شرح أعلام السنة المنشورة  195

شرح أعلام السنة المنشورة 195

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 195، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الطائفة المنصورة

يتناول شرح حديث النبي حول الطائفة المنصورة التي ستظل على الحق حتى قيام الساعة، ويوضح أنها الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة. يشير إلى وجودها إلى قيام الساعة وتقلبات ظهورها.

التصدي للتفرق والفتن في الأمة

يُناقش كيفية التعامل مع التفرق والفتن، ويُشير إلى أن النجاة تكمن في معرفة المخرج وليس البكاء على ما حدث، ويُبرز أهمية التصدي للفرق الضالة.

خطورة مخالفة أهل السنة وغربة الحق

يُناقش خطورة مخالفة أهل السنة وانتشار الفرق الضالة، ويُبين أن الحق غالبًا ما يكون مع القلة، ويحذر من الاغترار بالكثرة.

خاتمة الدرس وآثار الفرقة الناجية

يختتم الدرس بالحديث عن الفرق الناجية والطائفة المنصورة، ويتوجه بالدعاء أن ينفع بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «أعلام السنة المنشورة» رحمه الله تعالى: من هي الطائفة التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»؟ هذا السؤال هو السؤال الأخير في هذه الرسالة، ختم المؤلف رحمه الله تعالى كتابه الماتع بهذا السؤال المهم، وهو السؤال عن الطائفة المنصورة. قال رحمه الله تعالى: من هي الطائفة التي عناها - أي قصدها - النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، وذكر الحديث، وهو «لا تزال طائفة من أمتي...». وهذا الحديث في الصحيحين، جاء من حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه، وجاء كذلك من حديث جابر، ومن حديث معاوية، وعن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وجاء كذلك بلفظ «لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم»، كما في رواية مسلم «لا من خالفهم ولا من خذلهم». هذا الحديث، إخواني في الله، وهذا السؤال - وهو البحث عن الطائفة المنصورة - ومن هي، هي من المباحث المهمة التي تعم كل مسلم ومسلمة، إذ أن هذا السؤال عن طائفة ليست بطائفة قد مضت وانقضت وانتهت، بل هي طائفة موجودة، هي قائمة، وقيامها سيستمر إلى قيام الساعة، بدليل أول الحديث وآخره. ففي أوله قوله عليه الصلاة والسلام «لا تزال» فهي موجودة قائمة، وفي آخر الحديث أنه قال «حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى». وما هو أمر الله؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أمر الله هي الساعة، كما رجح ذلك القرطبي وجماعة، أي هذه الطائفة موجودة إلى أن تقوم الساعة. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن «حتى يأتي أمر الله» أي مقدمات الساعة، وهي آية الريح التي تأتي وتخرج في آخر الزمان، فتلفظ أنفاس المؤمنين المسلمين، فلا يبقى مؤمن مسلم موحد إلا وشم هذه الريح ووجدها حتى تقبض روحه، فلا يبقى على الأرض إلا الشرار والأشرار، فعليهم تقوم الساعة. فقول نبينا صلى الله عليه وسلم «حتى يأتي أمر الله» أي حتى تأتي هذه الريح. وهذا رجحه الإمام النووي، وهكذا الحافظ بن حجر، وجماعة على أنهم شرحوا هذا الحديث على هذا المنحى. فالحاصل أن هذه الطائفة هي موجودة إلى قيام الساعة أو إلى قرب قيام الساعة، فهي موجودة في هذه الأزمان، نعم موجودة. موجودة في هذه الأزمان إلا أنها تخفى وتضعف أحيانًا وتظهر أحيانًا. ما هو واجب المسلم؟ واجب المسلم أن يعتني بهذا السؤال: من هي هذه الطائفة؟ من هي؟ حتى يلتحق بركبها ويأخذ بالزمامها ويكون من أصحابها. فكان الجواب من الأجوبة المهمة في هذه الرسالة، والتي حسن من المؤلف رحمه الله تعالى أن يختم بها كتابه. قال رحمه الله تعالى: هذه الطائفة هي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة، كما استثناها النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الفرق بقوله «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة». وفي رواية قال «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». هذه إجابته، اختصرها رحمه الله تعالى بهذه الجمل اليسيرة. وقوله «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» هذا جاء من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك من حديث معاوية بن أبي سفيان، كما رواه أبو داود في سننه، وهو سناده صحيح. أما الرواية الأخرى سيأتي التعليق عليها. قوله رحمه الله تعالى: هذه الطائفة هي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة. وهذا اللفظ جاء من حديث - كما مر - من حديث أبي هريرة، أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن افتراق هذه الأمة إلى هذا العدد، إلى ثلاث وسبعين فرقة. وهل هذا العدد للحصر أم أنه للتغليب والتكثير؟ قيل هذا وقيل هذا. لكن يهمنا في هذا الباب أن نعلم أن الأمة الإسلامية هي من أكثر الأمم تفرقًا، من أعظمهم ومن أكثرهم اليهود والنصارى اختلفوا على إحدى وسبعين، على ثنتي وسبعين، لكن هذه الأمة افترقت على ثلاث وسبعين، هي من أعظمها افتراقًا واختلافًا وتشرذمًا. وهذه حكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. فكيف إذا انضاف إلى ذلك إلى أن هذا الاختلاف الذي سيقع بين الأمة هو بإرادة الله سبحانه وتعالى؟ ربنا أراد ذلك حكمة قضاها ربنا جل وعلا، يدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «سألت ربي ثلاثة فأعطاني اثنين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة - أي بالقحط والجدب والجفاف - قال فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها». وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها، أي هذا كائن، هذا حاصل، أن الله سبحانه وتعالى سيجعل هذه الأمة بأسهم فيما بينهم. والبأس هو القتال والاختلاف. ومن نظر إلى واقع المسلمين وإلى حال الإسلام منذ الصدر الأول، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة بعد مقتل عمر رضي الله تعالى عنه، وفتح هذا الباب، اندلعت الفتن من إزهاق الأرواح وقتل الأنفس والاختلافات والتفرق التي دبت على الأمة إلى أن تقوم الساعة. لكن هنا فائدة: ما الذي ينبغي على المسلم إزاء هذا الافتراق والاختلاف؟ تجد من بعض الناس من ربما جلس طوال عمره وهو يتباكى وينوح على هذا التفرق والتشرذم. والجواب: يا عبد الله، هذا ليس لك، لأن الله قضاه وهو كائن لا محالة. فالمسلم إزاء هذا التفرق، يا عبد الله، أن يعرف ما هو المخلص، ما هو المنجى. هذا الذي تملك أنت له السبيل، لأنك تتباكى على أمر قد قدره الله عليك، قدر على هذه الأمة، كائن لا محالة. فإخواني في الله، ولهذا كان من هدي السلف رضي الله تعالى عنهم أن النبي إذا أخبرهم بحدوث الفتن - كما جاء في عدة روايات أنه قال «إنها ستكون فتن، إنها ستكون فتن» - ماذا كان جواب العقلاء؟ أنهم قالوا: «يا رسول الله، ما المخرج منها؟» هذا الذي نبغيه، ما المخرج؟ إذا كان هذا واقع لا محالة، إذن ابحث عن المخرج. فإذا جاءت الآثار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن الأمة ستفترق، وأن هذا أمر قضاه الله، إذن ما نملك شيء نحن أمام رد قضاء الله عز وجل، لكن نملك أن نخرج من هذه الفتن، أن نعرف ما هو الطريق والسبل التي تنجينا من هذا التفرق الذي حصل. وفي قوله عليه الصلاة والسلام «من ثلاث وسبعين فرقة» الفرقة لها معنى مهم، جماعة من العلماء فسروا الفرقة بأنها الجماعة التي تدين بدين، الفرقة هي الجماعة التي تدين بدين، إذن الفرقة يطلق على جماعة عندها تصور، عندها مذهب، عندها دين تتدين الله به وتتعبد الله به. فنحن أمام فرق، أمام جماعات، أمام أشخاص، أمام أعيان، هؤلاء سيتزعمون هذه الرايات، سيتزعمون هذه الرايات. وهذا فيه رد، إخواني في الله، على من قصر فهمه، تجد جماعة من الناس لربما يريد منه - إذا كان الكلام على الجماعات المخالفة، المضادة لمذهب أهل السنة والجماعة، ولمذهب السنة الحق - يرى إن كان الكلام على الآراء، الكلام على المبادئ، لا تتكلم على الذوات، لا تتكلم على أشخاص، لا تعين. سبحان الله، ألم يقل نبينا «73 فرقة» والفرقة هي جماعة، في عبارة عن أشخاص وعين، فليس هذه أفكار تدور في السماء أو أفكار تتلقفها الأذهان، هذا عبارة عن أفكار موجودة في أشخاص، موجودة في أعيان. فالكلام على هذه الأفكار ما يتأتى إلا بالكلام على أهلها، على أصحابها، على من حمل هذه الرايات. التكلام عليهم، إن جاء الأمر بالتصريح، صرح بأسمائهم، بأن فلان خالف السنة، فلان من الجماعة الضالة، رافضي، شيعي، زيدي، فلان أشعري، فلان معتزلي، فلان قدياني، يصرح بجماعته، بإسمه، بكنيته، إن كان له كنية، حتى يشرح ويفهم أمره. يأتينا بعض الناس يتضاحك على أهل السنة، مثلًا، فإذا رأى أن أهل السنة يتكلمون مثلًا على بعض الفرق الضالة، فيقول: هؤلاء أهل السنة إنما يتحدثون عن جماعات وعن فرق قد أكل عليها الزمان وشرب، أين هذه الجماعات؟ وكما يقول بعضهم يتضاحك على أهل السنة أيضًا يقول: أهل السنة حالهم كحال من يأتي إلى المصارعة وما عنده طرف آخر، ما عنده خصم. وإذا ما يفعل هكذا هكذا يضحكون عليهم، هذا موجود في كتبهم، ممن لم يعرف لمنزلة أهل السنة وعلمائها قدرًا، يستهزئ بهم ويرى أن أهل السنة عندما يتكلمون عن هذه الفرق - كالأشاعرة والمعتزلة والقديانية والبهائية والقدرية - إلى غيرهم، يقول: لا تتكلمون عن من؟ أين هؤلاء؟ هؤلاء قد اندثروا. أنت حالكم كحال من يأتي إلى حلبة يصارع لا أحد. نقول: سبحان الله، هكذا تصور هؤلاء أن هذه الجماعة انقضت، اندثرت. أما دروا أن الرافضة الآن يملكون ثروة قوية، دولة لها صولة وجولة، وهم الآن منذ سنوات في تصدير الثورة إلى الخارج، وصدرتها حتى أصبحت الدول - وكما يصرفون على عواصم - أصبحت بأيديهم، بعد هذا كله الرافضة لا يحسبون عندكم بشيء؟ أما نظرتم إلى المعتزلة وهم لا زال جذورهم متأصلة في الأمة، لكن ليس باسم الاعتزال، لكن باسم العقلانيين - كحزب التحرير وغيره - هؤلاء معتزلة ممن يرون أن العقل هو المحكم، فما من نص قرآني أو حديثي إلا ويعرب على عقولهم، وهذه كتبهم مبثوثة، مبثوثة، مذكورة. أليس الاعتزال له صولة وجولة الآن؟ أم أنك تقول: يا عبد الله، إن الأشاعرة قد انقضوا؟ وماذا يجري في أرض كنانة؟ جامعة الأزهر، انصرفوا على ماذا؟ تدور على مذهب الأشاعرة، يبث، يزاحم ما عليه المذهب، مذهب أهل السنة في نشر العقيدة، علماء ومفكرين، وجامع، وكتب تطبع، كلها تؤصل لمذهب الأشاعرة، أهواء. انقضوا عندك؟ أم أنك تخاطبني في مسألة المرجئة والإرجاء، والذي لا زالت آثاره موجودة عند كثير من العامة، وهذه العبارة التي يقول بها من يقول بأن الإيمان في القلب، هذا هو عقيدة مرجئة، حتى أن الناس يرون أن الأعمال مهما فعلوا لا تضرهم إذا كانت القلوب سليمة، هذا هو حكم الإرجاء، والذي قد انتشر عند عامة الناس. هل بعد ذلك نواجه لا خصوم في الواقع؟ أم أنك تريد يا عبد الله أن تغطي على الخوارج، والذين لا زالت فرقهم تتجدد في كل حين، وفي كل مصر، وفي كل زمان، وكما أخبر نبينا حتى ينتهي أمرهم إلى الدجال، لا زالوا في خروج، هذه فرق موجودة، موجودة بأشخاص، بأعيان. ولهذا نبينا قال «ثلاث وسبعين فرقة» فهي فرق، جماعات موجودة، فلا يتأتى التحذير من هذه الأفكار إلا بالتحذير من أهلها. وقوله عليه الصلاة والسلام «كلها في النار إلا واحدة» فيها مسألة مهمة، وهي أن تعرف أن مخالفة أهل السنة ليس بالأمر الهين، ليس بالأمر السهل، ليس بأمر اجتهادي، حتى تجد أن من بعض المفكرين ما يرى المجال مفتوح لكل أحد، يرى أن مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة، وأن مذهب هؤلاء كلها مذهب متأصلة، قد خرجت من الإسلام، هكذا عبر بعض المفكرين، كلها خرجت من أصل الإسلام. فبيننا ما بينهم من الاجته، ندع كل واحد يفعل ما شاء في هذه الأمة، ننكب على كتاب الله، الأوحد على القرآن، وننكب على السنة النبوية، ثم نمزقها، ثم نمزقها شذر مذر، ثم نقول: هذا مجال الاجتهادية، كل يفعل ما شاء. لا، يا عبد الله، النبي حكم عليها بالنار «كلها في النار» وبهذا تعلم يا عبد الله عظم خطر المخالفة، وأن المسلم إذا أراد أن يسلم من عذاب الله، ومن غضب الله، ومن سخط الله، ومن نار الله، عليه أن يتحرى، يتحرى أن يجد هذه الطائفة، يتحرى حتى يكون من أهلها، ومن أصحابها. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام «كلها في النار» أيضًا فيها مسألة، وهو أن نعلم أن طرق الضلال كثيرة، وكثيرة جدًا، كثيرة، فتخيل النبي يتكلم عن ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، معدى واحدة، ما عسى هذه الواحدة أمام هذه الفرق الكثيرة التي ضلت عن سواء السبيل؟ وبهذا تعلم يا عبد الله الغربة التي يجدها المسلم في آخر زمانه، يجد أن المتمسك بالحق قليل، وقليل جدًا. وهذا الحكم قد جاء مصرحًا في كتاب الله، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. أما في القرآن، فآيات القرآن كثيرة في بيان أن أكثرهم لا يعلمون، أكثرهم لا يعقلون، وقليل من عبادي الشكور، وأن أكثر الناس - ولو حرصت عليهم - لن يؤمنوا بهذا الدين. وآية كثيرة على أن الكثرة والغلبة إنما لأهل الهلاك. ولهذا لا تغتر يا عبد الله بكثرة الهالكين، الجموع ليست هي المعيار، تجد أن بعض الناس إذا ذكر بالحق، ويعلم أن الحق هنا، يعلم هنا، وهنا معروف بأموره، لكنه ماذا؟ يهاب مخالفة الكثرة، يقول: طب وكيف هؤلاء وهؤلاء؟ أيش عنهم في ضلال؟ يقول: نعم في ضلال. يا عبد الله، إذا عرفت أن الله جل وعلا جعله حقًا مبينًا في هذه الطائفة، فلا تنظر إلا قلتها. ولهذا عمر بن عبسة رضي الله تعالى عنه لما أراد أن يسلم، والحذف الصحيح جاء عند رسول الله، أراد أن يتحرى، يسأل، فجاء عند نبينا - بعدما علم أن رسول الله يذكر للناس أنه وحي، وأنه يوحى من ربه، وأنه نبي مرسل - فقال: قال من أنت؟ فقال: هو نبي مرسل من عند ربي. قال: بماذا أمرك الله؟ قال: يأمر بكسر الأصنام، وبعبادة الله، إلى آخره. فقال عمر: يا محمد، ومن معك؟ ومن معك على هذا كله؟ قال: معي عبد وحر، عبد وحر. وانتهت القضية، القضية ليست جموع غفيرة تظهر، إنما هو حق مبين أراده الله عز وجل. ولهذا جاء عن حذيفة المسعود - رواه الحاكم في مستدركه بإسناد صحيح - أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا طويلًا واحدًا، وخط خطوطًا عن يمينه، وخطوطًا عن شماله، خطها هكذا، منعرجة مائلة عن يمين هذا الخط، وعن شماله. ثم أشار إلى هذه الخطوط، قال: «هذه سبل، ما من سبيل إلا وعليه شيطان، ثم تلا قول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾». الشيء أن هذه الخطوط متكاثرة، لكن إلى أين تؤديه؟ تؤدي إلى النار، إلى الهلاك. فليس العبرة يا عبد الله بالجموع، بالكثرة، فإن الجموع والكثرة كتب الله عليها الشقاء والفناء والهلاك في الدنيا والآخرة. وكان من حكمة الله جل وعلا أن جعل الحق على القلة، على قلة، كما قال نبينا: يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد. انتبه يا عبد الله، لا تجعل الجموع والجماهير الغفيرة هي المقياس في معرفة الحق. وإنما كما جاء في هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام «كلها في النار إلا واحدة» قال «وهي الجماعة». وبقي مبحث في هذه المسألة متعلق كذلك بما بأهم معالم الفرق الناجية والطائفة المنصورة، لعلنا نرجئ الكلام عليها في درس غد. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.