الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 104، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ الفرق بين التنجيم العام والاستسقاء بالأنواء، مبيناً أن نسبة المطر للنجوم مع اعتقاد تأثيرها المستقل شرك أكبر، بينما اعتقاد كونها سبباً مع إقرار الخالق شرك أصغر. ويفسر قوله تعالى ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ بجعل الشكر تكذيباً أو جعل الحظ تكذيباً بالقرآن.
يستعرض الحديث النبوي الذي عدّ الاستسقاء بالنجوم من أربع خصال جاهلية باقية في الأمة، محذراً من نسب نزول المطر لغير الله. ويبين ابن عثيمين أن عدد الأربع ليس للحصر، وأن الجاهلية منقطعة بالبعثة، وقوله "لا يتركونهن" إخبار وتحذير.
يفسر حديث اتباع سنن من قبل نهياً وتحذيراً من خصال الجاهلية كالفخر بالأنساب والطعن فيها والاستسقاء بالنجوم والنياحة. ويوضح عقوبة النائحة يوم القيامة بملابس من قطران وجرب، مؤكداً أن الكبيرة تحتاج توبة ولا تكفرها الحسنات.
يبين الشيخ العثيمين أن عذاب النائحة في النار سببه عدم الصبر على المصيبة في الدنيا، فالنياحة دليل الجزع. ويقرر أن الجزاء من جنس العمل، فمن لم يغطِ مصيبته بالصبر غُطيت بعذاب النار.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، ومناسبة هذا الباب للذي قبله: فيه ذكر الخاص بعد العام. فالذي قبله باب ما جاء في التنجيم، والتنجيم حكم عام يشمل جميع الحوادث التي تنسب إلى النجوم، سواء كان من مطر أو من غيره. وأما هذا الباب فهو خاص بنسبة الأمطار إليها. فباب ما جاء في التنجيم: نسبة الحوادث عموماً للنجوم. وأما باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء: فهذا خاص بنسبة الأمطار إلى النجوم. وقوله: "الاستسقاء" نسبة إلى السقيا أو طلب السقيا، والمراد بالأنواء: منازل النجوم، يقال: ناء أي طلع، فهو نسبة إلى منازل أي طلوع النجوم. وحكم الاستسقاء بالأنواء فيه تفصيل: فقد يكون شركاً أكبر، وقد يكون شركاً أصغر. فيكون شركاً أكبر: كأن يدعو الأنواء بالسقيا، فيقول: "يا نجم اسقنا"، هذا شرك أكبر، وهو شرك في الألوهية؛ لأنه لا يطلب أو تطلب السقيا إلا من الله، فإذا طلبها أحد من غير الله فقد أشرك شركاً أكبر. وأيضاً من الشرك الأكبر: أن يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجات بذاتها، ليست أنها سبب، وإنما هي التي تنزل المطر، فنسب نزول المطر إليها، فهذا أيضاً شرك أكبر في الربوبية؛ لأنه نسب شيئاً من أفعال الله إلى غير الله. فمن الذي ينزل السقيا من السماء؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فإذا اعتقد أنها تفعل وتقضي هذه الحاجة، فهذا من الشرك الأكبر في الربوبية. وقد تكون شركاً أصغر: هذا إذا اعتقد أنها سبب، فيقول: "نزل هذا المطر بسبب هذا النجم"، وهو يعتقد أن الله هو خالق هذا المطر، هو خالق هذا المطر، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً، جعل ما ليس سبباً سبباً. هذا هو التفصيل في مسألة الاستسقاء بالأنواء. ثم ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة. قال: وقول الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82]. وقوله: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾، قيل في هذه الآية قولان وتفسيران: التفسير الأول: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ أي شكركم، لأن الشكر من الرزق، من رزق الله عز وجل على العبد، ففسر الرزق هاهنا بالشكر، فيكون المعنى: وتجعلون شكركم هو تكذيبكم، وتجعلون شكركم هو تكذيبكم، يعني: بدلاً من أن تشكروا الله عز وجل بطاعته وبنسبة الأشياء إليه، نسبتم ما اختص به سبحانه وتعالى إلى غيره، فَجَعَلْتُمْ شُكْرَكُمْ تَكْذِيبَكُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هذا قول. وقول آخر كما ذكر ذلك ابن القيم: تجعلون رزقكم أي حظكم من هذا الرزق، تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به، يعني: القرآن، يعني تكذبون بالقرآن، فتكذبون هنا يعود على القرآن، فيكون المعنى: وتجعلون حظكم من رزقكم أنكم تكذبون بالقرآن، تكذبون بالقرآن. والآية تحتمل المعنيين وتشتمل عليهما، والله تعالى أعلم. ووجه الشاهد من هذه الآية: أن هؤلاء نسبوا الرزق إلى غير الله، لأن قبل هذه الآية: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 77-82]، وقبلها: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 75-76]. فهؤلاء يرزقهم الله عز وجل بنزول نعمه ومنها المطر، ثم يكذبون بالله سبحانه وتعالى فينسبون نزول هذا المطر إلى غيره. وقالوا: عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. ووجه الشاهد من هذا الحديث في قوله: «والاستسقاء بالنجوم»، والشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الاستسقاء بالنجوم من أمر الجاهلية، من أمر الجاهلية، فدل ذلك على تحريمه، فدل ذلك على تحريمه. فالاستسقاء بالنجوم إنما هو من فعل أهل الجاهلية، لا من فعل أهل الإسلام. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. من هذا الحديث: وقوله «أربع في أمتي»، أربع هنا ليست للحصر، لأن العدد لا مفهوم له، وإنما المراد أن أربع من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد، لأنه يقرب الفهم ويثبت الحفظ. هكذا قال العلامة ابن العثيمين. وهذا مثل قولي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فالموبقات ليست سبعاً بل هي أكثر من ذلك، ولكن هذا كما ذكر العلماء من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد، حتى يفهم المستمع المراد ويثبت ذلك في ذاكرته بحفظه ونحو ذلك. وقوله: «من أمري» وقوله: «في أمتي» يحتمل هنا أن يكون أمة الدعوة أو أمة الاستجابة، لأن الأمة أمة النبي صلى الله عليه وسلم أمتان: أمة الدعوة وهم الذين مطالبون بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم إلى الإسلام ولو كانوا كافرين، فهؤلاء يسمون بأمة الدعوة. وأمة الاستجابة: من آمن به واستجاب لدعوته من المسلمين. وقوله: «من أمر الجاهلية»، الجاهلية: ما قبل البعثة، وعند الإطلاق يتوجه إلى ما قبل البعثة، ولا يجوز إطلاقها على ما بعد البعثة، فلا يجوز أن يقول مثلاً شخص: "جاهلية القرن العشرين"، لأنك لو قلت: "جاهلية القرن العشرين" كأنك جعلت الناس جميعاً كفاراً، جعلت الناس جميعاً كفاراً، لأن الجاهلية إنما هي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والغرض من ذلك التقبيح والتنفير منها، وكلها جهل وقبح. يعني: ليست هذه فقط التي من عمل أهل الجاهلية، فهناك معاصي لم تنسب إلى الجاهلية، وليس معنى أنها ليست قبيحة ولا ينفر منها لا، وإنما هذه النسبة مما يفهم منه التنفير والتقبيح. وقوله: «لا يتركونهن»، قال فيه: إخبار وتحذير، وليس إقرار، وهما يعبر عنه بعض العلماء بالخبر الذي يراد منه الإنشاء. فليس معنى ذلك إقرار ما هم عليه لأنهم لا يتركونهن، وإنما المراد فيه إخبار بأنهم يقعون فيها، وفيه كذلك تحذير من هذا الفعل، كأنه يقول: اتركوا هذه الأربع واحذروها ونفروا منها. ليس معنى إقرارها وأن يعذر أصحابها أو نحو ذلك، لا، وإنما المراد: إخبار يراد منه التحذير. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، المعنى: ليس ذلك أن الأمة قَرَّ على اتباعها سنن أهل الجاهلية، لا، وإنما هو خبر فيه معنى الإنشاء، أي معنى النهي، أي معنى النهي والتحذير، معنى النهي والتحذير. وقوله: «الطعن في الأنساب»، «الفخر بالأحساب»: أي أن يتعالى ويتعاظم بما له من شرف وسؤدد، الحسب هو الشرف والسؤدد، فيتعاظم ويتفاخر لأنه من قبيلة عالية ومن نسب رفيع أو نحو ذلك. فالافتخار بمجرد النسب هذا ليس من عمل أهل الإسلام، بل هو من عمل أهل الجاهلية، لأن الفخر يكون بتقوى الله سبحانه وتعالى، التي هذه التقوى تمنع من التعالي والتعاظم والبغي والعدوان. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. فمن كان لله تقياً فهو المقدم، وهو في ميزان الشرع المكرم عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: «والطعن في الأنساب»: أن يعيب أصل الإنسان، كان يقول: "أنت ابن الدباغ"، يعني: لأن أباه يمتهن مهنة الدباغة، فهو ينتقص من نسب هذا الرجل، فيقول له: "يا ابن الدباغ"، أو كذلك يطعن في نسبة نسبه إلى من ينتسب إليه، فهو من قبيلة ما، يقول: "أنت لست من هذه القبيلة"، من غير برهان ولا حجة ولا دليل، فهذا أيضاً من الطعن في الأنساب. وقوله: «والاستسقاء بالنجوم»، تقدم معنا، وهذا هو الشاهد، ومعناه: أن تنسب المطر إلى النجوم، وهو من الشرك، سواء كان الأكبر أو الأصغر، على التفصيل المتقدم. وقوله: «والنياحة»: أي رفع الصوت بالبكاء. أما البكاء من غير صوت فهذا لا شيء فيه، وإنما المراد إصدار الصوت ورفعه عند البكاء على الميت، يقصد بذلك النوح والحزن ونحو ذلك، فهذا من كبائر الذنوب. ولذلك قال: «النائحة». وقوله: «النائحة» هنا بالمؤنث، خرج مخرج الغالب، لأن الغالب في النياحة إنما تصدر من النساء. فإذا صدرت من الرجل: هل تسمى نياحة؟ نعم تسمى نياحة، لكن هذا قليل في الرجال، هذا قليل في الرجال. فلو أن رجلاً عند المصيبة بكى ورفع صوته، هل ننكر عليه أو لا ننكر عليه؟ ننكر عليه، إذا قال: "لا، النياحة إنما للنساء"، قال له: "نعم للنساء، هذا الغالب فيهن، فأنت تشبهت الآن بالنساء، لو تتحمل، أنت رجل، فكذلك في حقك لا يجوز النياحة، كما أنه لا يجوز في حق النساء". وقوله: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها»، هذا فيه دليل على ما تقدم معنا: أن الكبيرة لابد لها من توبة، ولا تكفرها الأعمال الصالحة مثل الصغائر، تقدم معنا ذلك، وهذا من أدلة القاعدة المتقدمة. وقوله هنا: «تقام يوم القيامة»، أي: تقام من قبرها، تقام من قبرها يوم القيامة، «وعليها سربال من قطران»، سربال: يعني ثوب سابغ، الثوب السابغ الذي يغطي جميع جسد المرأة يسمى سربال. وقوله: «قطران»: هو النحاس المذاب، النحاس المذاب، والعياذ بالله، وهذا من العذاب لهذه العاصية. وقوله: «ودرع من جرب»، الدرع معروف وهو أيضاً ما تلبسه المرأة، والجرب: مرض يكون في الجلد يتأثر بأي شيء يمسه، والمعنى: أن كل جلدها يكون جرباً بمنزلة الدرع الذي يغطي جسدها، يغطي جسدها. وإذا اجتمع قطران وجرب، النحاس المذاب مع الجرب الذي ربما لو مس بالإصبع يتألم، فكيف لو وضع عليه القطران؟ لا شك أن هذا زيادة في الألم والبلاء، زيادة في الألم والبلاء. يقول الشيخ العثيمين: والحكمة يعني في عذابها بهذا العذاب: أنها لما لم تغطي المصيبة بالصبر وهو الغطاء المعنوي في الدنيا، ما غطت مصيبتها بالصبر، فالنياح دليل على الجزع، فالنياح دليل على الجزع، فلما لم تغطي المصيبة بالصبر غطيت بهذا، عذبت من جنس ما لم تصبر عليه، فالجزاء من جنس العمل، قاعدة جليلة عليها أدلة كثيرة، ومنها هذا الدليل: الجزاء من جنس العمل. طيب، نكتفي اليوم بهذا، ونكمل بقية الباب إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى.