الدرس في مسائل رمضانيه 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن شرط القدرة على الصيام كأحد شروط وجوب الصوم، ويبين أن العاجز عن الصيام لا يجب عليه الصوم استنادًا إلى الآيات القرآنية.
يتناول حكم صيام المريض في رمضان ويشرح تفصيل أحكام الصيام بناءً على حالة المريض الصحية وتأثير الصيام عليه.
يشرح أحكام الصيام للحائض والنفساء والحامل والمرضع، ويبين حالات الإفطار والوجوب لكل حالة.
يختتم الدرس حول أحكام الصيام ويعلن عن موضوع الدرس المقبل ويطلب من الله النفع ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أولًا إخواني في الله، فنذكر بما قد كرر وقرر، بأننا في هذه الليلة مع المجلس الأول من مجالس الدورة المباركة بين يدي رمضان، وعنوان محاضرة الليلة أو جلسة الليلة "وجاء رمضان"، وذلك لأخينا الشيخ أبي عبد الله محمد باجعالة، حفظه الله تعالى ورعاه، واستئنافًا واستمرارًا لما نحن بصدده في ذكر أحكام الصيام. فلازلنا في المسألة الأولى من المباحث المهمة المتعلقة بأحكام الصيام، على من يجب الصوم؟ ذكرنا الشروط الستة التي ذكرها الفقهاء، وهو أن المخاطبة بالصوم هو كل من كان مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، مقيمًا، وهذه الأمور الأربع قد مرت معنا بذكر شيء من مسائلها، وبقي الشرط الخامس أو الصفة الخامسة والسادسة، أن المخاطبة بالصوم ينبغي أن يكون قادرًا، ثم سليمًا من الموانع. نبتدئ الآن بصفة القدرة، لا بد أن يكون المخاطب بالصيام عنده قدرة على الصوم، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء، والأدلة العامة والخاصة تدل عليه، كقول ربنا سبحانه وتعالى ﴿واتقوا الله ما استطعتم﴾، فعلق ربنا سبحانه وتعالى التقوى وطاعته بالاستطاعة، وخرج بهذا القيد خرج العاجز، فمن عجز عن الصوم فلا يخاطب بالصيام، لقول ربنا عز وجل ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، فلا تكليف لمن لا يستطيع. وبهذا القيد وبهذا الخروج صفة العجز، ذكر العلماء صنفين من الناس خرجوا من خطاب إيجاب الصوم عليهم، خرج صنفين من الناس، الصنف الأول، أو خرج صنفان من الناس، الصنف الأول الكبير في السن، الكبير في السن، الشيخ الكبير الهرم والعجوز الكبيرة، إذا كان الصيام يشق عليهما، فإنهما لا يخاطبان بالصوم، وذلك لقول ربنا عز وجل ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، فقوله سبحانه وتعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ على قول تفسير جماعة من أهل العلم، أي يتكلفونه، وجاء عن ابن عباس أنها في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة. فإذا كان الكبير في السن الهرم الطاعن في العمر، إذا كان الصيام يشق عليه، يجد التعب، فهذا لا يخاطب بالصوم، ذهب جماعة من المعاصرين إلى تفريع هذه المسألة على حال من يبتلى بالأعمال الشاقة، مثلًا كحال من هو في السجون ويقرر عليه الأعمال الشاقة، أو هو من يعمل في المناجم، فذهب بعض المعاصرين إلى أن هؤلاء وهؤلاء لهم أن يترخصوا بالفطر في رمضان للمشقة، وهذا ليس بصحيح على هذا الإطلاق. فإن أصحاب المهن والأعمال والحرف ينبغي أن يخففوا من أعمالهم ما يستطيعون به على استمرار صومهم، أو أنه يقف تمامًا عن عمله، يقف تمامًا عن عمله حتى يؤدي فريضة ربه، فلا يفتح المجال مثل هذه الأعمال، وإنما ينظر بعد ذلك كل واحد بعذره. فالأصل أن الصنف الأول الذي صرح العلماء لدلالة الشرع عليهم، من كان طاعنًا في السن، رجلًا كان أو امرأة، الصنف الثاني ممن خرج بصفة عدم القدرة، العجز المريض، فالمريض يترخص بالفطر في رمضان، ولو يخاطب الصيام، لقول ربنا عز وجل ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، فالمريض رخص له ربنا عز وجل أن يفطر في نهار رمضان، لنص الآية. وهنا تأتي مسائل، أشير إليها إشارات، المسألة الأولى، إخواني في الله، ما هو ضابط المرض الذي به تكون الرخصة؟ قال العلماء: هو المرض الشديد، بعضهم أشار إلى ضوابط سريعة، قال: المرض الشديد هو المرض الذي بالصوم تزيد الأوجاع، أو المرض الذي بالصوم يتأخر الشفاء، إذا كان مرضك يا عبد الله بصيامك سيزيد في أوجاعك وآلامك، فأنت مريض افطر، أو كان مرضك يؤخر في شفائك حينها افطر. وأما إن كان المرض لا هذا ولا ذاك، بل مرض يسير ولا يشق معه الصوم، فأنت لست من أهل الرخصة، لأن نعم يوجد من بعض السلف من وسع نطاق الرخصة، وجعل أي مريض، حتى قال بعضهم: من أصيب بوجع في أصبعه له أن يفطر لأنه مخاطب بالرخصة، هذا ليس بصحيح على القول المحققين من أهل العلم. فإن جماهير العلماء لم يجعل أي مريض يترخص بالفطر، بل الذي كما سمعتم يزيد في آلامه، يطيل في شفائه، تكون معه المشقة، فهذا مريض يترخص بفطره، مسألة أخرى، وهي ما لو أن المريض أراد أن يصوم، ما شأنه؟ ما حكمه؟ قد ذكرنا مثلًا في دروس سابقة السفر من رخصة الفطر، إلا أن المسافر لو أراد أن يصوم له ذلك. نأتي الآن إلى المريض، المريض لا تصوم يا عبد الله، فإن قال: أريد أن أصوم، فما حكمه؟ المسألة فيها تفصيل، الصورة الأولى، قال العلماء: إن كان مرضك لا يشق، لا يشق عليك، هنا واجب أن تصوم، إذا كان المرض كما أسلفنا لا يشق عليك، واجب أن تصوم. الصورة الثانية، إذا كان مرضك يشق عليك، لكن لا يضرك، يشق عليك لكن لا يضرك، قال العلماء: هذا يستحب له أن يفطر، يستحب له أن يفطر، الصورة الثالثة، إذا كان المرض يشق عليك ويضرك، هنا واجب أن تفطر، فعند ثلاثة صور من أحوال المرضى، إذا كان المرض لا يؤثر عليك، فلا تفطر، وإن كان المرض يشق عليك، وإن كان المرض يشق عليك ولا يضرك، فيستحب في حقك أن تفطر، وإن كان المرض يشق عليك ويضرك، هنا واجب أن تفطر. مريض إذا صام، فإن هذا كما أسلفني يزيد في أوجاعه، هنا ما يجوز أن تفطر، بل ما يجوز أن تصوم، بل واجب أن تفطر، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، فهذه تفاصيل العلماء في حق المريض إذا أراد أن يصوم في نهار رمضان، فلينظر هو في أي درجات الثلاث، إما يجوز، أو يستحب، أو واجب. مسألة أخرى متعلقة بالمرض، ما لو أن طبيبًا ما قال لأحد المرضى: عليك أن تفطر هذا الشهر، شهر رمضان، افطر لا تصوم، يوجد بعض المرضى يقرر لهم الأطباء، بل حتى عدة أعوام، خذ ثلاث سنوات لا تصوم فيها البتة، وضعك الصحي لا يسمح لك، هل يؤخذ بكلام هذا الطبيب؟ الجواب نعم يؤخذ بكلام الطبيب، إذا كان ثقة مأمونًا، ثقة مأمونة يقبل قوله، فلابد من هذا الوصف أن يكون أمينًا في مهنته، وثقة في تعامله. لأن من الأطباء من عنده خفة دين، خفة دين، لربما هو لا يرفع بالدين رأسًا، فكيف يلزم المرضى الذين عنده، فلربما تساهل، ولهذا لابد من نظر في هذه الأوصاف، تأتي مسألة أخرى، وهي ما لو أن هذا الطبيب الذي قرر لك الفطرة كافر، كافر مثل ما نجده في بعض المستشفيات، يأتي رجل كافر في المخيمات أو في بعض البعثات الطبية، أو من سافر إلى بلادهم، فإذا بالطبيب الكافر يقرر لك ترك العبادات، منهم أن يقرر ترك الصلاة مثلًا لأن فيها سجود وركوع، أو بعضهم يقرر الذي أريده الآن يقرر أنك لا تصوم، هل يجوز أن يقبل قول الكافر في مثل هذه المسائل الشرعية؟ القول الصحيح نعم يقبل قوله، بما ذكرنا من الشرط السابق، إن كان الكافر ثقة أمينًا، يقبل قوله، واستدل العلماء كما ذكر ذلك ابن القيم في الزاد، وتبعه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغير واحد من أهل العلم، على ما كان من فعله عليه الصلاة والسلام، أنه استأجر كافرًا، وكان خريثًا يعرف الطريق، وذلك عندما استأجره نبينا في الهجرة النبوية، فاستعان به، وأخذ نبينا بقول كافر وأمن، فقال علماء: وفي ذلك جواز قبول قول الكافر إذا كان ثقة أمينًا، ولو كان كافرًا. نعم، بعضهم عنده شرف المهنة، عنده شرف المهنة، ما يتجاسر على المخالفة، بل يكون صادقًا مع مرضاه، فهذا إخواني في الله خلاصة ما يتعلق بشرط القدرة، القدرة، فخرج بشرط القدرة العاجز، وخرج ومما أدخل العلماء في وصف العجز الكبير في السن، وأدخل العلماء المرضى، طبعًا هناك مسائل المرض ينقسم إلى قسمين، مرض يرجى برؤه، مرض لا يرجى برؤه. من الذي يترتب كما قلنا؟ لا تستعجلوا على هذه المسألة، سنؤخرها، سنؤخر مسألة من الذي يترتب على هؤلاء، هؤلاء يفطرون فقط، نريد أن نعلم من هم أصحاب الرخصة بالفطر، ومن الملزم بالصوم فقط، ما يترتب عليهم هذا يكون لهم مبحث آخر بإذن الله. نصل الآن إخواني في الله إلى الوصف الأخير من الصفات الست، أن يكون المخاطب بالصوم أن يكون سليمًا من الموانع، وما هي الموانع؟ الموانع حصرها العلماء في أربعة الصفات، أربعة الصفات، وهي الحيض والنفاس والحمل والإرضاع، وهذه تجدها يا عبد الله في قسم النساء، أن يكون سليمًا من الحيض والنفاس والحمل والإرضاع، هذه يقول العلماء موانع تمنع من أبتلي بهذه الصفات أو أحد هذه الصفات، فإنه يمتنع عن الصوم، لأن له رخصة. نأتي أولًا إلى الحائض والنفساء، الحائض والنفساء شرعًا لا يخاطبان بالصوم، لقوله عليه الصلاة والسلام «أليست إحدى كن إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟»، فدل على أن الحائض، ويلحق العلماء إجماعًا النفاس، أنهم لا يخاطبون بالصوم، مسألة: ما لو أن امرأة في فترة حيضها أرادت أن تصوم، كما قلت أنتم قد أجزتم للمسافر وصاحب رخصة أن يصوم، وأجزتم للمريض الذي لا يضره أن يصوم، وأنا كذلك أريد أن أصوم، فقال العلماء: لا يجوز، بل إن المرأة الحائض والنفساء إذا أقدمت على الصيام، فإنهم آثمتان، لا يجوز لهم الصوم بحال. تأتي مسائل كذلك متعلقة بالحيض والنفاس، وأشير إليها إشارة، على أن المرأة متى ما خرج منها دم العادة، فإنها تخرج من باب الصيام، فلا يجوز لها أن تكون صائمة، بل لا يجتمع صوم مع حيض، فعلى هذا فلو أن امرأة كانت طاهرًا وأصبحت إلى الظهيرة، إلى ما بعد العصر، وما بقي من المغرب إلا ساعة زمان، فإذا بها تأتيها الدورة، حكمه يلغى هذا اليوم، يلغى هذا اليوم، ويبقى هذا اليوم ماذا؟ لا يحسب لها، وعليها أن تفطر ولو بقي ساعة، لأن كما قلنا لا يجتمع الصوم مع العادة. مسألة أخرى كذلك، وهي ما لو أن امرأة طهرت، عكس طهرت في الليل، طهرت قل قبيل الفجر، علمت بطهارتها، وطهارة المرأة تكون إما بالجفاف أو بالقصة البيضاء، فلما طهرت وما بقي إلا ساعة الزمان من أذان الفجر، ولا يسعف هذا الوقت أن تجمع بين الاغتسال وبين السحور، فقدمت السحور، فتسحرت وأذن الفجر ولم تغتسل، ما حكمها؟ هل لها أن تصوم؟ تستكمل اليوم الثاني؟ الجواب نعم لها أن تصوم، لأنها طهرت قبل الفجر، ولا يضرها أن أخرت الاغتسال بعد الفجر، المسألة واضحة. فإذا طهرت المرأة قبيل الفجر، طهرت قبيل الفجر، لكن لم يتسن لها الاغتسال إلا بعد الفجر، فلا يضرها ذلك، وذلك لما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم لربما يصبح جنبًا، فلا يغتسل إلا بعد الفجر، فلا يضر ذلك، المهم أنه ينتهي من الحدث قبيل الفجر. ننتقل إلى الموانع وهي الحمل والإرضاع، وأختم به المقام، الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو خافتا على جنينهما، فإنهما يفطران، يفطران، هذه القاعدة العامة، بشرط خافتا، لابد من الخوف، لابد أن المرأة خافت وتخشى إما على نفسها أو على جنينها وصبيها. فإذا كانت المرأة الحامل أو المرضع لا تخاف ولا تخشى من الصيام، إذن هي تخاطب بالصوم، تخاطب بالصوم على الأصل، فإن نفصل، فإن خافت المرأة الحامل والمرضع على نفسيهما، فإنهما يفطران إجماعًا، لأنهما في حيز المرض، لأنهما في حيز المرض، المرأة الحامل تخاف على نفسها من الصوم، هبوط، دوخة، دوران، لا أفطر يا أمة الله، أو مرضع إذا أرضعت يأتيها الهزال ويأتيها النقص، قل لا أفطر يا أمة الله، أنت مريضة، أنت مريضة. فإذا كان الحامل والمرضع تخشيان على نفسيهما من الصوم، فحينها تفطران، لأنهما مما يدخل في حيز المرض، أما إذا كانت المرأة الحامل والمرضع انتبه لا تخاف على نفسيهما، وإنما تخاف الحامل على جنينها، وتخاف المرضع على صبيها، المرأة الحامل تقول: أنا أصوم عادي، ما عندي مشكلة، لكن الخوف على الجنين، الأطباء نصحوني لابد من التغذية حتى أغذي الجنين، الجنان هو الذي فيه هزال، فيه هزال، فيه هزال، فيحتاج إلى تغذية، فتقول الحامل: أنا بالنسبة إلي عادي أصوم، لكن أخشى على الجنين. وهكذا المرضع تقول: أنا أصوم عادي، ما عندي مشكلة، لكن الأطباء قرروا أن صبي يحتاج إلى ذخير من اللبن، فلابد أن أعوض بالبروتينات والكالسيوم ولو في رمضان حتى أغذي صبي، إذن هنا المسألة الثالثة تختلف في أن خشية المرض ليس إليهما، وإنما عن غيرهما، ما حكمه؟ على القول الصحيح أنهما تفطران، وذلك لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، بما ليس في الصحيحين من حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم». فربنا أسقط عن الحامل والمرضع الصوم، وهذا لفظ عام، فيدخل فيه الخوف على نفسيهما أو الخوف على جنينها وصبيها، هذا إخواني في الله خلاصة ما أذكره من الشرط الخامس والسادس، وبهذا انتظم لنا المنظومة الكاملة في معرفة من يخاطب بالصوم، أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، مقيمًا، قادرًا، سليمًا من الموانع، والموانع هي الحيض والنفاس والحمل والإرضاع. فإن شاء الله في يوم غد ننتقل إلى مبحث آخر من المباحث المهمة المتعلقة بأحكام الصيام، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.