مسائل رمضانيه 7

مسائل رمضانيه 7

الدرس في مسائل رمضانيه 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استقبال شهر رمضان والشروط العامة لصيامه

يبدأ المقطع بالحديث عن أهمية استقبال شهر رمضان بالتهيئة والاستعداد، ثم ينتقل إلى شرح شروط وجوب صيام رمضان، حيث ذكر ستة شروط لوجوب الصيام.

شروط صحة الصيام: الإسلام والبلوغ وتفاصيلهما

يتناول هذا الفصل شروط صحة الصيام، مركزًا على شرط الإسلام والبلوغ، مع تفصيل حول الكافر والمرتد وعلامات البلوغ.

علامات البلوغ الشرعية وتطبيقاتها

يفصل هذا الفصل في علامات البلوغ الثلاثة للذكور والإناث، مشددًا على أهمية اعتبار هذه العلامات في تحديد البلوغ شرعًا.

خاتمة الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإن هذا المجلس هو المجلس الأول بالنسبة لي بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة أشهر، وذلك بسبب رحلة علاجية، نسأل الله عز وجل الشفاء لنا ولكم ولجميع مرضى المسلمين، فجزى الله خيرا كل من كان معنا، شاركنا آلامنا أو دعا لنا أو سأل عن حالنا، فجزى الله الجميع خير الجزاء. إخواني في الله، ها نحن قادمون على موسم عظيم، على شهر مبارك كريم، شهر من أعظم شهور المسلمين، ألا وهو شهر رمضان الجليل. إن شهرا هذا مقامه وهذا قدره وهذا فضله، ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعد له العدة في حسن استقباله. فإن الاستقبال يكون في مثل هذه الأزمان كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «وإن المرأة إذا أراد شيئا هيئ له عدة»، ومصداق ذلك في قول ربنا جل في علاه: ﴿ولو أراد الخروج لأعد له عدة﴾. فمن أعظم عدة المسلم في مثل هذه الأزمان أن يحسن استقبال رمضان بالتهيئ له والقيام بشؤونه وأموره. وإن مما أذكر به نفسي وإخواني أن من أعظم ما يستقبل به رمضان في مثل هذه الأزمان الإقبال على مجالس العلم وموائد القرآن، فإن العلم يكون له الأسبقية قبل كل شيء. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب العلم قبل القول والعمل»، فالعلم يسبق الأقوال والأعمال والأحوال والأزمان. ونحن قادمون على شهر رمضان، وهو شهر مليء بالمسائل والأحكام، فحري بكل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بأحكام شهر رمضان وبأحكام الصيام، حتى يكون ملما بها من باب التأكيد والتأسيس، ومن باب التذكير، فإن ذلك مما ينتفع به أهل الإيمان. وإن في هذا المقام، في أوقات الظهيرة بإذن الله، سنوجز الكلام على أهم مسائل وأحكام الصيام بشيء من الإيجاز والاختصار على قدر الإمكان. فمن هذه المسائل، إخواني في الله، الذي أبتدئ به في هذا المقام أننا نعلم علم اليقين بأن صيام رمضان من أعظم مباني الإسلام، بل هو من مبانيه العظام، كما دلت على ذلكم أدلة السنة والقرآن. لكن يبقى السؤال: صيام رمضان يجب في حق من؟ وعلى من دارت كلمة الفقهاء على أن رمضان يجب على من توفرت فيه ستة شروط: أن يكون المخاطب مسلما، بالغا، عاقلا، مقيما، قادرا، سليما من الموانع. هذه شروط الستة اتفق عليها الفقهاء، لابد أن تتوفر في من يخاطب بفرضية الصيام. فنأخذ، إخواني في الله، هذه صفات الست بشيء من الإشارة. من أوائل ما يتصف به أهل الصيام أن يكون من أهل الإسلام ولا بد. ومن المسلم: المسلم هو كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. هذا هو المسلم. بمعنى آخر: هو كل من نطق بالشهادتين والتزم بها، ولم يأتي بناقض. من أتى بالشهادتين والتزم بها ولم يأتي بناقض، هذا هو المسلم. والدليل على شرطية الإسلام ما جاء في قول ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، فربنا سبحانه وتعالى خاطب أهل الصيام بلفظ الإيمان، فهم الذين يخاطبون بهذا الحكم. ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، وعلى هذا القيد وعلى هذا الوصف، من الذي خرج؟ خرج الكافر. والكافر خرج بقسميه: الكافر الأصلي والكافر المرتد. فالكافر الأصلي الذي ولد على غير دين الإسلام، يهوديا كان أو نصرانيا أو ولد على أي نحلة وملة، هذا يعد كافرا أصليا. وأما الكافر المرتد: من كان بالأمس معنا من أهل ملتنا ثم ارتد وخرج عن الدين والملة، هذا يعد كافرا مرتدا. فالكافر الأصلي والكافر المرتد هم ليسوا من أهل الصيام. إذن، من هذه المسائل التي تدخل مع الكافر أولا: أن الكافر لا يطالب بالصيام، لقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. والفائدة الثانية: أن الكافر لو قدر أنه صام كما يفعل بعضهم مجارة إذا عاش بين المسلمين، مجارة لأهل الإسلام، قال: «أصوم معكم»، فإن صام لا يقبل صومه، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. المسألة الثالثة: إذا أسلم الكافر، كافر أسلم، ما الذي يطالب؟ قال العلماء: لا يطالب بالقضاء ما عليه من رمضانات سابقة، بدليل ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من كثرة من أسلم من الكفار على يديه، ما أمرهم بإعادة ما كان عليهم من رمضانات. لكن تم الخلاف عند العلماء في المرتد إذا أسلم، هل يخاطب بالإعادة بحجة أنه كان معنا فترة من الزمن؟ نعم، الخلاف بين العلماء في قضاء الصائم الصيام على من كان من المرتدين، الخلاف حاصل، وجماعة من المحققين يرون أن المرتد كذلك لا يطالب بقضاء ما عليه، وهي مسألة خلافية. إذن، هذا الشرط الأول وهو أن يكون المخاطب بالصيام من أهل الإسلام. ونتنبه، إخواني في الله، المسلم هو المخاطب، ولهذا ينبغي لمن أراد أن يصوم أن ينظر في تدينه، بل وفي معتقده، لأن من المؤسف ما نجده من بعض المسلمين أنه من لربما يظن من نفسه أنه لا زال في سلك الإسلام مع أنه قد خرج من باب آخر. وهذا في حق من تورط بنواقض الإسلام وبنواقض الإيمان، كحال من لربما يتعاطى السحر والكهانة، أو من يسب الدين والرب، أو من يستهزئ بشعائر الدين ويتطاول على معالم الصراط المستقيم، أو من اعتنق شيئا من أفكار الملاحدة، كمن شكك بالبعث والنشور، يشكك بعالم الملائكة الأبرار، وهكذا قس، يقلل ويشكك في مصادر الدين وفي ثوابت الدين، فهذا ليس من أهل الإسلام والملة. فإن صلى وإن صام، فإن أعماله مردودة عليه حتى يدخل في الدين الذي أمره الله جل وعلا باعتناقه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة﴾. الشرط الثاني من شروط ومن أوصاف أهل الصيام أن يكون بالغا، أي وصل إلى مرحلة البلوغ. والدليل على هذا الشرط ما جاء في أحاديث كثيرة، منها حديث عائشة الذي رواه أهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث، ومنها: وعن الصبي حتى يحتلم»، حتى يبلغ. فالصبي لا يخاطب بفرضية الصيام إلا إذا بلغ حينه يؤمر. وهنا تأتي مسألة مهمة، إخواني في الله، ما هي علامات البلوغ؟ ذكر الفقهاء أن علامات البلوغ هي ثلاث علامات. العلامة الأولى: الإنزال، بمعنى إنزال المني، كما في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾، قال المفسرون: والحلم هنا الإنزال، إنزال المني، سواء كان في حال اليقظة أو في حال المنام، فإذا أنزل الفتى في أي مرحلة من مراحل عمره، يقظة أو مناما، دل ذلك على بلوغه. العلامة الثانية: الإنبات، ويقصد الفقهاء إنبات شعر العانة. والدليله ما جاء في حديث عطية القرضي عندما حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على يهود بني قريظة أن الرجال تقتل، ويعفى الصبيان عن القتل، فكان الذي يميز الرجل عن الصغير ما هو؟ قضية الإنبات. حتى بكر عطية القرضي رضي الله تعالى عنه قال: «فكان يكشف عن السواء، فمن رأوه أنبت قتل لأنه في عداد الرجال، ومن لم ينبت يعفى لأنه من الصغار»، قال: «فكنت ممن لم ينبت فعفى عنه ثم أسلم وحسن إسلامه» رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالإنبات قيد ومعرفة في مرحلة البلوغ. العلامة الثالثة: أن يبلغ سن خمسة عشر سنة. ودليله ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه تقدم إلى غزوة أحد فلم يجزه نبينا في الخروج لأنه كان في سن الرابعة عشر من عمره، ولما جاءت غزوة الخندق أجيز، وقال: «بلغت خمسة عشر سنة». فذكر الفقهاء أن في هذا السن لما كان في الرابع عشر تركه نبينا ما أخرجه مع المجاهدين لأنه من الصغار، لكن في غزوة خندق لما بلغ الخمسة عشر ألحقه مع المجاهدين. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز تعليقا على هذا الحديث: «وهذا فرق بين الصغير والكبير». إذن، هذه العلامات الثلاث: الإنزال والإنبات وبلغ الخمسة عشر سنة. هنا تنبيهات أختم بها المقام. التنبيه الأول، إخواني في الله، هذه العلامات هي التي يسميها الفقهاء بالعلامات الأصلية، والعبرة بها ولا عبرة بما سواها. لأن نعم، يذكر أهل السلوك وأهل الطب البشري أن هناك علامات أخرى للبلوغ، منها بحة الصوت، منها ظهور الشارب، منها شعر الإبط، لا، هذه تسمى عند الفقهاء بعلامات فرعية، ما نعول عليها شرعا، لكن نعول على الثلاثة. الفائدة الثانية: على أن هذه العلامات ليس من الضرورة أن تجتمع مع بعض، وإنما الأولوية على الواحد منها، واحد منها ظهر فمن سبق لحقه البلوغ. فإذا ظهر الإنزال فإنه بالغ، إذا بدأ معه الإنبات بدأ معه فيبدأ معه حكم البلوغ بواحدة من هذه العلامات الثلاثة. كذلك تضاف في قضية الأنثى أنها فوق هذه العلامات الثلاث تعطى لها علامة رابعة تختص بها وهي نزول الحيض، فإذا الفتاة إذا نزل منها دم الحيض دل على بلوغها. واستدل الفقهاء بما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، حائض بمعنى بالغ، فوصف نبينا البالغ بالحائض لأن البلوغ بلوغ الفتاة يكون بحيضها، تكون من أهل الصلاة. وعلى هذا مذهب العلماء كافة على أن المرأة والفتاة إذا حاضت فإنها تكون من عداد البالغات. وفي هذه، إخواني في الله، مسألة مهمة على بعض الأمهات أن الأم لربما تعلم أن بنتها لربما جاءتها الدورة لكن لا تأمرها بالصيام بحجة أنها ضعيفة أو أنها هزيلة أو أنها ركيكة، وهذا ليس بصحيح. لا، ليس العبرة بالجسم وإنما العبرة بتوفر أحد هذه العلامات، فتى كان أو فتاة، فيؤمر بالبلوغ طبعا. وقبل سن البلوغ هناك فترة يسميها العلماء بالتربية، على أنك يا عبد الله لا تنتظر من ابنك أن يصل للبلوغ حتى يؤمر، بل عليك أنك تلزمه بالصيام قبل البلوغ حتى يعتاد. وهذا الذي درج عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم في زمن رسول الله، كما جاء في حديث الربيع بنت معوذ أنهم «كانوا يصوّمون صبيانهم»، وهذا أحسن في التربية، تربي الطفل الصبي حتى أن من العلماء من يرى أن الصبي يربى على صيام من السن السابع، من قال على السن العاشر، والصحيح أن الصبي يربى على صيام عند القدرة. إذا رأيت من ابنك ولو لم يبلغ القدرة على صيام، عوده على صيام حتى ينشأ على حب الطاعة. هذا، إخواني في الله، ملخص هذه الصفة الأولى والثانية، وبقيت عندنا صفات أخرى بإذن الله سنتناولها في هذا المقام بشيء من الإشارات. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.