الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 121، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شهدت السنة الثامنة للهجرة عدة أحداث مهمة تتعلق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأسرته، منها عمرة النبي من الجعرانة وتعيين عتاب بن أسيد واليا على مكة ومعاذ بن جبل معلما لها. كما تضمنت وفاة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم ومولد إبراهيم ابن النبي.
اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة في شهر ذي القعدة من السنة الثامنة للهجرة، ثم عين عتاب بن أسيد واليا ومعاذ بن جبل معلما على أهل مكة، مما يدل على أهمية وجود حاكم يحكم البلاد ومعلم يعلم الناس دينهم.
زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكبر بناته وتزوجت من أبو العاص بن الربيع، وتعرضت للإيذاء أثناء رحلتها إلى المدينة بعد أسر زوجها في غزوة بدر، وتوفيت في السنة الثامنة للهجرة نتيجة لمرض أو لسقطة من ناقتها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد في ذي القعدة اعتماره من الجعرانة واستقراره. وبعد أي بعد ما مضى ما ذكره الناظم فيما سبق، وأشرنا إلى أن ما مضى هو الإشارة إلى حوادث السنة الثامنة من الهجرة، وقد كان مما ذكر ما يتعلق بقضية غزوة حنين وحصار الطائف. غزوة حنين وحصار الطائف وقد وقعت ذلك في السنة الثامنة، وأشرنا إلى أهم أحداث هذه الحوادث. قال وبعد في ذي القعدة اعتماره، أي في شهر ذي القعدة من السنة الثامنة اعتماره، أي أدى عمره اعتمر عليه الصلاة والسلام. قال من الجعرانة واستقراره، أي أدى هذه العمرة من منطقة جعرانة، جعرانة منطقة تقع بين مكة والطائف، واسمها ليس بغريب قد مر ومضى معنا عندما تحدثنا عن غزوة حنين. وأشرنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حاز على الغنائم الكثيرة، الآلاف المؤلفة من الإبل والغنم، ومن أواقي الفضة، ومن السبي، جعل ذلكم أين؟ في الجعرانة، جعل ذلكم في الجعرانة، ثم انتقل إلى الطائف وضرب عليهم الحصار الخانق، إلا أن ذلك لم يجدي معهم نفعا لشدة تحصنهم مع كثرة استعدادهم بالمؤنة وبالزاد والطعام، فتركهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى الجعرانة، وهناك بدأ نبينا صلى الله عليه وسلم بتقسيم الغنائم، وجلس هناك عليه الصلاة والسلام بضع عشر ليلة في هذا المكان. ثم بعد ذلك لما انتهى كما قال العلماء، رجع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا من أين أحرم؟ من الجعرانة، ولهذا أهل العلم يعدون أن الجعرانة يعتبر من المواقيت المكانية التي إن لم يصرح عنها بقوله، لكن بفعله عليه الصلاة والسلام، خرج محرما من الجعرانة، وانطلق بها بهذه العمرة إلى أن دخل مكة واعتمر، ثم رجع عليه الصلاة والسلام، فلما انتهى من عمرته رجع إلى المدينة. وهنا مسألة، قبل أن ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تاركا مكة، هنا أمر على أهل مكة الصحابي الجليل وهو عتاب بن أسيد، عتاب بن أسيد وكان هذا الرجل صحابيا، لكنه كان شابا في السن العشرين من عمره، وكله نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون واليا وأميرا على أهل مكة، يقوم بشؤونهم، وأيضا جعل نبينا صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل خلفه عليه الصلاة والسلام على أهل مكة لكي يعلمهم، لكي يعلمهم أمر دينهم. وفي هذه المسألة إخواني في الله تنبيه وتنبيه وفائدة، وهذا مما ينبغي أن نتأمل فيه، نبينا صلى الله عليه وسلم ترك على مكة ترك هذين الشخصين، ترك عتاب واليا وترك معاذ بن جبل معلما، والفائدة من ذلكم إخواني في الله أن إقامة البلاد والحفاظ على الأفراد والمجتمعات إنما يكمن في هذين الجانبين، بإقامة ما يكون فيه حكم البلاد، وما يكون فيه تعليم العباد، الأول يختص بالأمراء والثاني يختص بالعلماء. فعتاب أبقاه نبينا صلى الله عليه وسلم واليا على أهل مكة لأن به تكون سياسة أهل مكة، يقيم فيهم شعائر الدين، وأبقى معاذ بن جبل فيهم يعلمهم القرآن والسنة وإقامة الصلاة وتعليم الحلال والحرام إلى غير ذلك. فلا قوامة للبلاد ولا للأوطان ولا للأفراد والمجتمعات إلا على هذين الركنين، وهم العلماء والأمراء. ولهذا قال أهل التفسير في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم﴾، من هم أولو الأمر؟ قال العلماء هم العلماء والأمراء، هم العلماء والأمراء هم الأساس، فبتخلف أحدهما ضاعت البلاد وضاع العباد. ومن هنا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: من استخف بالأمراء ذهب الدنيا، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، من استخف بالأمراء ذهب الدنيا، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، لأن بالأمراء قوام الدنيا، وبالعلماء هو قوام الدين. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ترك مكة تركها على هذه الحال، هذا إخوانا في الله ما يذكر في قوله وبعد في ذي القعدة اعتماره، أي بعد ما وقع من غزوة حنين والطائف في شهر ذي القعدة من السنة الثامنة، ذهب نبينا صلى الله عليه وسلم معتمرا، وذلك من الجعرانة، وكما قلنا وهي منطقة بين مكة والطائف. ثم قال رحمه الله تعالى: وبنته زينب ماتت ثم مولد إبراهيم فيها حتما. هذا البيت كذلك من الحوادث المتعلقة بالسنة الثامنة، وأشار فيه الناظم رحمه الله تعالى إلى حدثين، حدثين اثنين، أولاهما في قوله وبنته، أي بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وبنته زينب ماتت، ثم هذا الحدث الأول، ثم أي حرف عطف، ثم مولد إبراهيم فيها حتما، موت إبراهيم وهو ابن الرسول عليه الصلاة والسلام، فأشار الناظم رحمه الله تعالى إلى هذين الحدثين من حوادث السنة الثامنة. فقوله رحمه الله تعالى وبنته زينب، زينب بنت محمد بن عبد الله، بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي تعد من أكبر بناته، من أكبر بناته، إذ ولدت قبل البعثة بعشر السنين، إذ ولدت قبل البعثة بعشر السنين، وكانت أول من تزوجت من بناته عليه الصلاة والسلام. فقال وبنته زينب ماتت، ماتت زينب رضي الله تعالى عنها في هذا العام، في السنة الثامنة من الهجرة، وقد جاء في الحديث الشهير الذي جاء في الصحيحين أن الذي قام بغسلها أم عطية، حيث قال لهن النبي صلى الله عليه وسلم أي غسل للقاسلات، قال لما ماتت زينب قال «اغسلنها وطرا ثلاثا أو خمسا واجعلن في آخره كافورا»، هذا قالوا في بنته زينب حين أرادت الغاسلات أن تغسلها، فقال «اغسلنها وطرا ثلاثا أو خمسا واجعلن في آخرهن كافورا». فزينب رضي الله تعالى عنها ماتت، قد يأتي السؤال، وهذا السؤال نعم مطروح، كيف ماتت؟ اختلف العلماء في مسألة موتها، قيل أنها ماتت لمرض ألم بها، ماتت بسبب مرض ألم بها، ومنهم من أشار إلى أنها تأثرت ماتت متأثرة بجراحها لسقطة سقطتها من ناقتها، وهذا الذي يشير إليه الكثير من المؤرخين إذا أرادوا أن يتحدثوا عن موت زينب رضي الله تعالى عنها، أشاروا إلى هذه الحادثة. ما هذه الحادثة؟ هذه الحادثة ترجعنا إلى العهد المكي، زينب رضي الله تعالى عنها تزوجت من ابن خالتها وهو أبو العاص بن الربيع، وكان على كفره وشركه، زينب رضي الله تعالى عنها دخلت الإسلام، إلا أن زوجها أبا أن ينصاع لهذا الدين وبقي على كفره وشركه، فلما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بقت زينب في ظل زوجها أبي العاص في مكة، وامتنع أن يرسل زينب إلى أبيها. وكان يحبها ليس من باب الانتقام، لا كانت بينهم محبة ووفاء، حتى حصلت غزوة بدر، وقع هذا الزوج وهو زوج بنت رسول الله أبو العاص وقع أسيرا في الأسر، فجئ به إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، حينها خيره نبينا إذا أردت الفكاك وإطلاق السراح أرسل بنتي أن أرسل إليها، وهذا هو فكاكك، فوافق على ذلكم، فأرسل إلى أخيه كنانة في أرض مكة أن يأتي بزينب أن يأتي بها من مكة. أهل مكة بعضهم علم بهذا وأن زينب ستذهب وتلتحق بأبيها، بعضهم من باب الإغاضة والانتقام والتشفي، مرتض بهذه الرحلة أن تذهب بسلام، فلما كانت زينب رضي الله تعالى عنها على ناقتها، قام رجل يسمى بهبار بن الأسود من أهل قريش، قيل أتى بسهو وقيل برمي، فرمى به أمام الناقة التي عليها زينب، فإذا بالناقة اضطربت، وكان من أثر الاضطراب أن زينب تسقط رضي الله تعالى عنها من هذا العلو، فتأثرت ونزفت، بل جاء في الروايات أنها كانت حاملا وأسقطت، أسقطت الحمل مع ما كان من نزيفها، فتأثرت جدا. ثم جئ بها إلى المدينة وهي على هذه الحالة من التعب، أذكر العلماء أنها بقيت على هذه الحالة ست سنوات، وهي تعيش في تعب وضعف لأجل هذه السقطة، حتى جاء هذا العام السنة الثامنة من الهجرة، توفاها الله عز وجل. ولهذا أشار الحافظ بن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية أن من أهل العلم من يعد زينب شهيدة، من يعدها من عداد الشهداء، هكذا ذكر رحمه الله تعالى في البداية والنهاية. فقوله رحمه الله تعالى وبنته زينب ماتت، أي في السنة الثامنة، ثم حرف عطف، وأيضا يفيد ماذا؟ الترتيب والمدة اليسيرة، أي وقع حدث بعد هذا الحدث، وما هو؟ مولد إبراهيم فيها حتما، قبض الله عز وجل زينب بنت الرسول، ورزقه الله جل وعلا إبراهيم بعد أشهر، ما كان بين وفاة زينب وبين مولد إبراهيم سوى عدة أشهر، ولهذا عبر الناظم رحمه الله تعالى بقوله ثم مولد إبراهيم فيها حتما. قال حافظ بن حجر رحمه الله تعالى: ورد في ذي الحجة سنة ثمان، قال وقد فرح به النبي صلى الله عليه وسلم فرحا شديدا، فرح نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا، ولشدة فرحه سماه على اسم ماذا؟ على اسم إبراهيم، على اسم جده إبراهيم عليه السلام، ولهذا قال نبينا كما جاء في الصحيحين من حديث أنس «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم أبيه»، أي الأسبق الجد وهو إبراهيم عليه السلام، لأنه من سلالته، فسمى ابنه إبراهيم فيمنا بهذا الاسم الكريم. فقوله رحمه الله تعالى حتما، أي يقينا، أي أن هذا أمر يقين لا خلاف فيه بين العلماء أن ذلك في السنة الثامنة الهجرة، وعلماء الفلك يقدرون بالعام الميلادي أن هذا وافق في السنة الستمائة والثلاثين، في العام الستمائة والثلاثين، وهو يوافق الثامن من الهجرة، ولد إبراهيم عليه السلام. وسيأتي معنى ما يتعلق بوفاته إبراهيم عليه السلام، لأنه ما دام ولم يطل به العمر، بل قبضه الله عز وجل سريعا، سيأتي معنى في بيت مستقل يتعلق بهذا الحدث الآخر. فالمؤلف رحمه الله أشار إلى هذا البيت الذي اجتمع على حدثين، على وفاة زينب بنت الرسول، وعلى مولد إبراهيم ابن الرسول، وكل ذلك وقع في السنة الثامنة من الهجرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.