لله. هل أحد سيقتنع بهذا الوصف؟ قل: الحمد لله، يقول: بأنني عبد الله، إذن لعل هذا ينجيني عند الله؟ لا، ما تفرح بهذا. فالعبودية العامة لا ترجو منها -يا عبد الله- دخولًا للجنة، ولا إخراجًا من نار، ولا خلاصًا منها. وإنما الذي يترتب عليه دخول الجنة هي العبودية الخاصة، أن تكون عابدًا لله، هذا هو العبد الذي يستحق الأجر والفضل، أن يكون عابدًا لله، وهي العبودية الخاصة. وأيضًا من الفروق -إخواني في الله- وهذا مما أشار إليه ابن القيم رحمه الله تعالى في الفرق بين العبودية العامة والخاصة. قال رحمه الله تعالى: فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، هذا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. "عبيد ربوبيته" بمعنى العبودية العامة. قال: فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته. ولا يجيء في القرآن -وانتبه لهذا الفارق- ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء. أي: أن مما يفرق إذا كنت تقرأ كتاب الله عز وجل، ومرت عليك كلمة "عباد"، وتريد أن تعرف: هل هؤلاء من عباد العبودية العامة أم من عباد العبودية الخاصة؟ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: أن تجد في القرآن أن ما يضاف إلى الله سبحانه وتعالى إلا أهل العبودية الخاصة، هم يضافون إلى الله. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، أضافهم إلى الله، نسبهم إليه سبحانه وتعالى. وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وهكذا قس. فتجد أن كلمة "العباد" بمعنى العبودية الخاصة، فإن الله سبحانه وتعالى يضيفهم إليه. وأما العبودية العامة تكون ماذا؟ مطلقة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا يُرِيدُ رَبُّكَ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، جاء عامًا لجميع الخلق. ﴿وَإِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، تأتي ماذا؟ مطلقة، ومنكرة. فهذا معنى من معاني ابن القيم رحمه الله تعالى من الفوارق بين العبودية الخاصة والعبودية العامة. فخلاصة هذا المبحث -إخواني في الله- أن المؤلف رحمه الله تعالى تطرق إلى معنى كلمة "عبد". وأن "العبد" تأتي على أحد معنيين: إما "عبد" بمعنى المذلل المسخر، وقعت عليه العبودية من الخلق والإيجاد، فهذه العبودية عامة، يشترك فيها كل الخلق، وكل الكائنات، وكل المخلوقات، فهم عبيد لله. ومع هذا القسم، هذا لا يرجى منه خلوص من الجنة، أو الخلوص من النار، أو دخول الجنة. أما العبودية: "العبد" بمعنى العابد، فهذه العبودية الخاصة، وهي التي يحبها ربنا ويرضاها، بل ويأمر بها العباد، ويكون عليها الأجر والثواب. نأتي إلى مسألة -إخواني في الله- أخيرة، وهو تقسيم لبعض العلماء. بعض العلماء الكثيرة العبودية على قسمين: عبودية عامة، وعبودية خاصة. عامة لجميع الخلق، خاصة بأهل الإيمان. هناك من أتى بعبودية خاصة الخاصة. بعبودية خاصة الخاصة. وهذا قد أشار إليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى. فذكر أن العبودية على أقسام ثلاثة: عبودية عامة، يشترك فيها جميع الخلق والكائنات، بمعنى أن الله خلقهم ورزقهم، فهم عبيد له. والعبودية الخاصة، بمعنى عبودية الطاعة لله، وهؤلاء هم أهل الإيمان. وعبودية خاصة الخاصة، قال: وهي عبودية الأنبياء، عبودية الأنبياء؛ لأن لا أحد هناك يباريهم في هذا الباب، عبادة وطاعة الأنبياء والرسل، ليس كطاعة سائر الناس. وهذا لا شك فيه، ولا ريب. وهذا لا شك فيه، ولا ريب. فعبودية الأنبياء ورسل لربهم عز وجل أشد العبادات، وأشد العبودية، وأعظم الأنبياء تعبدًا لله، واتصافًا بصفة العبودية، هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أشد الأنبياء اتباعًا وتعبدًا لله. حتى استحق وصف العبد. وتأمل -يا عبد الله- إلى وصف القرآن لنبينا، بل ليس للوصف العام، بل في بعض المناسبات العظيمة والمقامات العظيمة التي يؤتيها نبينا، تجد أن الله يصف نبينا بكنه العبودية. في المناسبات العظيمة، وفي المقامات الجليلة التي يؤتى بها نبينا، يصفه ربنا بالعبد. انظر مثلًا في مسألة الوحي، عندما أوحى ربنا لنبيه، بماذا وصفه ربنا؟ وصفه بالعبد. قال جل في علاه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. وعندما كذلك في مقام الإسراء والمعراج، وهي من مقامات عظيمة، ماذا وصف ربنا نبيه؟ وصفه أيضًا بالعبودية. قال جل في علاه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، من عبده؟ ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام. ففي هذا المقام العظيم وصفه القرآن بالعبودية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. وأيضًا -إخواني في الله- في مقام الدعوة، عندما قام نبينا بشيرًا ونذيرًا، وصفه ربنا جل وعلا بالعبودية. قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، من هو عبد الله؟ هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. وهكذا عندما أنزل عليه ربنا القرآن في مقام إنزال الوحي والكتاب المقدس عليه، ماذا وصفه ربنا؟ وصفه بالعبودية. قال سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، من عبده؟ هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا -يا عبد الله- في مقام التحدي، في مقام التحدي. قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾، من عبدنا؟ على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فهكذا -يا عبد الله- تجد أعظم المقامات والمناسبات العظيمة التي يؤتى بها نبينا، تجد أن ربنا يصفه بالعبودية. ما السر في ذلك؟ السر في ذلك -يا عبد الله- أن تعلم أن العبودية هو مقام شرف، هو مقام شرف. أنك -يا عبد الله- تتشرف لله عز وجل بأن تكون عبدًا لله، ليس عبدًا لهوى، وليس عبدًا لملك، وليس عبدًا لشعب، وليس عبدًا لمالك، وليس عبدًا لملذاتك، وإنما أنت عبد لله عز وجل. فكلما ازداد الشخص شرفًا في العبودية، كلما ازداد رفعة عند الله. وتأمل حال نبينا. ولهذا قال نبينا: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فهذا الذي يذكر في هذا الباب، على أن من يقول بأن العبودية تنقسم إلى أقسام ثلاثة، يرى أن القسم الأول: العبودية العامة والخاصة، العبودية الخاصة، العبودية العامة، ثم الخاصة، ثم خاصة الخاصة. فهذا -إخواني في الله- من يذكر في هذا المقام، وفي هذه الإجابة حول معنى العبودية، وما يتعلق بأقسامها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.