شرح كتاب التوحيد 210

شرح كتاب التوحيد 210

الدرس في شرح كتاب التوحيد 210، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث عدي بن حاتم

يبدأ الشرح بحديث عدي بن حاتم الذي سمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ آية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. يُوضح أن اتباعهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يعد عبادة لهم.

تحليل حديث عدي بن حاتم واختلاف العلماء حوله

يتناول المقطع اختلاف العلماء حول إسناد حديث عدي بن حاتم، حيث يرى البعض أنه ضعيف بينما يرى آخرون أنه حسن. يُفسر الحديث في سياق تحريم التحليل والتحريم ويربطه بالآيات القرآنية.

حدود العالم والعابد وعبادة غير الله

العالم والعابد لهما حد لا يتجاوزهما، فالعالم يجب أن يلتزم بشرع الله ولا يتعداه، والعابد يجب أن يتعبد على وفق شريعة ربه. العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب، والذي يذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أربابًا، وختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بهذا الحديث، وهو ما جاء من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، فقلت له: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم، رواه أحمد والترمذي. فهذا الحديث الذي بين أيدينا فيه إشارة عظيمة لما أراده المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل عليه، وهو في بيان قضية التحليل والتحريم لغير الله جل في علاه، فذكر ما كان من أمر عدي، أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعه يقرأ بهذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾، والضمير هنا يعود إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم -والأحبار جمع حبر، وهو يطلق على من بلغ في العلم مبلغًا يقال له حبر، والرهبان جمع راهب، وهو يطلق على من بلغ في العبادة مبلغًا يقال عنه راهب- فهاتان طبقتان: الأحبار والرهبان، وكانت هذه الطبقات هي الملجأ والمرجع عند أهل الكتاب. فكان اليهود يعظمون الأحبار -أي العلماء- وذلك لكثرة العلم عندهم، وأما النصارى فكانوا يعظمون العباد والزهاد، وذلك لأن فيهم كثرة ووفرة في باب العبادة والتعبد، إلا أن أمرهم -وهذا الذي سمعه عدي من قراءة رسول الله لهذه الآية القرآنية- أنكم يا معشر الكتاب قد جعلتم الأحبار وجعلتم الرهبان أربابًا، أي جعلتمهم آلهة من دون الله، فهنا تمالك العجب عدي رضي الله تعالى، لأنه كان نصرانيًا، فقال: إنا لسنا نعبدهم، ما وصلنا إلى هذا الحد إلى أننا جعلناهم آلهة وأربابًا من دون الله. فقال عليه الصلاة والسلام: أوليس يحلون ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه، أي كنتم تتبعونهم على هذه المسألة، يأتون إلى أمر أحله الله لكم فيحرمونه عليكم، فكنتم تأخذون بتحريم الأحبار والرهبان على ما أحل الله؟ قال: نعم، هذا حاصل، والعكس أنكم يا معشر أهل الكتاب كنتم تأتون إلى ما حرم الله، فرأيتم أن الأحبار والرهبان قد أحلوه لكم، فكنتم تتبعونهم، فأقر: نعم، هذا حاصل، فأشار نبينا صلى الله عليه وسلم قال: فتلك عبادتهم. هذا الأثر -إخواني في الله- بهذا المعنى اختلف العلماء في مسألة صحته وضعفه، والمؤلف قال: رواه الإمام أحمد والترمذي، والصحيح أن الإمام أحمد لم يرو هذا الحديث في مسنده، لم يروه، فهذا يعد وهما ممن خرج الإمام أحمد ما خرج هذا الحديث، وأما ما جاء في رواية الترمذي من أنه في بعض النسخ حسنة، قيل: إن هذه النسخة متكلم فيها. كيف يقال عنه حسنة وقد جاء عن الترمذي أنه ضعف هذا الحديث؟ لأن هذا الحديث مداره على راوي وهو غضيف بن الحارث، وهذا الراوي قد تكلم فيه، ورمي بالجهالة، قال عنه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: ليس بالمعروف، وهكذا ضعفه الدارقطني، وضعف الراوي، وهكذا ابن حجر رحمه الله تعالى جزم بأن هذا الراوي ضعيف، كما في التقريب، ولهذا جماعة من أهل العلم على إعلال هذا الحديث، وبالمقابل فإن جماعة من أهل العلم على تحسينه، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، يرى أن هذا الحديث حجة وأنه حسن. فمن حيث الإسناد، فالعلماء على قولين اثنين، فمنهم من يعله فيضعفه، ومنهم من يحسنه فيثبته، هذا من حيث الإسناد، أما من حيث المعنى، فالمعنى صحيح، وهذا هو الضابط في مسألة التحليل والتحريم الذي يصل بصاحبه إلى الكفر، ويدل على صحة هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، فذكر ربنا عز وجل أن طاعة الشياطين في قضية التحليل والتحريم كفر وشرك، وهذا ما يعبر عنه بشرك الطاعة: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن المسلم إن أطاع الكافر في هذه القضية، وصورته كما جاء في حديث عدي: أن تعتقد حل ما حرم الله، أو أن تعتقد حرمة ما أحل الله، هذا هو الشرك بعينه، فهذا الحديث -إخواني في الله- معناه واضح وصحيح، بفحوى وإن كان الإسناد فيه خلاف بين أهل العلم. وفي هذا الحديث -حديث عدي رضي الله تعالى عنه- فيه من المسائل، إضافة إلى ما ذكر فيه أولًا، ما يكون من عظيم الفتنة بهاتين الطبقتين من طبقات المجتمع، أي العلماء والعباد، فإن أنظار الناس كثيرًا -بل هي الأصل- في النظر والاقتداء والاتباع في باب الدين، الناس إذا أرادوا أن ينظروا نظروا إلى أعلم الناس، ونظروا إلى أعبد الناس، فيقتدون بهم، ويهتدون بهم، ويتأسون بأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم، فالفتنة أعظم بهؤلاء من غيرهم. ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، لأن اليهود أهل علم، اليهود عندهم علم التوراة، عندهم من العلوم والآيات البينات، ولهذا هم أهل علم، لكن بالمقابل قليل العبادة، يكثر فيهم أكل الباطل والخوض في الحرام، وأكل أموال الناس، والتلاعب بآيات الله، ورغبات النفس، وشهوات الشيطان، تكثر فيهم، هم من حيث العلم عندهم علم، لكن من حيث العبادة ضعفاء ضعفًا في هذا الجانب. والنصارى على خلاف اليهود، النصارى هم أهل عبادة، لهذا يكثر عندهم الرهبان، تكثر عندهم الكنائس التي يكون فيها القسيسون الذين لا يتزوجون، والقسيسات اللاتي لا يتزوجن أبدًا حتى تموت، لماذا؟ دلالة على التعبد عندهم، تعبد يكثر في شريعة النصارى: الصيام، الصلاة، الأذكار، الأوراد، العطف، الحنان عندهم، لكن بالمقابل النصارى في باب العلم ضعفاء، ما عندهم علم، جهل من أجهل أهل الكتاب النصارى، ولهذا النصارى يعتمدون على اليهود في المسائل العلمية، واليهود يعتمدون على النصارى في المسائل العملية التعبدية. فالفتنة تعظم لهذا، فتن اليهود والنصارى بالعلماء والعباد، ففيهم فتنة، وفي هذا الحديث كذلك بيان على أن العلماء والعباد مع رفعة مرتبتهم في دين الله جل وعلا، وأن الله قد ميزهم بهذا الذي تميز به، ذاك تميز بالعبادة والزهد والورع والتقى، وذاك تميز بالعلم والفهم والحفظ، إلا أن لهم حدًا فلا يتجاوزونه. فالعالم حده أن يكون تبعًا لشرع الله جل وعلا، فلا يتجنى أنه يتقفز هذا المكان فيشرع للناس من عند رأسه، لا يجوز، وهكذا العابد، العابد له منزلة عند ربه، لكن له حد أن يكون تعبده على وفق شريعة ربه، لا يتجاوز ذلك ولا يتعدى، لأن من العلماء من ربما يعتريه التعاظم، فيفتري على شرع الله، وهكذا من العباد من ربما يغلب عليه التنسك، فيضيق على الناس. ولا يخفى عليكم قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فلما سأل: جئ بي عند عابد، عند عابد، فأخبره بأنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل من توبة؟ فهذا العابد غلا وضيق على الناس باب التوبة، قال: تتوب؟ لن يقبل الله توبتك، ما لك من توبة، ضيق على الناس، هذا ليس لك، أنت تتعبد الله جل وعلا، أعط للناس ما أعطاك الله من أن الله تواب، من أن الله غفور، من أن الله رحيم. وهكذا العالم، العالم إذ أعطاه الله علمًا، ينبغي أن يقف عند علمه، وعلمه إنما منوط بشرع الله، لا يتعدى كما فعلت اليهود عندما غيرت وتلاعبت بالتوراة، كانت التوراة بين أيديهم، فكان الملأ من علمائهم يتآمرون على التوراة، فيحذفون هذه الآية، ويضيفون هذه الآية، بحجة أنهم أعلم، لا، هذا مقام العلم له حد، لا يتجاوزه الإنسان. ففي هذا الحديث بيان على أن العالم والعابد لهما حد، لا يصل حدهما إلى حد الربوبية، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ما يجوز. الفائدة الثالثة مما يستفاد من حديث عدي -في معنى العبادة- لما أخبرهم نبينا وأخبر أهل الكتاب بأن فعلكم مع الأحبار والرهبان جعلتموهم أربابًا من دون الله، أي آلهة، استغرب عدي لأنه كان نصرانيًا، قال: ما عبدناهم، أنا كنت نصرانيًا، نعم، عندنا أحبار، عندنا رهبان، لكن كوننا نعبدهم عبادة، أي جعلناهم أصنامًا نصلي لهم أو نطوف حولهم، ما صار هذا. وهذا يدلك على أن من الناس من يرى أن العبودية قاصرة في الأعمال الظاهرة، ولهذا بيّن نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذه ليست هي العبودية، بل العبادة أعظم وأعم، ولهذا كان ينبغي على كل مسلم أن يفهم معنى العبادة، وهذا الذي دائمًا أهل التوحيد دائمًا يكررونه على الناس: ما هي العبادة؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، هذه العبادة، فصرفها لغير الله شرك. وما الصلاة، وما الصيام، وما الطواف، وما الاعتكاف إلا جزء من العبادة، فيدخل في العبادة الخضوع والخنوع والرجاء والتوكل، كل هذا نوع من أنواع العبادة، وهكذا مقام التشريع، مقام التشريع هذا مقام لله جل في علاه، ما ينازعه أحد: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، الذي يشرع للناس الحلال والحرام والشرائع والأحكام هو الله، هو دينه، ما هناك أحد يزاحمه. فمن ظن مثلًا أنه بإمكانه أن يشرع للناس تشريعًا ويرى أن تشريعه مثل حكم الله أو أفضل من حكم الله، هذا كافر مشرك، ليس هذا فعله، بل أنت أيها المتبوع إن ظننت أن فلان إن شرع لك تشريعًا وأن تشريعه مثل حكم الله أو أفضل من حكم الله، فقد كفرت، لأن هذه عبادة صرفتها لغير الله جل وعلا، مقام التشريع والطاعة لله جل في علاه. فهذا -إخواني في الله- مما يستفاد من هذا الحديث، فالمؤلف أورد هذا الحديث على القول بصحته في أن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله يكون بأن نعتقد فيهم أن لهم بإمكانهم أن يحلوا لنا الحرام وأن يحرموا لنا الحلال، فإن هذا من اتخاذهم أربابًا، هذا الذي يذكر في هذا الحديث. فيما سأل أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.