الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 30

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 30

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضائل خديجة رضي الله عنها وبشراها بالجنة

ذكر فضائل خديجة رضي الله عنها وبشراها بالجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، لعظيم أمرها ورفعة قدرها وإسلامها التطوعي. هذه البشارة كانت لها وهي على قيد الحياة.

مكانة خديجة بنت خويلد وفضائلها

يُبرز المقطع فضائل خديجة بنت خويلد، منها سلام الله تعالى عليها عبر جبريل، وخدمتها للنبي، واعتبارها من خيار نساء العالمين، ومحبة النبي الخاصة لها. كما حفظ النبي قلبها بعدم الزواج عليها.

محبة النبي لخديجة وإكرامها بعد وفاتها

كان النبي يحب خديجة حبًا كبيرًا ويعظمها حتى بعد وفاتها، ويكرم صديقاتها ومن له صلة بها، ويكثر من ذكرها ويقدر من يحبها أو له علاقة بها، مما يدل على منزلتها العالية في قلبه.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلنزن في هذا البيت من المنظومة المعقودة في بيان سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي قال فيها الناظم: فكان فيه عقده عليها، وبعده إفضاؤه إليها. وكان هذا منه -رحمه الله تعالى- إشارة إلى ما كان من عقده وزواجه على خديجة رضي الله تعالى عنها. ومرت معنا في دروس خلت ما يتعلق بأمر قصته مع خديجة رضي الله تعالى عنها، بدءًا في مسألة الاتجار بأموالها، ومن ثم ما كان من عرضها لنفسها عليه الصلاة والسلام، فكان القبول. وذكرنا ما يتعلق ببعض الأحاديث المروية في كيفية زواج نبينا عليه الصلاة والسلام من خديجة. ثم كان الكلام حول ذكر المسائل المتعلقة بحياته الزوجية مع خديجة رضي الله تعالى عنهما، فيما يتعلق بأعمارهم عند الزواج، والمدة -مدة العشرة الزوجية-. زد على ذلك أن أشرنا ببعض الخصائص التي اختصت بها أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، فهي أول من آمن مطلقًا، وهي الزوجة الوحيدة التي ما تزوج عليها صلوات ربي وسلامه عليه. وأنها هي أم أولاده، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يعظمها جدًا، كما سيأتي. ومما تتم به الفائدة إخواني في الله، ونحن في معرض حديثنا عن خديجة رضي الله تعالى عنها، أن نذكر شيئًا من فضائلها، مما جاءت به البشارة في حقها، وذلك لعظيم أمرها ورفعة قدرها رضي الله تعالى عنها. فمن البشارات أن خديجة رضي الله تعالى عنها بشرت بالجنة، وهي على قيد الحياة، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام، فإذا أتت فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». فهذا الحديث إخواني في الله يدل على هذه البشارة العظيمة، فطلب جبريل من نبينا أن يبشر خديجة رضي الله تعالى عنها ببيت في الجنة من قصب. قال الشراح: أي من لؤلؤة مجوفة، بيت من لؤلؤة مجوفة لأبهته وعظيم قدره. وأن من خصائص هذا البيت لا صخب فيه ولا نصب، لا صخب أي: ليس فيه ارتفاع للأصوات، ولا نصب أي: لا تعب فيه. وقال العلماء: هذه الصفات التي جعلت لبيت خديجة رضي الله تعالى عنها إنما كان لسبب، وما سببه أن هذا البيت لا صخب فيه ولا نصب، قالوا: هذا لما كان من أمرها رضي الله تعالى عنها في أمر إسلامها، إذ أنها دخلت في الإسلام، وقد أشرنا أنها أول من أسلم مطلقًا، ما تقدمها أحد لا رجل ولا امرأة. هي أول من أسلم برسول الله، إسلامها كان تطوعًا، ما احتاج نبينا مع خديجة في إقناعها بنبوته وببعثته وبرسالته، ما احتاج الإقناع إلى ارتفاع الأصوات أو إلى مشاهدات كلامية أو إلى إلزام وإلى شيء من التعب والنصب، والذي يجده الداعية إذا أراد أن يدعو أحدًا. هذا كل ما حصل مع خديجة أبدًا، وإنما عرض عليه الإسلام وافقت، فما كان منها شيء مما يحصل بين المدعوين. فلما كان هذا من أخلاقها جازاها الله من جنس فعلها، أن جعل لها بيتًا في الجنة لا صخب فيه ولا نصب. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وفي هذا الحديث كذلك فضيلة أخرى، وهي عظيمة، أن الله جل في علاه أرسل لها بالسلام. سبحان الله، انظر من الذي يرسل سلامه لمن؟ رب الأرباب جل في علاه يرسل سلامه إلى هذا المخلوق الحي إلى خديجة، عن طريق من؟ عن طريق جبريل، وجبريل عن طريق من؟ عن طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام. عظم فوق عظم، وأبها فوق أبها لكي يصل السلام إلى خديجة رضي الله تعالى عنها. وقال العلماء: وهذا ما حصل لأحد أبدًا أن يستحق هذا السلام الرباني إلا لخديجة رضي الله تعالى عنها. فهذا الحديث فيه عدة فضائل لخديجة، يدل على عظيم قدرها. وتأمل في هذا الحديث عندما قال جبريل: «هذه خديجة قد أتت بإناء فيه طعام أو شراب»، فيه بيان لما كانت عليه خديجة من خدمتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها كانت تعتني به أيما عناية. ليس هذا فقط في بيتها، بل سيأتي معنا عند تعبده وتحنثه في غار حراء، هي كانت تأتي بالطعام، هي كانت تأتيه بالطعام والشراب، وتزوده بالزاد، كل ذلك إعطاءً وإيفاءً لحقه عليه الصلاة والسلام. فكان ما سمعت من هذه البشارات، وزد على ذلك كذلك من فضائل خديجة أن الشريعة اعتبرتها أنها من خيار نساء أهل الأرض، فقد جاء من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «خير نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون». فهؤلاء النساء الأربع يعتبرن من نساء العالمين، ما هناك أحد استحق السيادة في النساء إلا هؤلاء الأربع: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون. وليس السيادة في الدنيا بل كذلك السيادة في الآخرة، السيادة في الآخرة، فهن نساء أهل الجنة، أي سيدات نساء أهل الجنة. ومما يدل على فضيلة خديجة رضي الله تعالى عنها ما كان من محبته صلى الله عليه وسلم لها بمحبة خاصة لم تنلها أحد من نسائه، وذلك إن دل دل على عظيم قدرها وجلالة شأنها في قلب نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد أشرنا إلى هذه المسألة من خلال أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوج عليها قط، مع أن الحياة الزوجية استمرت بينهما خمسة وعشرين عامًا، ما شاركها أحد من الضرات، ليس فقط في باب الزواج بل حتى التسري، ما تسر عليها أحد، ما اتخذ أمة بجانب خديجة، لا أمة ولا زوجة. قال العلماء: إنما فعل ذلك نبينا حتى لا ينكدها بغيرها، حفاظًا على سلامة قلبها. ولهذا قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: وكونه لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت يدل على عظيم قدرها عنده ومحبته لها. وعلى فضل خديجة أيضًا لأنها اختصت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشاركها فيه أحد، صيانةً لقلبها من التغير والغيرة. أي: كل هذه الأفعال فعلها نبينا أن ما شارك أحد في حياتها في عصمته إنما حفاظًا وصيانةً لقلبها، دلالة على ما كان من حبه لها عليه الصلاة والسلام. بل بلغ من حبه لها أن صرح بهذا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم أن قال: «إني قد رزقت حبها». هذا فضل خصيصة قد جعلها الله في قلبه، أن الله سبحانه وتعالى جعل يحبها حبًا جمع. قال العلماء: إنما كان ذلك لما رأى منها نبينا عليه الصلاة والسلام من بذلها لنفسها ومالها وحياتها في سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية بعثته. وزد على ذلك ما كانت من ذريتها التي أوجدتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومما يدل أيضًا على تعظيمه عليه الصلاة والسلام أنها كان يكثر من ذكرها، وهذا بعد موتها، ما نسيها، وإنما كان أيضًا يكثر من ذكرها، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها -يعني أنظر الغيرة عند عائشة على خديجة معناه ما عاصرتها ورأتها- قال: «وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها». رواه البخاري في صحيحه. ومما يدل أيضًا على تعظيمه عليه الصلاة والسلام أن كل من كان يمت بخديجة بصلة كان عليه الصلاة والسلام يعظمه، كل من يمت بخديجة بصلة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدره ويبجله، ليس لأجله ولكن لما كان من قرب هذا الشخص بخديجة رضي الله تعالى عنها. ومن ذلك ما قاله أنس رضي الله تعالى عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى لهم بالشيء يقولوا: «اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة، واذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت تحب خديجة». انظر لهذا المقدار والإعظام لأولئك النفر، لا لشيء فقط لعلاقتهم بأم المؤمنين بزوجته رضي الله تعالى عنها. فكان يقول: «اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة، واذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت تحب خديجة». هذا الغوث رواه البخاري في الأدب المفرد. ومثله كان إذا ذبح ذبيحة وقطع أوصال اللحم كان يذهب به إلى صديقات خديجة وإلى صويحبات خديجة رضي الله تعالى عنها. وهكذا مثله ما رواه الحاكم في مستدركه أن امرأة عجوز دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما جلس نبينا عندها إذ به أخذ معها بأطراف الحديث، فقال: «كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» فكانت المرأة تقول: «بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله». فلما خرجت المرأة العجوز، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، هذه حفاوة وإكرام لا داعية له». فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها كانت تأتينا في زمن خديجة، إنها كانت تأتينا في زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان». والأمثلة كثيرة جدًا في هذا الباب ما كان من تعظيم نبينا عليه الصلاة والسلام وحفاوته بأناس لا لشيء وإنما لما كان من صلتهم بخديجة رضي الله تعالى عنها. وهذه الفضائل إخواني في الله لا يسع المقام لذكرها وسردها، وقد أطنب العلماء في ذكرها في المطولات كلها إشارة ودلالة إلى ما تمتعت به خديجة رضي الله تعالى عنها من المنزلة العلية، سواء كان في الدار الآخرة أو في الدنيا، أو ما كان من منزلتها في قلب نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا الذي يذكر في هذا المقام حول ما يتعلق بأمر خديجة وما كان من فضائلها. أسأل المولى جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.