الدرس في شرح كتاب التوحيد 226، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الآية القرآنية ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ تؤكد على أهمية التوحيد والابتعاد عن الشرك بعد تعداد نعم الله على العباد. معرفة نعم الله تقود إلى توحيده وعدم جعل أنداد له.
الأنداد تعني المثيل أو النظير أو الشبيه لله، ويجب عدم جعلها لله في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. الآية عامة لجميع الخلائق وتدعو إلى توحيد الله.
التنديد هو جعل ند لله ويجب الحذر منه، وهو نوعان: أكبر يخرج من الدين وأصغر يظهر على اللسان. يجب على المسلم أن يحافظ على لسانه من التعبير بطريقة تجعل لله ندًا.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، هذا باب جديد من أبواب كتاب التوحيد، بواب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية القرآنية، ألا وهي قوله جل في علاه: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. وسيأتي معنا ما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، وما المراد بإيراد هذا الباب في هذا المقام. ينبغي أن نعلم إخواني في الله أن هذه الآية إنما ذكرها الله جل وعلا تتمة لكلام وآيات سبقت، ألا وهي قوله جل في علاه: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. فمن خلال هذه الآية بكمالها وتمامها يتضح لنا المعنى العام. ففي هذه الآية يذكر الله جل وعلا العباد بعظيم ما أنعم عليهم، وأشار ربنا إلى هذه النعم، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾، أي جعلها مهدًا، جعلها بساطًا يمكن للإنسان أن يعيش وأن يستقر وأن يتنقل فيما بينها. ما جعلها الله جل وعلا عوجًا ولا جعلها ربنا عز وجل وعرًا، وإلا لما كان للإنسان أن يعيش فيها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿والسماء بناء﴾، والله سبحانه وتعالى من إنعامه على العباد أن السماء جعلها بناء، فهي طبقات فوقها على بعض إلى ما لا يعلم بعظمة السماء وهي السماوات السبع إلا بانيها جل وعلا. وجعل فيها ما جعل من الأفلاك ومن النجوم ومن الكواكب ومن الشمس والقمر، وما كان من عامريها، وكل ذلك لمصالح العباد، علم ذلك من علم وجهله من جهل. ثم أشير ربنا عز وجل إلى عظيم إنعامه على العباد: ﴿وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾، فكان من نتيجة هذه الأمطار وهذا الغيث أن الله جل وعلا أنبت لكم الأرزاق من الثمار والفواكه والحبوب ما يقتات عليه الآدمي وغير الآدمي. قال: ﴿رزقًا لكم﴾، أي هذه ثمار أرزاق بها نأكل ومنها نشرب ومنها نرتزق نحن وغيرنا من العوالم. ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، بعد هذا الإنعام والتذكير بشيء من نعم الله جل وعلا، ما الذي ينبغي أن ينبني على ذلك؟ ينبغي أن ينبني على ذلك التوحيد، التوحيد الخالص لله جل في علاه. لأن من خلال هذه النعم يظهر لك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنعم علينا بهذه النعم، إذا فله الانفراد في ملكه وفي خلقه وفي رزقه وفي تدبيره. أإله مع الله؟ ما هناك أحد إذا، بعد ذلك كله إذا علم العبد عظيم إنعام الله عليه، هنا يظهر التوحيد، بالتوحيد هذا أنفع وأجدى له في أن يتقرب إلى ربه، فلا يجحده ولا يكفر به، كحال الكثير ممن كفر وأشرك مع الله إلهًا آخر. فقال سبحانه: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، وأنت تعلم يا عبد الله، وأنت تعلم يا أيها الإنسان، وأنت تعلم يا أيها الآدمي أنه ما من خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مدبر للأكوان إلا الله. حتى على من يقول بأنه لا خالق إلا الطبيعة، ومن يزعم بأن الآلهة والأصنام هي التي شاركت وزاحمت الله في صنعه، كلهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنهم كذبة، في قرارة أنفسهم لو جئت إلى أكبر ملحد فرعون أمثاله لكان فيما بينه وبين نفسه لأقر بأن الله هو الخالق والرازق، لكنه الجحود والإيباء والاستكبار. فالشاهد أن هذه الآية إخواني في الله: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، ذكرها ربنا جل وعلا في بيان أن ما كان من أنعام الله ينبغي أن يقابل بالتوحيد. وهنا تأتي مسألة بعد فهمنا لهذه الآية، أن هذه الآية إخواني في الله حكمها العموم، فهي عامة، وإن كانت خطابًا لأهل الكفر، فإن أهل الإسلام يدخلون فيها دخولًا أوليًا. فإذا كان الله جل وعلا خاطب الكفار بأنهم لا يشركوا معه شريكًا، فكذلك أنت يا عبد الله لا تفكر ولا يأتي في خاطرك أن هناك شريك مع الله، فلا مالك ولا خالق ولا رازق إلا الله. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الخطاب عام لجميع الخلائق مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم وفاجرهم، إنسهم وجنهم، صغيرهم وكبيرهم، الكل مخاطب بهذا أن لا يجعل لله ندًا. تأتي مسألة أخرى، وهي ما معنى الأنداد؟ لأن الله نهانا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، الأنداد جمع ند، والند كما يقول أهل اللغة هو بمعنى المثيل، بمعنى النظير، بمعنى الشبيه. ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، أي لا تجعلوا لله أمثالًا، لا تجعلوا لله نظراء، لا تجعلوا لله أشباهًا. فالله سبحانه وتعالى لا شبيه له، والله جل في علاه لا نظير له، والله جل في علاه لا مثيل له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير جل في علاه. والمقصود بالندية هنا أن لا تجعل لله ندًا فيما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. وهذا يكمن في موارد ثلاثة: أن لا تجعل لله ندًا في ربوبيته، ولا لله ندًا في ألوهيته، ولا ندًا في أسمائه وصفاته. فلا شبيه ولا مثيل ولا نظير لله لا في الربوبية ولا في الألوهية ولا في الأسماء والصفات. في الربوبية كما مر، فالله جل وعلا هو المتفرد بالخلق والإيجاد والرزق، ومن زعم أنه خالق فهذا زعمه وهذه دعوة عارية عن أي أدلة، وإنما هو هوى محض افتراء. فمن يزعم أن الطبيعة الخالقة، من زعم أن الحيوانات كمن يعبد العجل ويعبد الجواميس ويعبد الأبقار كالهندوس، هذه دعوة زائفة. لكن الواقع والحقيقة والفطرة البشرية بالإجماع بأن الله هو الخالق الرازق، فلا تجعل لله مثيلًا في ربوبيته، فلا تجعل أن مع الله خالق، أن الله مع الله رازق. فإن فعلت ذلك فقد جعلت لله ندًا. المضمار الثاني، فلا تجعل لله أندادًا في الألوهية، فالله هو الله المعبود المألوه الذي لا يعبد سواه جل وعلا، لا ملكًا مقربًا يزاحمه، ولا نبيًا مرسلًا ما نعبد أحدًا لا شريك له، لا شريك له، وهذا هو حقيقة لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، هو المعبود لا معبود لنا سواه. فمن جعل شيئًا من المعبودات صنمًا وثنًا شجرًا حجرًا نبيًا وليًا كائنًا من كان، صرف له شيء من الطاعات والعبادات، هذا قد جعل مع الله ندًا. فلا تجعل لله أندادًا. وهكذا قل: لا تجعل لله ندًا في الأسماء والصفات، فلله الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، الذي لا أحد يماثله سبحانه وتعالى. فالله متصف بالعلم، علمه الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحق بنسيان. الله هو الحي ذو الحياة الكاملة السرمدية الأبدية الذي ليس لها ابتداء وليس لها انتهاء. الله عز وجل هو السميع الذي وسع سمعه كل الأصوات فلا يغيب عنه شيء، والله هو البصير الذي يرى جميع المرئيات فلا يخفى عليه خافية، هذا لله. فإن جعلت أحدًا ما كائنًا من كان فيه مثل هذه الخصال، فقد جعلت لله ندًا. فالله قد منع ذلك، فقال: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، لا في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا أيضًا في أسمائه وصفاته. وهنا أشار العلماء إلى مسألة أن التنديد وجعل أنداد لله هي على أقسام، منها ما يكون من القسم الأكبر الذي يخرج صاحبه من الدين والملة، ومنها ما يكون من التنديد الأصغر وهو ما يكون من الشرك الأصغر. ووجه ذلك كما قال العلماء: فمن جعل لله ندًا في ألوهيته وربوبيته، معتقدًا أن مع الله خالق، أن الله مع الله رازق، وأن مع الله محيي مميت، أو يعتقد أن هناك من يستحق أن يعبد مع الله، هذا هو الند الأكبر المخرج من الدين والملة. لكن هناك ندية صغرى، وهو ما يظهر على اللسان، وهو أن تأتي بألفاظ فيها توازي الله جل وعلا مع خلقه، توازي الله جل وعلا مع خلقه، مثاله ما مضى معنا مثلًا في الدروس الماضية أنك تضيف النعم للمخلوقين، هذا من الشرك الأصغر مما يظهر على الألسن. مثال آخر: الحلف بغير الله، بغير اسم الله، كمن يحلف بالأمانة ويحلف بالأشياء كما سيأتي بيانه، هذا من الشرك الأصغر، وهو من التنديد أن تجعل لله ندًا. وهكذا ما يكون في المشيئة: «ما شاء الله وشاء فلان»، ساويت الفلان بالله جل وعلا في المشيئة، وقس على ذلك. صحيح أن هذه الألفاظ قد تصدر من أصحابها وهم لا يعتقدون أنها أولًا شركاء مع الله في خلقه أو في كونه، ما أرادوا هذا، وإنما هذا خرج على الألسن من باب التعبير. ومع ذلك يقال: هذا خطأ، لأن هذا اللفظ يوهم التنديد، لأن ظاهر اللفظ جعلت فلانًا موازيًا لله جل وعلا، ولا موازاة ولا مساواة بين الخالق والمخلوق. ولهذا سيأتي معنا في هذا الباب، وهذا الذي لأجله أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، لأنه بهذه الآية ومن خلالها: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، سيورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى آثارًا عن الصحابة وعن التابعين وعن الأئمة في بيان هذا النوع من أنواع التنديد الذي يظهر بالألسن. كما مر معنا في الباب السابق يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، ذكر المؤلف أقوال الصحابة والتابعين في فهم هذه الآية، وأنها تحمل على عموم الجحود، الجحود، ويدخل في ذلك إضافة النعم إلى غير الله، وهكذا في هذا الباب. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، لا تظن أن الندية لها منحى واحد، اتخاذ الأصنام والأنداد لا أو الأوثان لا، بل كذلك من الندية ما يكون من الألفاظ، «ما شاء الله وشاء فلان»، أو الحلف بغير الله جل وعلا، كل هذا يعدّه العلماء من الشرك. وهذا ليس من قول المؤلف، حتى لا يتعجل مستعجل، وإنما هذا من أقوال الصحابة ومن التابعين في فهمهم لآي القرآن. وهنا تأتي المسألة التي أختم بها هذا المقام: لماذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية بهذا المعنى في كتاب التوحيد؟ أورده رحمه الله تعالى أورد الآية مع فهم السلف لها بعموم التنديد، لأجل أن يعلم الناس أن التوحيد ليس فقط ما يكون من إفرادك لعبادة الله وربوبية الله في القلوب، بل ينبغي أن يظهر التوحيد حتى في اللسان، حتى في ألفاظك، فلا تتلفظ بلفظة فيها الخروج عن سمت الموحدين. كما استطعت أن تربي قلبك أن لا عقيدة ولا اعتقاد إلا بالله، هكذا ينبغي أن تصون لسانك، فلا تجعل من ألفاظك التعبير التي تعبر بها ما فيه يسمع أنك جعلت الله من يزاحمه من خلقه، وإنما يبقى لله توحيده في باطن وفي الظاهر. وكما سيأتي معنا في أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية في معنى الندية، أنك لا تجعل لله ندًا لا في قلبك ولا أيضًا في لسانك. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.