الدرس في شرح كتاب التوحيد 224، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ذكر تفسير ابن قتيبة للآية الكريمة 'يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها' حيث فسّرها بأن الكفار ينسبون النعم إلى آلهتهم، ويعتبر هذا الإنكار من أعظم صوره. يُبين ابن قتيبة أن الكفار كانوا يتقربون إلى آلهتهم بأنواع العبادات.
يشرح المقطع مظاهر الشرك في العصر الحديث حيث يعتقد الناس في الأولياء والصالحين القدرة على التأثير في الكون، وينسبون النعم لهم. كما يتناول خطر دعاء غير الله ونسب النعم إلى الأولياء والصالحين، مما يؤدي إلى الشرك وإنكار نعمة الله.
يتناول المقطع جحود الناس لنعمة الله ونسبتها لغيره، ويبين أن هذا السلوك مذموم ومخالف للتوحيد. يظهر الأثر المذكور هذا الجحود ويبين موقف الناس منه، ويشرح كيف أن هذا الاعتقاد ينتج عنه توجيه الشكر لغير الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا. هذا الأثر كمن كان متتبعًا معنا هذه الدروس، فالمؤلف رحمه الله تعالى بصدد ذكر تفاسير العلماء من الأئمة الأثبات الثقات في فهم هذه الآية التي بوّب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهي قوله جل في علاه: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. فهو يختار من أقوال الأئمة فيما يدلل به على فهم أو على عموم فهم هذه الآية. وها هو رحمه الله تعالى يذكر لنا هذه المسألة وهذا الأثر عن ابن قتيبة، وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وهو من أئمة أهل السنة وصاحب التصانيف، وكان يلقب رحمه الله تعالى بخطيب أهل السنة، له كتاب التفسير وله عدة كتب. فهذا الإمام رحمه الله تعالى فسّر هذه الآية: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، قال: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا. أي أن ابن قتيبة رحمه الله تعالى بيّن أن من فعل الكفار في نكرانهم لنعمة الله عز وجل عليهم أنهم يضيفونها إلى آلهتهم وإلى معبوداتهم، وهذا النوع يعتبر من أعظم صور الإنكار، بل لا يكاد يصدر عن مسلم. لا يكاد يصدر عن مسلم ما مر معنا من الأمثلة والتفاسير السالفة عن سلفنا الصالح، قد تصدر من أهل الإسلام: لو لا كذا لكان كذا، أو أن هذا من جهدي ومن مالي ومن أكابرنا. يمكن تصدر هذه العبارات من أهل الإسلام، أما هذه العبارة فلا تكاد تصدر من مسلم، وهو أنه ينسب النعم التي أنعم الله عليه ينسبها إلى الآلهة وإلى المعبودات التي تعبد من دون الله. قال: ويقولون هذا بشفاعة آلهتنا. من فلسفة الكفار في عبادتهم لأصنامهم وأندادهم وأوثانهم أنهم كانوا يتقربون لها، الواحد منهم يتخذ صنمًا، يتخذ حجرًا، يتخذ وثنًا، ثم يتوجه له بأنواع العبادات والطاعات من الرجاء والخوف والخشية والخشوع والخضوع والخنوع والدعاء والاستمداد إلى غير ذلك من أنواع الظل والتعبد. وكان من شأنهم أن هذه التقربات تجعل هذه الأصنام تشفع لهم عند الله جل وعلا بقضاء الحوائج، إذا أرادوا حائجة من حوائج الدنيا، إما من كشف كربة، من رفع ضيق وحرج وفقر وظلم وهضم وجدم وقحط وجفاف، أو أرادوا جلب منفعة من راحة وأمن وأمان وسعادة وصحة وعافية في الأجساد والأبدان. إذا أرادوا ذلكم، وذلكم كانوا يتوجهون إلى الأصنام يعطونها القرابين كما سمعت، ثم بعد ذلكم هذه الأصنام على حد زعمهم يشفعون عند الله، فإذا حصل المراد، حصل المراد، دفعت هذه الكربة أو وقعت هذه النعمة، ماذا فعلوا؟ تناسوا ربهم وأضافوا الفضل كله لآلهتهم ولأصنامهم ولمعبوداتهم. ويقولون هذا كما قال قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا، أي لولا الآلهة لما حصل الذي حصل وما صار الذي كان. وهكذا هم الكفار والمشركون في كل زمان ومكان، أنهم يعينون وينسبون الفضل لا لله وإنما لأصنامهم وأوثانهم وأندادهم. وهل وقف الأمر إلى أمثال هؤلاء؟ للأسف أن الأمر تعدى حتى أصيب به من فيه لوثة من لوثات أهل الجاهلية ممن يعتقد في غير الله جل وعلا الضر والنفع. وهذا للأسف كحال من يعتقد فيما يسمونهم بالأولياء، نحن لا ننكر الولاية، بل إن الله جل وعلا جعل من عباده الصالحين من هم أهل الولاية، عظمهم ربنا جل وعلا لتعظيمهم لشرعه: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب»، فنحن لا ننكر الولاية، لكن ننكر أن يصل حد الولي إلى حد المألوه والمعبود من دون الله جل وعلا. حتى وجدنا أن من الناس من يرى أن للولي قدرة في التحكم في الكون، فكان الأمر أن تفرع من ذلكم أن نسبت النعم والأفضال إلى غير الله جل وعلا. حتى بعض الناس إذا أصيب ببلية ففرجت عنه بليته أعاد الفضل إلى هذا الميت: لو لا الضريح، لو لا القبر، لو لا الميت، لو لا المدد من سيدي لكان كذا وكذا. حتى بعضهم أصبح يرى ويعتقد أن بإمكان الولي أن يخلق ما في الأجنة. والله يوجد هذا من يصرح بفمه ومن يكتب ببنانه أن الولي لو أراد خلق ما في الأجنة، سبحان الله وأين الله؟ هل معنى هذا أن في الكون خالقان اثنان؟ الله يخلق وهذا الولي يخلق ما في الأجنة؟ وقد وجد أن ناسا من الناس كما ذكر ذلك الآلوسي رحمه الله عن بعضهم أنهم وجدوه يدعو غير الله، يدعوه سيد، يدعوه ميت، ويلعى عليه بالدعاء، فأنكر عليه من أنكر من أهل الإحسان والتقى، مذكرًا لهذا المخذول بأن يتق الله في دعائه وأن يتوجه إلى الله في دعوته. فكان من رده أن قال: دعوت الله، كنت فيما كنت أدعو الله، ودعوت الله عندما كان لا ينجب له، دعوت الله أن يرزقني بولد، يرزقني بولد، فما رزقني بشيء، فدعوت الولي، فلو فلاني فرزقني بتوأمين، بتوأمين. تخيل يا عبد الله مثل هذه الفلسفة أن تستفحل في قلوب وعقول وصدور بعض المسلمين، يعتقد أن لهذا الولي من القدرة على التحكم في الكون ما لله. فعندهم أن الولي يقدر على ما يقدر عليه الرب سبحانه وتعالى من إغاثة الملهوف، ومن كشف الكروب، ومن هداية القلوب، ومن علم الغيوب. فحينها تجد أن الشكر لا يصل لله، كحال المشركين. فهل تجد أن المشرك يشكر ربه عز وجل؟ لا، ما شكر الله كما في هذه الآية: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، ينكرون أن تكون هذه النعمة من الله لأنهم أحالوها إلى غير الله، فأصبح الشكر للأصنام والثناء للأصنام والحمد للأوتاد. وهكذا قل في حق من تلوث بهذه اللوثة عندما ظن أن من أمثال هؤلاء من الأشجار والأحجار والأولياء والصالحين من الأموات والأحياء لهم القدرة. فحين أخذوا ينسبون الفضل والنعم إلى غير الله جل وعلا، فلما كان الأمر كذلك أصبح تمجيدهم وأصبح حبهم لهؤلاء الولاية أكثر من تعظيم لله سبحانه وتعالى، كما هو المشاهد في مثل هذه الأزمان. ولهذا فمن أمثال هؤلاء الذي حكى عنهم ابن قتيبة رحمه الله تعالى: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا. هؤلاء وقعوا في محظورين اثنين، وفي مخالفتين اثنتين. المخالفة الأولى أن وقعوا في الشرك، إذ زعموا أن مع الله خالق، أن مع الله رازق، أن مع الله واهب، أن مع الله معطي يعطي استقلالا ويخلق استقلالا، هذا هو الشرك بعينه، وهذا أعظم محظور وقعوا فيه. المحظور الثاني أنهم بعد ذلك نسبوا الفضل إلى غير الله، وتوجهوا بالشكر إلى غير الله، فجعلوا النعم والآلاء والمنى لغير الله سبحانه وتعالى. فالشاهد أن في هذا الأثر من المؤلف رحمه الله تعالى فيه بيان على أن من سلوك الناس في جحودهم ونكرانهم لنعمة الله عز وجل عليهم أنهم ينسبونها إلى غير الله جل في علاه. هذا ما يذكر إخواني في الله في هذا الأثر، وبه نكتفي إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.