الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
رحل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام في سن الخامسة والعشرين بتجارة لخديجة، وعاد بربح وفير بفضل أمانته وبركته. صاحب الرحلة غلام لخديجة يدعى ميسرة ولقاءه براهب يدعى نسطور كان لهما دور في الأحداث.
عرضت خديجة الزواج على النبي بعد أن رأت أمانته وبركته في تجارتها، فوافق النبي وأتم الزواج بموافقة أعمامه لما كانت تتمتع به خديجة من نسب ومال وفضل. تم الزواج بفضل سمعة النبي الطيبة.
تمت خطبة النبي من خديجة بفضل سمعته الطيبة، وتولى أبوها خويلد تزويجها له بعد إقناعها له. لعبت خديجة دوراً في إتمام الزواج بإرسالها المال للنبي ليشتري هدية لها.
تضمن الختام الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم. أظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وسار نحو الشام أشرف الورى في عام خمسة وعشرين ذكورا لأمنا خديجة متجرى وعاد فيه رابحًا مستبشرًا. في هذين البيتين، إخواني في الله، يشير الناظم رحمه الله تعالى في هذه المنظومة المبينة والموضحة لشيء من سيرته عليه الصلاة والسلام، مرحلة من مراحل حياته صلوات ربي وسلامه عليه، وهو ما كان من ذهابه للشام. قال: وسار نحو الشام أشرف الورى، بمعنى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، فهو أفضلهم وهو خيرهم. وهذه الرحلة، اعتباره الرحلة الثانية إلى الشام، إلا أنه هذه المرة قد شبَّ وقد كبر. فها هو المؤلف رحمه الله تعالى يقول: في عام خمسة وعشرين ذكورا، أي في هذا السن في شبابه وشبابه ذهب إلى الشام وذهب هذه المرة متاجرة بالمال، لكن ليس بماله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ذا مال، وإنما ذهب بمال غيره، بمال خديجة بنت خويلد. وقال: لأمنا خديجة متجراء، وقول الناظم لأمنا خديجة باعتبار الصيرورة، إذ أن خديجة أصبحت بعد ذلك زوجة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وزوجات الرسول هن أمهات المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. وقوله رحمه الله تعالى: لأمنا خديجة متجراء، أي ذهب تجارة. وخلاصة هذا المبحث، إخواني في الله، وما يتعلق بهذه الرحلة، كما ذكر ذلك المؤرخون: أن خديجة رضي الله تعالى عنها كانت ذا شرف ومال، وكانت من أشراف قريش لعظيم نسبها. وكانت تستأجر الرجال في مالها، فمنها المال ومن الرجال الجهد والأعمال. وهذا الذي يسمى في مثل هذه الأزمان بالمضاربة. لما سمعت خديجة رضي الله تعالى عنها بخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما يذكر من صدقه وأمانته، أحبت أن تستأجره في مالها فيذهب تجارة إلى الشام، على أن تعطيه عطاء. وقيل: العكس، قيل أن الطلب كان من جهة رسول الله، إذ أن عمه أبا طالب لما سمع أن خديجة قد أعدت تجارة وتريد أن ترسلها إلى الشام، فأحب أبا طالب أن تكون هذه التجارة يذهب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطالب منه أن يذهب بها بعدما وضع الأمر على خديجة بأن تعطي هذه التجارة لمحمد بن عبد الله يذهب بها، فوافقت لما كانت تسمع من خبره وأمره عليه الصلاة والسلام. فلما ذهب نبينا إلى الشام تجارة بمال خديجة، رجع من هناك بمال كثير ورزق وفير. وهذا الذي أشار إليه الناظم بقوله: لأمنا خديجة متجرة وعاد فيه رابحا مستبشرا. فرح عليه الصلاة والسلام بما كان من مهارته في البيع والشراء أن اكتسب هذا المال الكثير. وهذه مسألة، إخواني في الله، طبعًا دفع نبي المال لخديجة جاء في روايات السير على أن خديجة لم تعطِ نبينا المال المتفق عليه، بل ضاعفت له الأجر، ضاعفت له ماذا؟ مبلغ الإجارة، وذاك لما رأت من كثرة المال ونمائه. وهنا مسألة، إخواني في الله، هذه خلاصة التجارة. طبعًا الكثير من المؤرخين في هذه الرحلة الثانية يتطرقون إلى بعض التفاصيل، فيذكرونها في بطون كتب السيرة والمغازي. منها على سبيل المثال، يذكرون ما كان من أمر ميسرة وهو غلام لخديجة، وأنه صاحب رسول الله في هذه الرحلة، وكيف أن ميسرة رأى من رسول الله ما يدل على رجاحة عقله وكريم فضله وحسن أخلاقه. وأدى به عليه الصلاة والسلام كذلك مما يذكر من تفاصيل هذه الرحلة ما كان من أمر الراهب نسطور، من أمر الراهب نسطور وهو راهب عابد متعبد من أهل الكتاب لقي نبينا عليه الصلاة والسلام في طريق الرحلة، وهذا الراهب بدوره بين وأشار إلى نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا مما يذكر في هذه الرحلة. إلا أننا لن نعرج على هذه المسائل وعلى هذه الوقائع لأمرين اثنين، أولاها أن المؤلف رحمه الله تعالى لم يشر إليها، بخلاف الرحلة الأولى إلى الشام أشار إلى قضية بحيرة وما كان وما لاقاه. أما هنا ما أشار إلى هذه الحقائق، فنسكت عما سكت عنه المؤلف والناظم رحمه الله. وزد على ذلك أن من تتبع هذه الوقائع والتي سمعتم بعضها، من نظر إلى أسانيدها وإلى رواياتها يجد أنها قد أعلت، أعلت بعيل القادحة. فمنها ما أعل بالإعضال، ومنها ما أعل من جهة الرواة أن فيها من هو متهم. ولهذا نغض الطرف عن هذه، وإلا أكثر العلماء على التصحيح، على تصحيح هذه الوقائع وعلى هذه الأحداث والحوادث وأنها من المسلمات. لكنه ليس من المسلمات، ولهذا بعضهم ما يذكر هذه. وها هو الناظم في هذه الأبيات لم يشر إلى هذه الأحداث التي سمعتموها، ولهذا نعرج عنها ولا نذكرها. مع أن قضية الراهب نسطور من أهل العلم من يرى أن نسطور هو هو بحيرة، هو هو ما عندي راهب ثاني، بل نسطور بحيرة هو لقب. وأن اسمه نسطور هو نفسه هو نفسه هي رحلة واحدة لقيه نبينا في طريقه. وقال: علمتم ما دار وما جرى في لقيا النبي مع بحيرة، وتلك الأحاديث صحيحة. صح جماع من العلماء كما قد مر معنا. إذن هذه خلاصة هذه الأبيات في قول المؤلف رحمه الله: وسار نحو الشام أشرف الوراء في عام خمسة وعشرين ذكرا لأمنا خديجة متجرا وعاد فيه رابحا مستبشرا. ثم قال رحمه الله: فكان فيه عقده عليها وبعده إفضاؤه إليها. هذا البيت تتمة للأبيات السابقة، وهي في بيان نهاية العلاقة التي انتهت برسول الله عليه الصلاة والسلام مع خديجة. فهذا البيت يشير إلى مرحلة من أهم مراحل حياته عليه الصلاة والسلام، وما كان من زواجه بخديجة. فقال المؤلف: فكان فيه عقده عليها، عقده أي عقد النكاح، عقد الزواج عليها أي على أمنا خديجة. فكان فيه عقده عليها وبعده إفضاؤه إليها، أي الدخول عليها. وأصل القصة، إخواني في الله، ما كان من زواج رسول الله عليه الصلاة والسلام بخديجة: أن خديجة لما رأت من الخير والبركة من تجارة رسول الله عليه الصلاة والسلام بمالها، زيادة على ذلك ما كانت تسمعه من مآثره من فضائله من مكارمه وأخلاقه، وقع في نفسها أن هذا الرجل هو محمد بن عبد الله هو الذي يستحقها بأن يكون زوجًا لها. وإلا قد تنافس عليها الرجال، وإلا قد تنافس عليها الرجال لخطبتها وللزواج منها والاقتران بها. لكن رأت في رسول الله ما لم تره في رجل غيره من أمانته وبركته وعفته وأخلاقه وكريم فعاله وخصاله عليه الصلاة والسلام. فهذا الذي وقع في نفسها قامت بالمصارحة به، صارحت بما في نفسها وأنها ترضى بمحمد بن عبد الله إن تقدم زوجًا لها، فهي ستقبله زوجًا. وجاءت روايات بأنها قد أرسلت أحد صديقاتها، وقيل أنها أرسلت بأحد قريباتها، وقيل أنها بنفسها هي التي عرضت نفسها على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان من أمره أن أرجع الأمر إلى أعمامه، فوافقوا على ذلك. وكيف لا يوافقون على خديجة وهي منهي رضي الله تعالى عنها في أصلها ونسبها ومالها وفضلها؟ فدخل الأعمام على ولي أمرها، فكانت الخطبة والزواج بخديجة رضي الله تعالى عنها. وإن مما يذكر من المرويات في هذا الباب الذي يوضح مسألة الزواج، زواج رسول الله عليه الصلاة والسلام بخديجة، ما رواه الطبراني رحمه الله تعالى في معجمه من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنمًا، فاستعل الغنم فكان في الإبل، أي ترك الغنم وارتقى إلى رعي الإبل، قال: قال جابر: فاستعل الغنم فكان في الإبل هو وشريك له، هو وشريك له فأكريا أخت خديجة، فأكريا أخت خديجة». أكريا بمعنى مأخوذة من الكراء، والكراء بمعنى الاستئجار. ومعنى هذه العبارة أي أن رسول الله مع شريكه في قضية رعي الإبل أخذ هذه التجارة من أخت خديجة، أي أن أخت خديجة هي التي استأجرتهم في هذه الصفقة بأخذ الإبل والمتاجرة فيها. فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء، لا زال يطالبون هذه المرأة بمال. قال: فجعل شريكه يأتيهم ويتقاضاهم، يأخذ المال الذي له لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: «انطلق أذهب، أنا وإياك أتي بأموالنا». فيقول عليه الصلاة والسلام: «اذهب أنت، فإني أستحيي». أستحيي أن أذهب أنت وكفني هذا المال. قالت هذه المرأة: «ما رأيت رجلا أشد حياء ولا أعف». فوقع في نفس أختها خديجة. فخديجة رضي الله تعالى عنها قد علمت بمآثره وعلمت بتجارته، وهذا الموقف كذلك مما يؤيد ما في نفسها من أن الرجل ليس فقط حتى أمين في الأموال، بل حتى في الأخلاق. فبعثت إليه، فقالت: «ائتي أبي فاخطبني إليه». فقال عليه الصلاة والسلام: «أبوكي رجل كثير المال وهو لا يفعل». قالت: «انطلق فلقاه وكلمه، ثم أنا أكفيك». اذهب والقاه وكلم بهذا الموضوع. ففعل، فأتاه فزوجه. فلما أصبح، أي أبو خديجة، فلما أصبح في المجلس، قيل له: «قد أحسنت زوجت محمدًا». أي الناس يباركونه، قد انتشر الخبر بأن خويلد ووالد خديجة وافق على خطبة محمد من خديجة. فقال: «أَوَا قَدْ فَعَلْتُ؟» قالوا: «نعم». قال: «فدخل عليها، دخل على خديجة؛ لأن هذا الأمر قد تم منها رضي الله تعالى عنها الذي هيئت هذا الأمر». فدخل عليها، فقال: «إن الناس يقولون إني قد زوجت محمدًا وما فعلت». فقالت: «فلا تسفهن رأيك، انتبه يا والد، لا تتراجع». الخبر قد تم وانتشر، وما عذرك عند الناس بأنك كنت على الحال غير مرضية. فقالت: «فلا تسفهن رأيك، فإن محمدًا كذا وكذا من أخلاقه ومن أفعاله». فلم تزل به حتى رضي. وإلا في بعض الرواة أنه ما كان يرضى برسول الله لماذا؟ لأنه فقير ولأنه يتيم. قال: «أو أزوجه على يتيم؟ هذا ما يستحقك». كان هذا رأيه. لكن خديجة لكمال عقلها ورجحان فطنتها استطاعت أن تقنع تقنع أباها بماذا؟ بالزواج من هذا من محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. قالت: «فلم تزل به حتى رضي». ثم بعثت إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوقتين من فضة أو ذهب، ومع ذلك أرسلت له مال بوقتين من فضة أو ذهب، وقالت: «اشتري حلة فاهدها لي، وكبش وكذا وكذا». لعلمها أن النبي ما يملك شيء، فدفعت مال وقالت: «اشتري حلة وكأنها منك لي». ولماذا كل ذلك؟ حتى ماذا؟ أن الأب يرضى بهذا الزواج ولا يتبرم من ضيق حالة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فأرسلت بوقتين من فضة أو ذهب، وقالت: اشتري حلة فاهدها لي، وكبش وكذا وكذا». ففعل عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث، إخواني في الله، رواه الطبراني في معجمه، وهكذا البزار في مسنده. وقد ذهب جماع من العلماء إلى تصحيحه. ومن هؤلاء الإمام الهيثمي رحمه الله تعالى، قال في مجمع الزوائد: «وهذا رجاله رجال الصحيح». وهكذا على إثره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يرى صحة هذه القصة، وقال بأن إسناده صحيح وأن رواتهم ثقات. وهكذا جماعة من الباحثين المعاصرين أشاد بهذه القصة، وأن أقل أحوالها الحسن. فهذا على صحة هذا الحديث، وهذا الإسناد فيه الإشارة إلى شيء من خطبة رسول الله وزواجه من خديجة رضي الله تعالى عنها. وبهذا نعلم أن الذي تولى خطبة خديجة لرسول الله وتزويجها لنبينا هو من هو؟ أبوها، وهو خويلد. وهذا الذي جزم به الإمام الزهري وابن إسحاق وابن هشام، وهذا الذي اختاره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى لدلالة هذه النصوص. هذا ما يذكر في قضية أصل تزويج خديجة لرسول الله عليه الصل الله عليه الصلاة والسلام. وهناك مسألة تتبع في قضية الزواج حول السن والأعمار وما يتعلق بفضائل خديجة، يترك إن شاء الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.