الدرس في كتاب الوصية 4، باب الوقف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث عمر بن الخطاب حول الوقف وأحكامه وعلاقته بالوصية، حيث يجوز أن يكون الوقف جزءًا من الوصية ويخضع لأحكامها. يُوضح أن الوقف كالوصية له شروط وأحكام خاصة.
يُشدد على أهمية سؤال أهل العلم عند إخراج الصدقات والوقف لضمان وضعها في الأماكن الصحيحة. يُستدل بسؤال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويُنبه إلى خطورة وضع الصدقات في غير موضعها.
يشرح معاني الوقف والصدقة المستمرة ويبين أهمية الاستمرار في الصدقة وإن قلت. يستدل بفتوى النبي وتطبيق عمر لتحبيس الأصل والتصدق بمنفعته، مشيرًا إلى أن الشرع يحبذ الاستمرار في الصدقة.
يتناول شرحًا لأحكام الوقف والنظارة عليه، مبينًا جواز أخذ الناظر على الوقف ما يحتاجه بالمعروف وإطعامه غيره من غير المستحقين. يُفصّل في معاني الحديث النبوي المتعلق بالوقف وأحكام الناظر عليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الوقف. قال: حديث بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القرباء وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. قال الراوي: فحدثت به بن سيرين، فقال: غير متأثل مالًا. أخرج البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف، هذا الحديث. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث والباب في سياق ذكره لأحكام الوصية، فهذا الباب ضمن كتاب الوصية، فهو لم يرد عموم أحكام الوقف، ولكن كأنه يقول: ومن أحكام الوصية أن بعض أحكام الوقف يدخل فيها. قال: باب الوقف، أي هذا مدخل في معرفة الوقف. وأصل الوقف مأخوذ معناه من الحبس، وهو في الشرع وفي اصطلاح أهل العلم حبس على وجه مشروع، وهو حبس مال في باب من أبواب الخير والبر على وصف معلوم. هذا الحبس له أحكام كثيرة يذكرها العلماء في مسائل ومباحث الوقف، ولكن المراد ها هنا علاقة الوقف بالوصية. علاقة الوقف بالوصية، أي يجوز أن يخرج بعض وصيته وقفًا، يجوز أن يخرج بعض وصيته وقفًا. وهكذا كذلك أن من معاني الوصية الوقف، وأن الوقف لها كذلك أحكام. فإذا كانت أخرجت، وصفية بشروط الوصية، لا تكون لوارث، ولا تكون كذلك في أكثر من الثلث. وما مر معنا من أحكام الوصية، وإن كانت على غير معنى الوصية، فيجوز أن تكون أكثر من الثلث، لأنها معنى من معاني الصدقة والهبة. ومر معنا قريبًا أنه يجوز أن يتصدق الإنسان حال كونه صحيحًا بكل ماله، فضلًا أن يكون دون ذلك. فقوله رحمه الله: باب الوقف، إشارة إلى مثل هذه المعاني التي سيأتي الإشارة إليها إن شاء الله. وهذا التبويب على ما تقدم، على ما بويب به على صحيح مسلم، على شرطه رحمه الله. ولفظ الحديث، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله، وقد أخرجه في الموضع المشار إليه في كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف. وقد أخرجه رحمه الله من طريق الشيخ قتيبة بن سعيد، قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا بن عون، قال: أنباني نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. وقد أخرجه الإمام البخاري في مواضع أخرى. وفي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل فيه الإشارة إلى التفصيل في أحكام الوقف، فإن الوقف في كونه يتعلق بالوصية تفصيلًا. وهذا هو المقصود من إيراد هذا الحديث في كتاب الوصية أو الوصاية. فإن من الوقف من يدخل في معنى الوصية، فإذا كان كذلك فيجري عليه شروط الوصية. ومن الوقف ما لا يجري في معنى الوصية، ما لا يأتي في معنى الوصية، فلا يجري عليه أحكام الوصية. فإذا كان الأول، وهو ما كان من وقف بوصية تنفذ بعد الموت، أو كذلك بوصية تكون في مرض الموت، وصيغتها صيغة الوقف، فهي تجري مجرى الوصية، وتجري عليها أحكام الوصية، سواء سماها وصية أو سماها وقفًا. حتى لو لم يقل: هي وصية، قال: أوقفت أرضي الفلانية كذا وكذا، تكون بعد وفاتي لكذا وكذا، فهذه وصية، ولو سماها وقفًا، فلا يجوز أن تكون أكثر من الثلث، ولا يجوز أن تكون لوارث، على ما تقدم في مسائل الوصية أنها لا تكون لوارث بشخصه. وأما إن كانت لوارث بوصفه، فيجوز إذا كانت لوارث بوصفه، كونها للفقراء، فصار أحد الورثة فقيرًا، جاز أن يأخذ ويستفيد من هذا الوقف. وهكذا كذلك سائر أحكام الوصية تجري عليها. وأما إن كانت في غير مرض مخوف، ولا مما أمر بها بعد وفاته، فهي ليست بوصية، بل هي وقف، لا يشترط أن تكون في الثلث، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك. وقد تصدق أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله، وعمر رضي الله عنه بشطر ماله. وهذا يكون لمن كان مقتدرًا على حقوقه الأخرى. وأما من كان غير مقتدر على الحقوق الأخرى، فلا يجوز له أن يخرج كل ماله صدقة، ولو كان أراد الصدقة، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول. وفي رواية: من يقوت. والحديث معناه صحيح، بل أصله في الصحيح. وفي الحديث كذلك مسائل أخرى غير هاتين المسألتين. ومن أهم هذه المسائل فيه مشروعية الوقف، فقد دل على مشروعية الوقف أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة، ومنها هذا الحديث. ويذكره العلماء في كتاب الوقف من كتب الفقه. والحديث لتناوله على أحكام كثيرة من أحكام الوقف. ويذكر هذا إن شاء الله في موضعه وفي مكانه الذي يأتي له. وفيه من المسائل كذلك فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن فضائلهم مبادرتهم في أبواب الخيرات، ومسارعتهم في أنواع البر والصدقات. فكان الصحابة رضي الله عنهم سباقين في الخير، مع أنهم كانوا في فقر وفاقة وشدة، إلا أنهم رضي الله عنهم يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، ويطلبون البر بالنفقة بأحب ما يملكون، رضي الله عنهم. أرضاهم عمر الذي خرج يومًا من بيته جائعًا، فوجد قد سبقه في الخروج أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، ما أخرجهم إلا الجوع، ما وجدوا شيئًا يأكلون في بيوتهم. ومع ذلك انظروا: أصاب أرضًا بخيبر، هي من أحب ماله وأطيبه، فتصدق به رضي الله عنه، يبتغي بذلك وجه الله. وفيه من المسائل كذلك فضل التصدق بأحب المال، كما قال الله عز وجل: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. قال عمر رضي الله عنه: إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه. وهذا حال المؤمن، كلما قوي إيمانه، كلما كثر بره وخيره. ومن ذلك أنه يتصدق بأنفس ما يملك. وهكذا كذلك فيه من المسائل سؤال أهل العلم والرجوع إليهم، حتى ولو كان في الخير والبر. فإن العاطفة وحدها لا تكفي في الوصول إلى ما يحبه الله ويرضاه. فإذا كان مثل عمر رضي الله عنه يسأل، فكيف بغيره ممن هو دونه؟ هذا عمر الذي كان أحد خيار الصحابة، وأولهم فضلًا وسبقًا. ما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويذكر معه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فهو شيخ أهل الجنة. فهو أبو بكر رضي الله عنهما، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشر المبشرين، ولا يخفى فضل عمر، ومع ذلك سأل رضي الله عنه، أرضاه. اليوم كم من المسلمين ممن يحب الخير ويريده، يتصدق بصدقات، وما فكر يومًا أن يسأل أهل العلم؟ لو لم يكن أخي المسلم إلا أن تستنير بأهل العلم، أن تضع صدقتك في أفضل الصدقات، أن تضعها في أفضل المواضع التي تنتفع بها وينتفع بها الناس، لكان هذا أحسن، أحسن لك، أفضل. فكيف إذا كان ربما رأيك خاطئ، تضعها في مواضع تعين على الإثم العدوان؟ كم من العام من يريد الخير بجهله، يضع وقفه وصدقته على القباب والقبور التي تعبد من دون الله، أو على بعض الزيارات الشركية، أو ربما يتصدق بصدقة في غير محلها. يتصدق أحدهم ربما على بعض النقابات، أو على بعض كذلك الأندية، أو نحو ذلك، حرمان ما يستنير بأهل العلم، ولا يسأل أهل العلم: أين يضع صدقته؟ وأين يضع وقفه؟ لو أنه سأل أهل العلم، لدله أهل العلم أين يضع الصدقة على الوجه الأنفع. فإذا كان مثل عمر رضي الله عنه لم يكتف بما معه من العلم، بل سأل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن سؤاله كان نافعًا له، بل نافعًا للمسلمين، فتبين بهذا السؤال علما كثيرا، ومنفعة عظيمة له وللمسلمين. فكذلك أنت أخي المسلم، لا تفرح بما معك من العلم، وما معك من الحرص على الخير، أن تستقل بنفسك، بل احرص على الاستنارة من أهل العلم، كما أمر الله عز وجل بالرجوع إليهم في كل حال من الأحوال، في الفرح وفي كذلك الشدة. وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف أذاعوا به، ولو ردوا إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين استنبطونه منهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وفيه من المسائل كذلك ما فتح الله عز وجل على المؤمنين بعد الشدة من خير. وهذا باب من أبواب الصبر، كيف أن النصر مع الصبر؟ صبروا فنصرهم الله عز وجل. وهذه سنة الله، الشدة التي مرت على الصحابة شدة شديدة، ومع ذلك ما كانوا يتوقعون أن الله جل وعلا سيفتح عليهم بمثل هذا الفتح، حتى ملك الواحد منهم الخير الكثير، والأموال الطائلة. فكذلك أنت المسلم، إذا مرت بك شدة، فاعلم أن الفرج يأتي بعد الكرب، وأن النصر مع الصبر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فما عليك بحال الشدة إلا أن تصبر، وتلازم ما أمرك الله، وتدعو الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة، ما تستعين به على دينك ودنياك، وستجد بإذن الله تعالى الفرج من الله سبحانه وتعالى. فالشدة التي مر بها الصحابة أشد بكثير مما يمر به الناس اليوم. والناس اليوم يلتجئون إلى غير الله، ويستخطون قضاء الله وقدره، وكل هذا بضعف إيمانهم ويقينهم بربهم. وإلا فالذي فرج عن الأولين يفرج عن الآخرين، وهو العظيم الكريم سبحانه. فما على الإنسان إلا أن يلازم شريعة الله، ويصبر على دين الله، فسيجد بإذن الله الفرج بعد الشدة. وهذا مثال يبين لنا هذا المعنى، ويتكرر، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل فضيلة الصدقة على الأقربين، وكذلك أن الصدقة كلما كانت جمعت بين الصلة والصدقة، ويكون في أهل الاستحقاق. ففيه كذلك أنها تعطى لأهل الاستحقاق من الأقربين. ومواضع الاستحقاق كثيرة: الفقر والمسكنة، وكذلك اليتم، وكون المرأة أرملة، أو غير ذلك من معاني الحاجة والفاقة التي ينبغي أن يتتبعها المسلم. وإذا تتبعها فليبتدأ بمن بالأقربين، فإذا تتبعها فليبتدأ بالأقربين. وهكذا الإسلام يدعو إلى مثل هذا الخير والبر، وبهذه المعاني التي تجمع الأكمل في هذا الخير والبر. والناس في هذا طرفان ووسط، فبعض الناس يتبع الأقربين حتى يتصدق على الأغنياء، ويعطي غير أهل الاستحقاق، المهم أن يعطي الأقربين، فربما زكاته تخرج إلى قرابته، وهم غير مستحقين للزكاة، وهذا خطأ، بل هذا يعتبر من الإثم، لأنه لم يخرج الصدقة، وأعظم من ذلك إن كانت زكاة في غير موضعها. وهكذا بعضهم ربما يطعم المستحقين، ويهمش القربين، وهذا خطأ، إذا أعطيت المستحقين، ابدأ بالأقربين، ابدأ بالأقربين، فالأقربون أولى بالمعروف. وفيه كذلك من المسائل فضيلة تحبيس أصل الصدقة، فضيلة التحبيس أصل الصدقة، فإن ذلك أدعى لبقائها. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. ففي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها: صدقة جارية، صدقة جارية، وعلم انتفع به، أو ولد صالح يدعو له. فالصدقة الجارية هي الصدقة التي يحبس أصلها، الصدقة التي يحبس أصلها. فإذا أحببت أن تتصدق أيها المسلم، فاحرص على أن تتصدق بصدقة تحبس أصلها، ويكون بهذا كذلك حصول منفعتين: خروج الصدقة، واستمرارها. حصول الصدقة وخروجها، وكذلك استمرارها، فاستمرار الصدقة مطلب حث عليه الشرع. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحبس أصلها. وفيه كذلك أن هذا ليس على وجه الوجوب، وهذا موضع من مواضع حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وأدبه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأمره أمرًا، قال: إن شئت، إن شئت حبست أصلها. وهكذا المسلم الحريص على الائتساء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ينتقي مثل هذا الأدب، وهذا الخلق، ويتتبعه، وهو عليه الصلاة والسلام الذي قال الله عز وجل فيه: وإنك لعلى خلق عظيم. خلق عظيم في قوله: خلق عظيم، حتى في سكوته عليه الصلاة والسلام، فسكوته حسن خلق، وكلامه حسن خلق، وكذلك فعله عليه الصلاة والسلام، كلها حسن خلق. وما أحسن أن يتتبع المسلم ليس فقط الحسن، بل الأحسن من الأقوال والأفعال، بل وحتى التروك، فالسنن منها ما هو قولي وفعلي، ومنها ما هو تركي. والله عز وجل يقول: قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، فإن كان هناك حسن وأحسن، فقل أحسن، قل الأحسن، وحرص على الأحسن. فإذا أمرت أمرًا، فليكن أمرك فيه من الأدب ما يكون معه اتباع الأحسن. قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر، وهو السائل، والنبي عليه الصلاة والسلام رسول الله، والمجيب والمسؤول، ومع ذلك يقول: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها. وفيه كذلك من المسائل معنى من معاني الوقف، وكذلك الصدقة الجارية، فإن الصدقة الجارية والوقف قد تنقطع بعدم القيام عليها، والنفقة على من يعمرها. ففي هذا الحديث بيان لمعنى يغفل عنه الكثير من من يريد الخير والبر، فيوقف وقفًا لا يجعل في هذا الوقف نفقة للقائمين عليها، وماذا يكون نهاية الوقف؟ نهايته الانقطاع، ونهايته الهلاك. لكن لو جعل لمن يقوم على هذا الوقف نفقة، أعمر هذا الوقف، وهكذا ينبغي أن يكون، حتى قال بعض أهل العلم: إنه يشرع فعل ذلك، ولو لم يأمر به الواقف، لأن هذا من مصلحة الوقف، وهي كذلك فتوى النبي صلى الله عليه وسلم. فإن من معنى حبس أصلها أن يجعل من يقوم على هذا الأصل، حتى لا ينتهي، كيف لا ينتهي؟ إذن لا بد أحد يخدمه، لا بد أحد يعمره. فإذا أعمر هذا الوقف، وكان له ناظر أمين، يعطى من النفقة ما يعان بها على إعمار هذا الوقف، كان هذا سببًا في بقاء هذا الأصل، واستمرار الصدقة. وفيه كذلك من المسائل الحث على الاستمرار في الصدقة، وإن قلت، فتحبيس الأصل معناه خروج القليل من الصدقة في الحاضر، يرحمك الله، خروج صدقة قليلة في الوقت الحاضر، لكن هو سبب الاستمرار هذه الصدقة. فدل على أن الشرع يحبذ الاستمرار بالصدقة، وإن قلت. وهذا أحب من خروجها دفع واحدة، وإن كثرت. فلو سأل السائل: أيهما أفضل؟ أخرج صدقة قليلة مستمرة، أم أخرج صدقة كبيرة مرة واحدة؟ الجواب: الأول، أخرج صدقة قليلة مستمرة. ولهذا شواهد كثيرة: عمومات، وأدلة خاصة، من الخاص، وهذا. ومن العموم: أحب العمل إلى الله ما داوم عليه العبد، وإن قل. فاستمرار في العمل مما يحبه الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والانتفاع بوصاياه وفتاويه عليه الصلاة والسلام، وفقههم كذلك لمعنى كلام عليه الصلاة والسلام. انظروا: قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمات يسيرة، فحققها عمر رضي الله عنه بما يدل على فقه الصحابة، فقه عمر خاصة. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. قال الراوي: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالًا. انظر ما شاء الله: تطبيق واسع وعظيم، وهو في الحقيقة تفصيل لذلك الكلام اليسير الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم. فعل ذلك عمر، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على عمق فقه الصحابة رضي الله عنهم. اليوم لو قيل مثل هذا الكلام لأحد أهل العلم، ممكن ما يحقق ماذا؟ هذا التفصيل الذي فصله عمر رضي الله عنه. وهذا يدل على عمق فقه الصحابة، فمن عمق فقههم أنهم كانوا يدركون غور كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ودقة وعمق مقصده عليه الصلاة والسلام. ففهم عمر مما قاله عليه الصلاة والسلام أن لا يباع، وهذا من معنى التحبيس، وأن لا يوهب، وأن لا يورث، فهذا كله من معاني التحبيس. قال العلماء: وهذه المعاني الثلاثة تتناول ثلاثة أصول. وانظر إلى فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فلا يباع، قالوا: فيه أن من معاني التحبيس إغلاق معنى المباذلة بعوض، بكل صورة من الصور، ولو كانت بيعًا، أو كانت كذلك إجارة، أو كانت كذلك وكالة، أو غير ذلك. فكل معنى من معاني العوض ينافي التحبيس، كل معنى من معاني العوض، التصرفات التي تكون بعوض، هذا من معاني التحبيس، يعني منافي للتحبيس. وفي قوله: لا يوهب، كل معنى من معاني الصدقة بإخراجه، وكذلك إنفاق أصلها، فهو كذلك منافي لمعاني التحبيس، فلا يوهب، ولا يتصدق به كله، ولا كذلك يكون فيه معنى من هذه المعاني التي لا يبقى معها الأصل. وفي قوله: ولا يورث، فيه معنى ثالث، وهو أنه لا يكون لورثته، لا بملك بإرث، ولا كذلك بغيره، ولا بغيره. فصار التحبيس في معنى هذه الأصول الثلاثة. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: وتصدق بها، أو قوله: وإن شئت تصدقت بها، سنوالي ذلك كما فعل عمر رضي الله عنه، كل معاني الصدقة. فجعلها عمر أولًا في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله. ومعنى الرقاب: يعني اعتاقها، والإنفاق عليها. والفقراء كذلك معناه: ما يحتاجه الفقير من مأكل، من مشرب، من ملبس، من نفقة يومية، أو شهرية. فما يحتاجه الفقير إن كانت هذه الصدقة تغطيه، فيعطى منها. وهكذا كذلك في القربى، وكما مر معنا: يقدم من القربى الأهل الحاجة والاستحقاق. وهكذا كذلك الرقاب، في الرقاب، وهم سواء: من كان مكاتبًا يحتاج إلى عتق، أو كان رقيقًا يحتاج إلى نفقة، أو علاج، أو غير ذلك. أو كذلك كان يحتاج بعد عتقه إلى إعانة على ما يعينه في حياته الجديدة، حياة الحرية والعتق، فكل ذلك يدخل في معنى وفي الرقاب. وفي سبيل الله: يدخل فيه الجهاد بالسيح والسنان، والجهاد كذلك بالحجة والبرهان، على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، وغيره من أهل العلم. والمقصود أن يتبين من هذا أن من معاني الوقف هذه الأبواب التي ينبغي أن يحرص عليها، حتى يستفيد المسلم: أين يوضع الوقف؟ وكيف يكون كذلك صرف الوقف؟ وابن السبيل كذلك: ابن السبيل يتناول معاني كثيرة، يتناول المسافر المنقطع، وكذلك يتناول ذوي الحاجة ممن هو منقطع، ولو لم يكن مسافرًا، ولو لم يكن مسافرًا. حتى دخل فيهم بعض أهل العلم اللقيط، اللقيط أدخلوه في معنى ابن السبيل، فهو من المنقطعين. فكل منقطع يحتاج لما يعان في انقطاعه، يدخل في معنى ابن السبيل. ولكن كما تعرفون: هذا الباب يعطى إلى أهله، الذين هم أهله، ليس كل من قال: أنا ابن السبيل، كان صادقًا، ولا كل من زعم أنه ابن سبيل، كان مستحقًا. ولا ينبغي أن يعان أهل الباطل على الباطل، بل ينبغي أن يحرص على التفتيش في الصادقين من أهل هذه الصفات. وهكذا الضيف: أن يكون للضيف، وفيه فضيلة الصدقة للضيوف. وكانت هذه سنة موجودة إلى زمن قريب، سبحان الله، كان الآباء والأجداد عندهم حرص على الصدقة والخير والبر، على الشدة، الحالة التي كانوا فيها، وقلة ذات اليد. أفضل منا لو تأمل بعضنا في بعض القرى: ما شاء الله، يوقفون بيوتًا للضيف، بيوت للضيف، يعرفون حال الناس وضعفهم، وقلة ذات اليد، فيتعاونون. ضيف الرجل يعتبر ضيفًا للقرية كلها، ضيف للقرية، ما شاء الله، يتعاون أهل القرية في إكرام الضيف، فيجعلون هناك بيتًا، وبعضهم يوقف شيء في المزرعة، وبعضهم يوقف كذلك شاه أو شاتين للضيف. فإذا جاء الضيف عند الفقير، سبحان الله، ما يعجز، يجد من يعينه على ذلك. يذهب إلى شاة فلان، عندنا اليوم ضيف، فيذهبون إلى شاة فلان، ويأتون له بلبن للضيف. اذهبوا إلى مزرعة فلان، اليوم جاء عند فلان ضيف، أرسلوا له، فلا يجد كربًا، ولا يجد مشقة، ولا حرجًا، تعاون على الخير والبر، وهذا من صفات الإسلام التي ينبغي أن يحرص عليها. وهذا الحديث أصل على هذه المسألة. اليوم لو سألنا على كثرة وكبر هذه المدن والقرى الموجودة اليوم: ما يوجد مثل هذا؟ ما يوجد مثل هذا؟ مع أن الله بسط على الناس في هذا الزمان، لكن ما أحد؟ هل تجدون أحدًا أوفى شاة للضيف؟ ما فيه، أو أوقف مزرعة، أو أوقف حتى أرضًا، أو غرفة، أو شيء، سبحان الله، ما تجد. فهذا يدل على قلة العلم، وهكذا كذلك قلة الدين، فإن لله، وإن إليه راجعون. وكان الآباء والأجداد لزمن قريب، على قلة العلم، وقلة ذات اليد، حريصين على أبواب الخير والبر. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على العلم النافع، والعمل الصالح. وقوله: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، فيه ما تقدم من استحباب، بل بعضهم جعل هذا من لوازم الوقف: إعطاء القائم عليها، من الناظر، والوكيل، ونحوه. وفي كتب الفقه تفاصيل في أحكام الناظر، وفي شروط الوقف، وفي أحكام الوكيل، ومر معنا في درس منهج السالكين شيء من ذلك، والتفاصيل فيه. وهكذا متن الدرر، فقوله: ولا جناح على من وليها يأكل منها بالمعروف، يعني ما يحتاج إليه في القيام على هذا الوقف، والنظارة، ما يحتاج إليه بالمعروف، يأكل بالمعروف. والمعروف شرعًا وعرفًا، فليس من العرف، ولا من الشرع، أن يهلك هذه الصدقة لنفسه، ويستأثر بها عن غيره. وكذلك قوله: ويطعم غير متمول، معناه: لا بأس أن يطعم نفسه، ويطعم غيره، لا بأس أن يطعم نفسه، ويطعم غيره. حتى كان ابن عمر رضي الله عنه يرسل بها إلى أناس يعرفهم في مكة. وليس الحديث له طرق وروايات، جعلها عمر رضي الله عنه جعل الناظر على هذا الوقف حفصة، فدار الزمان، فصار الواقف عليها ابن عمر، الناظر عليها ابن عمر بعد حفصة رضي الله عنها. فكان ابن عمر يرسل بها إلى بعض من يعرفهم في مكة. وهذا من تحقيق معنى قول عمر رضي الله عنه: ويطعم غير متمول. قالوا: معنى غير متمول: يعني غير مختسب، ومقتات على وجه الدوام، ولكن إنما بحسب الحاجة. وهكذا معنى ما جاء في رواية ابن سيرين، وغيره: غير متأثل. فمعنى متأثل: أي غير مكتسب، وجامع. فالمقصود أن يطعم لا على وجه الإضرار، كما أنه يأكل ليس على وجه الإضرار، إنما على وجه الحاجة. إذا كانت حاجته تنقضي في غير الصدقة، فالمتصدق يريد الصدقة تذهب لأهلها. وإن كان هذا الناظر، والوكيل، يحتاج إلى شيء من هذا الصدقة، يأخذ قدر حاجته، لا يضرب الصدقة. أو احتاج أن يطعم غيره: ضيف عنده، أو صديق، يعرف أنه عنده فلان مزرعة، فإنه يعطيها له، مثل هؤلاء. وفيه كذلك مراعاة الشرع، مراعاة الشرع لمثل هذه المعاني، أي إعطاء غير المستحق لأجل حصول وصف، معنى التمليك. أنت ربما يكون عندك سيارة خاصة، إما بالمسجد، أو كذلك بمدرسة، أو عندك كذلك مال للفقراء، أو نحوهم، فتحتاج أحيانًا أن تخرجها عن غير ما موضعها، لتدفع عن نفسك الشح، وتدفع عن القائمين على ذلك من المكان الشح. صحيح أنها وقفت، وجعلت في مكان، وعمل مخصوص، لكن لا بأس أن يعطى من يتشرف لذلك، لدفع تشرفه، ولدفع مفسدة تبخيله، ولكذلك قطع معاني الشحناء، والحسد، والبغضاء. فأنت ربما تعين جارًا، تأخذ إنسانًا أحيانًا هنا، أو هنا، ونحو ذلك، يعني إذا اقتضت الحاجة هذا، الأصل عدم ذلك، الأصل عدم ذلك. ولهذا قال: لا جناح على من وليها. قال العلماء: في هذا إشارة إلى أنه يراعي الأصلح لأصل الصدقة، هذا هو الأصل، يراعي الأصلح لأصل الصدقة. لكن إذا احتاج، لا بأس أن يخرج عن ذلك، لدفع مفسدة من ذلك، أن يأكل القائم، الناظر، والوكيل، لماذا؟ لأنه إذا كان محتاج، ولا يأخذ من هذه الصدقة، معناه لا يقوم على الصدقة، يذهب يعمل عمل آخر، فماذا يعني ذلك؟ حصول مفسدة، حصول مفسدة، يتعطل الوقف. وهكذا كذلك إطعامه لغيره، إطعامه لغيره، لأنه يسبب مفسدة، إذا كان يمنع أن يعطي من ينحرج بعدم إعطائه، سيكره هذا الإنسان القيام على النظارة، يقول: إيش الفائدة؟ أنا أقوم على هذه النظارة، تسبب لإحراجات، ومشاكل مع الناس، يبخلونني، لماذا؟ لأن له جيران، له أناس، صحيح غير مستحقين، لكن مدام أنه قائم على هذه المزرعة، هم ما يفهمون، ما يعرفون أن هذه خاصة للفقراء. إذا جاء وقت الخريف، يأتيك الجار: ماذا؟ لن تعطيه؟ تعطيه، فحتى قال بعض أهل العلم: في هذا دليل على ما كان بمعناه، ولو لم ينص عليه الواقف، ولو لم ينص عليه الواقف، لماذا؟ دفعًا لمفسدة انقطاع النظارة، والوكالة. لأن الإنسان قد يجد حرجًا فيترك النظارة، والوكالة، خشية ماذا؟ الإحراجات مع الناس، وأن يكون بينه وبين الناس فجوة، وبينه وبين جيرانه، وقاربه فجوة، بسبب ماذا؟ بسبب هذا الخير الذي معه، وهو يعرف أنهم لا يستحقون. فإذا كان كذلك، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وفيه كذلك العمل بهذه القاعدة في هذا الموضع، وما كان بمعناه، والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.