الدرس في قصة هود عليه السلام 1، هود ودعوة قوم عاد . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
قصة هود عليه السلام وقومه عاد، حيث سكنوا الأحقاف وعبدوا الأصنام. هود عليه السلام جاء من نسل سام بن نوح ودعا قومه إلى توحيد الله.
دعا هود عليه السلام قومه إلى توحيد الله، لكنهم قابلوا دعوته بالرفض والاستهزاء، واستخدموا قوتهم في البناء والعبث.
قوم عاد أنكروا نعمة الله وطلبوا من هود عليه السلام إحضار العذاب، فدعا هود ربه، وبدأ العذاب بالجفاف ثم جاءتهم ريح فيها عذاب أليم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله فيما نحن فيه من ذكر قصص الأنبياء والرسل، وقد كان الانتهاء في الدرس الأخير من قصة نوح عليه السلام، وأشرنا إلى أن ما بعد نوح إلى إبراهيم هذه الحقبة الزمنية وهي فترة طويلة، بل جاءت بعض الآثار يحسنها جماعة من العلماء أنها عشرة قرون، الله أعلم بما وقع فيها من أحداث وعاش فيها من أمم ومجتمعات، وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح. لكن أشرنا إلى أن هناك بعض الأحداث قد أشار إليها القرآن سنذكرها في هذه الفترة إلى أن نصل إلى زمن إبراهيم عليه السلام، وبعد ذلك التاريخ واضح بين، ومما سنذكره من أهم الأحداث التي حصلت في هذه الفترة، وخاصة من بعد زمن نوح، ما كان من أمر نبي الله هود عليه السلام. هود يذكر أن السابون أنه من ولد سام، قد أشرنا في دروس سابقة إلى أبناء نوح الأربعة ومنهم سام، فذكر النسابون إلى أن هودا عليه السلام جاء من نسل سام، لكن اختلف كذلك فيما بعد كم عدد الآباء بين هود وسام على عدة أقوال يراجع في المطولات. هود عليه السلام ذكر في القرآن سبع مرات باسمه، ذكر في القرآن سبع مرات، وأما قومه وهم عاد فقد ذكروا سبعة وعشرين مرة، ذكروا سبعة وعشرين مرة في كتاب الله جل وعلا، وهذه القبيلة قبيلة عاد سكنت في الأحقاف، ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾، فكان هذا هو الموطن التي سكنوا وعاشوا فيه الأحقاف. والأحقاف في لغة العرب كما قال علماء اللغة هو الجبل من الرمل، الحقف هو الجبل من الرمل، إشارة إلى أن هذه المنطقة كانت عبارة عن منطقة رملية، بل ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل، أهل رمل، مشرفين على البحر، أي ساحلية مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. قال بأرض يقال لها الشحر، هذا ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى نقلا عن قتادة في تفسيره، ويذكر أهل التاريخ إلى أن كلمة الشحر هي كانت تطلق على هذه المنطقة الممتدة من حضرموت من ساحل حضرموت إلى عمان، ذكروا هذا أن هذا مما يدخل في مسمى الشحر. فالشاهد أن هذه المنطقة وهي منطقة الأحقاف هي التي وقعت فيها هذه الأحداث، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنها في الربع الخالي، لأنها مناطق رملية، لكن أكثر من يتكلم من العلماء على أنها منطقة ساحلية شاطئية مشرفة على البحر. قوم هود أو قل قوم عاد هم قوم من العرب، قوم من العرب، وهم ممن عبدوا الأصنام من بعد زمن نوح عليه السلام، ونعتبرهم من أوائل من ظهر بعد نوح من حيث الترتيب، كما جاء بذلك نص القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾، ولهذا ذكرنا أن هذا الحدث من الأحداث التي يمكن أن نجعلها في الأولوية في هذه الفترة الزمنية ما بين نوح إلى إبراهيم أننا نبتدئ بهود. لأن القرآن نص على أن هودا عليه السلام جاء من بعد نوح، وهكذا من تأمل في سورة الشعراء وفي سورة الأعراف يذكر أن يتأمل ويجد أن قصة عاد تأتي بعد قصة نوح، فهذه المؤشرات والدلالات تدل على هذا الترتيب الزمني. أرسل الله عز وجل هودا لدعوة قومه إلى توحيد الله وإلى إفراد العبودية للله جل وعلا، إذ أنهم كانوا يعبدون الأصنام، إلا أن دعوته قد قوبلت بالصد والرد والاعتراض، حتى تطاولوا على هود عليه السلام كما تطاول قوم نوح على نوح. فقال قوم هود وهم عاد: «إنا لننا لراك في سفاهة»، وحاشا أن يكون الأنبياء فيهم صفة السفاهة، حاشاهم، وإنما أعطاهم الله عز وجل رجاحة العقول، وهم أكمل العقول من البشر، لكن هكذا الضلال أن الله عز وجل يزين لهم الباطل فيرونه حقا، ويزين لهم القبيح فيرونه حسنا. فكانوا يرمون هودا عليه السلام بأنه فيه سفاهة ومصاب بخفة عقله، لماذا؟ عندما أخبرهم بأنه مرسل من عند ربه، وأن الله أوحى إليه، وأن الله عز وجل قد جعل لهم يوما آخر تبعث فيه الأجساد والأبدان ويحاسب عليه العباد، إلى آخر ما هنالك. إلا أن القوم كذلك زادوا، لم يكتفوا بالطعن في عقل وفي رجاحة عقل هود عليه السلام، بل تطاولوا حتى على دعوته، فقالوا: «سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين»، يعني يستوي عندنا ما تفعله، تذكر أو لا تذكر، تعظ أو ما لا تعظ، تتكلم معنى محذرا مبينا مرغبا أو لا تتكلم، هذا كله سواء. «سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين»، يعني كما يقال قمة في التهميش، قمة في التهميش، نذارتك وغير نذارتك لا تؤثر ولا تقدم ولا تبدي نفعا عندنا. ومما يذكر عن قوم عاد أن الله عز وجل أعطاهم بسطة وقوة في الأجساد، لهذا قال ربنا عز وجل: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة﴾، فكانوا لهم أجساد عملاقة طويلة القامة، وكان مع هذا الطول كانت عندهم قوة وبطش، كما قال ربنا في آية أخرى: ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾. عندهم جبروت، استغلوا هذه النعمة القوة والعافية استغلوها فيما يكون فيه الاستيلاء على أموال الغير، بل والاعتداء على دماء الغير، وهكذا، ما جاء في قوله عز وجل: ﴿إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾، لم يخلق مثلها في البلاد، سيأتي معنى أن الضمير على القول الصحيح يعود إلى أجسادهم، أن أجسادهم ليس لها نظير وليس لها مثيل من حيث الطول والقوة والجبروت والعظمة والبطش الذي أنعم الله عز وجل عليهم بهذه النعمة. وكان من فعلهم الذي استغلوا به هذه القوة، بدل أن يستغلوها في طاعة الله، استغلوها في أمر سخيف، جاء ذلك مبينا في كتاب الله جل وعلا بقوله: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون﴾، هذا من أفعالهم، ما معنى الآية؟ هود عليه السلام يلوم، ما هذا الذي تصنعون؟ أتبنون؟ أتبنون البنايات البنايات الكثيرة؟ وكان يبنون القصور والبيوت والدور الضخمة الكبيرة، أتبنون بكل ريع؟ اختلف العلماء ما المقصود بالريع؟ قيل الريع ما كان من المداخل التي بين جبلين، يعني جبل هنا وجبل هنا، فإذا رأوا ما مر بين جبلين بنوا فيه بنيانا، وقيل الريع هو الذي يطل على الناس، أماكن تكون مطلة على الناس. فقيل كانوا يتخذون هذه المساكن للنظر للناس، اعتداء على المار ومن كان قد سلك هذا الطريق، فكان له بنيانا ودور وقصور يجعلون على قارعة طريق الخلق، وأكثر العلماء على أن الريع هو المكان المرتفع، المكان المرتفع، أتبنون بكل ريع؟ فالريع هو المكان المرتفع إذا وجدوا مكانا مرتفعا بنوا عليه بنيانا. وهذا لا زال إلى هذه الأزمان، تذهب في بعض القرى والأمصار فتنظر يمنى ويسرى فتجد في هذه التلة بيت، وفي تلك الهضبة قصر، وهكذا تجد بعض الناس يحبون أن يبنوا في الأماكن المرتفعة، فكان هؤلاء قوم عاد يبنون في الأماكن المرتفعة العالية يبنون مثل هذه البنايات والدور. فقال هود: «آية أتبنون بكل ريع آية»، أي بالغ مبالغة في القوة والمتانة، أي هذا البنيان الذي يبنى ليس أي بنيان، بل هذا البنيانكم تجعلون آية عند الناس، الناس ينبهرون من هذا البنيان الذي بني على هذه الشاكلة، إما أنها آية كما قدنا في القوة والمتانة والصلابة، أو أنه آية في الجمال، آية في الجمال، بيت أو قصر مشيد مزخرف مزين مزركش. فهو آية إما في القوة والصلابة والمتانة، وإما أنه آية في الجمال والزينة، ثم قال: «تعبثون»، تعبثون، لماذا تعبثون؟ قال المفسرون: فكان هذا الفعل من قوم عاد إنما كان عبثا، بمعنى أن هذا كله يبنى ولا يسكن، بلا سكن، لماذا عبث؟ عبث أعطاهم الله قوة في الأبدان والأجساد. فكانوا يستنزفونها في بناء القصور والدور والقلاع والأحصنة المشيدة الضخمة الصلبة والمزخرفة، حتى أصبحت آية عند الناس، ثم بعد ذلك وهي في مكان مرتفع، إذا انتهوا منها تركوها، تركوها، وثم بحثوا عن مكان آخر، تحدي فيما بينهم، تطاول استكبار بين قبيلة وأخرى، هكذا يستنزفون قواهم. فكان هود عليه السلام يوبخهم على هذا، وأن هذا مضيعة للأعمار ومضيعة للأبدان والأساد، ولو أنها استغلت في طاعة الله وفي توحيد الله لكان خيرا لهم، فكان هذا من فعلهم مع العبث، وكان هذا من جراء ما أعطاهم الله من قوة الأبدان والأساد. الشاهد إخواني في الله أن هودا عليه السلام لا زال مع قومه يدعوهم إلى توحيد الله جل وعلا، وأن يفردوا الله بالعبادة، حتى وصل إليهم إلى باب مسدود، وما هو هذا الباب؟ أنهم طلبوا منه أن يأتي بعذاب الله كما فعل قوم نوح، قوم نوح استعجلوا العذاب «ائتنا بما تعدنا»، وهكذا قوم هود أرادوا أن يؤس هود من الدعوة ومن الاستمرار قدما في هذا الباب. فقالوا: «فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين»، ائتنا أنت تخوفنا بربك بأن يأتينا بعذاب إن لم نستجيب لك، ها نحن قد كفرنا بك وبما أتيت به، فماذا عسى أن تتوعدنا به؟ فأتنا بما تعدون إن كنت من الصادقين، حينها ما كان من أمر هود عليه السلام إلا أن وافق تريدون هذا؟ فدعا ربه فقال: «قال رب انصرني بما كذبون»، الأمر إليك يا رب، والقوم قد كذبوني وكذبوا دينك، فانتصر لي، فكان هذا أوان أن ينزل العذاب على قوم عاد، فكان من أمر ربنا عز وجل قال: «عما قليل ليصبحن نادمين»، انتظر سيأتيهم العذاب الذي هم استعجلوه. وهم الذين طلبوا، ذكر العلماء أن عذاب عاد قد مغهد بجفاف، هذا بداية عذابهم، ذكر أهل التفسير وأهل التاريخ على أن قوم عاد ابتلاهم الله بالجفاف لمدة ثلاث سنوات، ثلاث سنوات لم تنزل فيها قطرة من السماء، وما مرت على سمائهم سحابة قط في خلال هذه المدة، وإنما كان قحط وجدب وجفاف استمر بهم هذه المدة. إلى أن ظهرت لهم سحابة، إلى أن ظهرت لهم سحابة، قالوا: «هذا عارض ممطرنا»، أي هذه السحابة فيها الغوث، فيها المطر، فيها الرفع للجدب الذي ابتلينا به، فلكن كما قال ربنا عز وجل: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾، وسأتي معنا بإذن الله في درس غد ما يتعلق بهذا العذاب وكيف نزل، وما يتعلق بهذه الريح والصفات التي وصفها الله عز وجل من حيث سرعتها، من حيث حرارتها وبردتها، ومن حيث مدتها، وماذا فعلت بهم، سيأتي هذا بإذن الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.