الدرس في شرح كتاب التوحيد 69، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النذر هو إلزام العبد نفسه بقربة غير لازمة في أصل الشرع، وهو عبادة لا تجوز إلا لله تعالى. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر لأنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل.
النذر نوعان: مطلق ومقيد. النذر المطلق عبادة محمودة، بينما النذر المقيد مكروه لأنه يُظهر البخل مع الله. الوفاء بالنذر المقيد يمدح رغم كراهة إبرامه.
النذر يذم إذا كان مقابل شيء من الله، ويكره إبرامه، لكن الوفاء به يمدح. العلماء يذهبون إلى أن النذر يقوم على إبرام النذر والوفاء به.
المقطع ينتهي بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بابٌ من الشرك النذر لغير الله. بواب المؤلف رحمه الله تعالى، هذا الباب من أبواب كتاب التوحيد في الإشارة إلى حكم هذه المسألة، وهي من المسائل التي تمسُّ بعقيدة كل مسلمٍ ومسلمة، ما يكون من توجُهه بالنذر لغير الله. المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا صدَّر المسألة بالحكم، فقال: بابٌ من الشرك، ومن هنا تبعيضية، أي أنه من صور الشرك هذه المسألة. قال: النذر لغير الله. وهنا مسألة لا بد أننا نمهِّد لها حتى نفهم هذا الباب على حقيقته. فقوله رحمه الله تعالى: بابٌ من الشرك النذر لغير الله، ما هو النذر؟ النذر إخواني في اللغة بمعنى الإلزام. ولهذا شرعًا فسر الفقهاء النذر بأنه إلزام العبد نفسه بقربةٍ غير لازمةٍ في أصل الشرع، بلفظٍ يشعر بذلك. هذا معنى النذر عند الفقهاء، هو إلزام العبد نفسه. فالنذر هي عملية إلزام أن الإنسان يلزم نفسه بنفسه. ولهذا إخواني في الله، كما سيأتي معنا، الإنسان في عافية، الإنسان في عافية، يكفيك ما قد قضاه الله جل وعليك من الفرائض والواجبات، هذا الذي ينبغي أن تلتزمها. فكونك تلزم نفسك بأمر ما ألزمك الله به لماذا؟ فذكر العلماء أن الضابط النذر هو إلزام العبد نفسه بقربة أي بعبادة بشعيرة، بلفظٍ غير لازمةٍ في أصل الشرع. وهذه القربة التي أنت تلتزمها لا تكون هي أصلاً مفروضة عليه. فلا يصح مثلاً أن يقول أحد من الناس: لله عليه أني أصل للفجر، لأن صلاة الفجر هي مفروضة، مفروضة لذرت أو لم تنذر. إنما النذر يكون في العبادات التي ليست مفروضة عليك، تأتي إليها وتلتزمها من المندوبات، من شعائر الإسلام العامة، من القربات، من عامة النوافل مما لم يفرض عليك، تأتي إليه ثم أنت تلتزمه، هذا يسمى نذر. أما فريضة هي مفروضة أصلاً لا يدخل هذا في حد النذر. بلفظٍ يشعر بذلك، فدل على أن النذر يفتقر إلى اللفظ. فمن نذر مثلاً في قلبه أو نوى في صدره أن يلتزم عبادة وما نطق بها، هذا لا يعد نذرًا. كما يسأل بعض الناس يقول: يا فلان أنا والله قد نويت وهممت أني كذا وكذا، هل عليه شيء؟ يقول: ما عليك لم تنطق، فما عليك شيء. فإذا تلفظت، كنت تقول: لله علي كذا وكذا، نذرت لله كذا وكذا، إذن هذا نذر. فالنذر يفتقر إلى اللفظ، ويفتقر كذلك إلى القصد أنك تقصد عبادة غير لازمة فتلتزمها، إذن هذا هو النذر، وهو عبادة من العبادات كما سيأتي من ذكر المؤلف رحمه الله تعالى للأدلة الدالة على أنها عبادة وطاعة، فصرفها لغير الله شرك. والقاعدة العامة في هذا الباب أن الطاعات والعبادات إنما هي مستحقة لله جل في علاه، لا ينازعه أحد. لكن أقف هنا في مسألة ننشير إليها وننبه عليها، وهذه مسألة إخوانا في خلاصتها: إذا كان النذر عبادة وطاعة، فلماذا نسمع عن بعض الأحاديث التي تمنع من النذر؟ كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل. فهذا الحديث صحيح لا إشكال فيه، والعبارة واضحة المعالم في أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر. هنا إشكال، كيف نحن نقرر بما جاء على ضوء الكتاب والسنة من أن النذر عبادة، وما من عبادة إلا وهي محبوبة محمودة مطالب بها، بينما عندي من السنة ما يدلل به على أن النذر منهي عنه؟ كهذا كحف، كما جاء من حديث ابن عمر: نهى رسول الله عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل. رفع الإشكال إخواني في الله، رده العلماء بأحد أمرين، بأحد أمرين. الأمر الأول قال العلماء: أن النذر ينقسم إلى قسمين، إلى نذر مطلق وإلى نذر مقابلة أو مقيد. النذر المطلق وهو النذر الذي ليس يقابله شيء، ما يقابله شيء. وهو أن يأتي أحد الناس فيقول: لله علي كذا، لله علي أن أصوم الاثنين والخميس، لله علي أن أتصدق بكذا من المال، لله علي أن أحج هذا العام. لله علي... طبعًا ليست حجة الإسلام، لأن لابد أن تكون العبادة ليست واجبة حتى يصح النذر. هذا النذر لو قيل لفلان لماذا نذرت؟ هل هذا بقيد؟ يقول: لا والله ليس بقيد، لكن أحببت أحببت أني أتقرب إلى الله بعبادة النذر، وأني أشجع نفسي الكسولة على القيام بشيء من الطاعات والعبادات. هذا يسميه العلماء بالنذر المطلق. وهناك نذر مقيد، النذر المقيد من خلال اسمه ستعرف أنه نذر يقابله شيء، كأن يقول إنسان: اللهم إن شفيت مريضي فلأصومن الاثنين والخميس، يا رب يدعو الله يلوح على الله في رد غائبه الذي له سنوات ما جاء، اللهم إن ردت غائبي لأتصدقا. نذر هذه الأنواء، هذه النذور وما شاكلها. لو قيل لفولان لما فعلت هذا؟ مقابل ماذا؟ مقابل شيء أنا نذرت مقابل شيء، إن حصل سيحصل مني، إن حصل من الله أن الله شفى مريضي، إن حصل من الله أن رد غائبي، إن حصل من الله عز وجل أمن علي بالزواج من آل فولان إلى غير ذلك، فأنا علي بالقيام بالنذر. قال العلماء: هذا النذر الثاني هذا الذي يكره، لا تفعل. لماذا يكره؟ لماذا يكره؟ لأن هذا الإنسان لو تنظر كما قال عليه الصلاة والسلام: إنما يستخرج به من البخيل. هذا بخيل مع الله، كيف بخيل؟ البخيل إخواني في الله، تعافي البخالة من عاشر البخالة يعلم من هو البخيل. البخيل ما يعطيك مال إلا بمصلحة، ما يعطيك مال تطوع تبرع هبا، ما يعطيك البخيل، لا يعطيك مال بإزاء شيء، أدي لي معروف أعطيك الجزاء، أما صدق هكذا لله لا، ما يعطيك البخيل. فهذا رجل بخيل مع الله في تعبده، ما يصوم الاثنين والخميس مثلاً، ما يتصدق. لكن ماذا يقول؟ يا رب صدقه، لكن مقابل إيش؟ في مريضي إن شفيت مريضي لأتصدقا هكذا هكذا، فعلك مع الله عز وجل يقول هكذا، أنا ما أصوم الاثنين نذرا إلا بأن تحقق الله لي يا رب ما أريده. هذا بخيل أم ليس ببخيل؟ هذا بخيل. لأن الإنسان المسلم الكريم هو الذي يقبل على الله بأي شيء، حتى في مرضه، حتى في فقره، وهو يقبل على الله جل وعلا، إن أعطاه الله أعطاه، إن لم يعطي فهو عد لله، يعطي الله عز وجل ما يستطيع من العبادات والطاعة. لكن البخلاء لا، ما يتقدم إلى الله إلا بمقابل. أصوم بشرط يا رب، هذا الذي حمل العلماء أحاديثًا نهي عن النذر بهذا القيد: إن شفيتني يا الله لأصوما، هذا مكروه، هذا الذي نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، لأن صاحبه بخيل، بخيل مع الله عز وجل. واضح إخوانا في الله. ينبغي إذا فهمت هذه المسألة ستفهم كيف الجمع من أن النذر عبادة، وأن النذر مكروه. فالنذر الذي هو عبادة هو النذر المطلق الذي ليس بمقابل شيء، لله عليك ذا، لله عليك ذا، فيكون هذا نذرك من باب الحف على الرغبة في الخير، لأنك لا تنتظر شيء من الله، وإنما من نفسك تحب أنك تلزم نفسك حتى تنهض بالعبادة، هذا يمدح. وأما إذا كان نذرك بقيد ومقابل، هذا الذي يذم ويكره، لأنك حقيقة بخيل مع الله عز وجل، وإن الأمر يعظم كما قال العلماء يعظم، يعظم إذا كان عن عقيدة، وأنك تعتقد بأن الله ما يحقق شيء إلا بمقابل، هذا سوء ظن بالله. كما تجد أن إنسانًا يدعو الله ما أعطاه الله الذرية، ما أعطاه الولد، يقول: يا أخي، يقول لك يا أخي أنا دعوت الله وذهبت يمنا ويسرا وتعالجت، يا أخي ما في علاج، يقول: معروف الأمر، يقول: إيش المعروف؟ ما الذي مطالب مني يا أخي؟ نذر، ما سيقع لك الطلب من الله إلا بنذر، قرب لربك، الله يعطيك، يعني الله ينتظر منك شيء حتى تعطيه. إذا كان الأمر وصل بالعبد في باب النذر إلى أنه يعتقد أن الله ما يعطي العبد شيء إلا بمقابل، هذا سوء ظن بالله، والأمر يعظم بهذه العقيدة، وهذا الظن السيء بربك بأن الله ما يعطي العبد إلا بمقابل. فالشاهد إخواني في الله في هذا الباب، في هذا المحمل الأول من أوجه معرفة أن النذر يذم، يذم هذا النوع خاصة، وهو أن الإنسان ينذر بشيء مقابل شيء من ربه سبحانه وتعالى. وأما النذر الصورة الثانية، الصورة الثانية من جمع العلماء في كيفية أن النذر عبادة وأنه يكره. ذهب طائف من العلماء إلى القول بأن النذر يقوم على أمرين اثنين، يقوم على أمرين اثنين. الأمر الأول إبرام النذر، إبرام النذر، والأمر الثاني الوفاء بالنذر. النذر يقوم على أمرين اثنين ولابد، الأمر الأول إبرام النذر، لله عليه كذا، هذا يسمى إبرام للنذر. ويقوم النذر على الركن الثاني وهو الوفاء به، لله عليه كذا، فإذا حقق تقوم لله عليه، فعندي في النذر الإبرام وعندي الوفاء. قال العلماء: إبرام النذر بداية يكره، إبرام النذر بداية يكره، وأما أداؤه فهو يحمد. ومن تأمل في نصوص الشرع يجد أن الله عز وجل في باب النذر إنما يمتدح ماذا؟ الوفاء، الله عز وجل في باب النذر إنما يمتدح الأمر الثاني وهو الوفاء، كما قال سبحانه: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾، هذا الذي يمتدح به العمل أنه يوفي بنذره. وأما بدء النذر ها، قال العلماء: هذا الذي يكره، بل إن من أهل العلم من كبار العلماء من ذهب إلى أن فتح باب النذر محرم، لا يجوز، لحديث: نهى النبي عن النذر، قالوا: فإن نذرت إذن وجب عليك أن توفي. فهناك تمدح. ولهذا تجد من عبارات بعض الفقهاء أن يقول: أن النذر من غرائب الفقه، أن النذر من غرائب الفقه. وجه الغرابة فيه أنك عند الدخول تمنع، تمنع، وإذا دخلت تلزم به. هنا الغرابة، لو أن أحدًا قال لك: يا أخي أنا والله فكرت بالنذر، قال: لا انتبه، لا تنذر، لا تنذر يا عبد الله، ابتعد عن النذر، نحذره، اترك النذر، ما ينبغي. أحيانًا يكون فيه أضرار سيئة، وهذا ما يقدم ولا يؤخر، كما قال نبي لا يأتي بخير، إنما الخير بما قدره الله عليه، أنت نذرت أو لم تنذر، ما قدره الله سيكتبه الله عليه، لا تنذر، أنت تبعدها عن النذر، لكنه نذر، فإذا نذر قل له: أوفي بنذرك، الله الله بالوفاء بالنذر. يقول: ما لك فلان بالأمس تحذرني من النذر، وأن تشجعني؟ قل: نعم، النذر الإقدام عليه يمنع، لكن إن فتحت هذا الباب، فإن أردت أن تمدح أوفي، أوفي بنذرك. كما مر في حجة الثابت من الضحاك قال: أوفي بنذرك. وقال سبحانه: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما﴾. ومن تأمل في نصوص الكتاب يرى هذا. إذن قال العلماء: أحاديث النهي عن النذر بداءة، والنذر يمدح عليه مآلا، أي في تحديثه وتطبيقه والوفاء به. هذا هو المحمل الثاني. فعلى كل الإخوان في الله، فباب النذر هو من العبادات، لكن الإنسان يحرص على أنه يقلل منه. وكم سمعنا وكم رأينا وكم عايش الناس هذا الأمر أنهم لربما في ساعة السعة ينذر نذرًا، فما تمر سنة أو بالكثير تمر سنتان إلا وأصبح صاحبه يتملل ويبحث عن محرج ليش أفعل؟ أنا نذرت أني كذا كذا، أتصدق في كل شهر، أني أصوم في الشهر ثالث أيام، وأني... وأني... ويدخل في العمر، وهذا النذر في عنقه، ثم أصبح يريد أن يتفلت. وما الذي أوقعك؟ وما الذي أدخلك؟ فلهذا يا عبد الله يا من لم تنذر، اعلم أنك في عافية، في عافية. ولهذا إخواني في الله، فالسلام بترك النذر لأنه إلزام، إلزام. فالشهد إخواني في الله إذا إذن علمنا أن النذر في النهي في النهي عنه إنما يكون على أحد صورتين. إما النهي والكراهة في النذر إذا كان بمقيد بمقابل بتقييد، هذا يكره. وإن كان نذر مطلق فهذا لا بأس به، عبادة على قول العلماء. والصورة الثانية أن النذر إنما الكراهة تكمن في الدخول فيه، ومن دخل فيه ينبغي ويجب عليه أن يوفي، فحينها يمدح، المدح للوفاء لا المدح يكون في الإبرام. هذا إخواني في الله مساء التمهيدية مهمة في مسألة النذر. وسأتي معنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى ما يدلل به على مسألة الباب: باب من الشرك النذر لغير الله. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.