الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول والأخير تحذيرًا من محبطات الأعمال، حيث ناقش حديثًا نبويًا يحذر من ثلاثة أنواع من الناس لا يقبل الله منهم أعمالهم الصالحة. يُوضح أن هذه الأفعال تُبطل الأعمال الصالحة وتُحبطها.
المقطعان الأول والثاني يتناولان تفصيل المحبطات الثلاثة وهي العقوق للوالدين، المنان الذي يذكر نعمته على غيره، والتكذيب بالقدر. يشرح كيف أن هذه الأفعال تحول دون قبول الأعمال الصالحة وتؤدي إلى إحباطها.
يشرح المقطع الثالث عقوبة قتل النفس بغير حق، حيث لا يقبل الله من القاتل صرفًا ولا عدلًا، ويؤكد على خطورة هذا الجرم وعقوبته الشديدة في الآخرة.
المقطع الأخير يختم الحديث عن المحبطات ويؤكد على أهمية الابتعاد عنها، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُصلى على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام والذي نختم به بإذن الله ما يتعلق بمحبطات الأعمال، وعودًا لذي بدء في بيان هذه الحلقات، إذ أننا عرجنا على ما يكون من تعلق رمضان بأهل الإسلام بعد انقضائه، وأن ذاك يعود إلى أمرين اثنين: الاهتمام أولًا بالأعمال التي حرصنا عليها في رمضان باستمرارية عليها وعدم الانقطاع عنها، ثم أشرنا إلى الأمر الثاني مما يكون من علاقة رمضان بأهل الإسلام، الحرص على الأجور والحسنات التي اكتسبناها بأن لا تعود عليها معاول الهدم، وهو الذي يعبر عنه بمحبطات الأعمال. فذكرنا وأشرنا إلى قواعد ومسائل، ثم عرجنا إلى أهم المحبطات التي ينبغي أن يتحاشاها أهل الإسلام، وها نحن في ختام هذا المجلس، والذي كذلك أشرنا إلى بعض محبطات الأعمال التي تعود على أعمالنا بالنقصان أو بالبطلان. ومن ذلكم ما جاء عند الطبراني وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا: العاق، والمنان، والمكذب بالقدر». هذا الحديث بشكل عام فيه بيان على أننا أمام أعمال وأقوال تعود إلى أعمالنا الصالحة بالرد والإحباط. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا» اختلف العلماء في معنى الصرف والعدل، ما معناه؟ قيل: إن الله عز وجل لا يقبل منهم توبة، ولا يقبل منهم فدية، وقيل غير ذلك. وقد ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أن الجمهور والأكثر من العلماء على أنهم فسروا الصرف والعدل بمعنى الفرض والنفل، فمعنى الحديث على هذا القول الشهير: ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، أي لا يقبل الله منهم فريضة ولا نافلة. وهذا المراد، وهذا هو المراد على أن الإنسان لربما يتعب بما يقوم به من فعل الطاعات والفرائض والواجبات، وبما يقبل عليه من نوافل وسنن ومستحبات، ومع ذلك يجد أن الله لا يتقبل ذلك منه. كما قد يحصل معنا في رمضان، تعبنا في كثير من الأعمال على حصدها، وعلى أننا نقوم عليها بالحفظ والمحافظة والرعاية والعناية، لكن تجد أن الله ما تقبل ذلك منا. هؤلاء الثلاثة ينبغي أن يعيدوا النظر في الأحوال التي تلبسوا بها، لأن هذه الصفة التي تلبسوا بها مصيرهم أن أعمالهم ترد على وجوههم. أولاهم العاق، العاق، العاق، وهو الذي أرهق والديه خبثًا، والذي قد بلغ من أذيته أن آذى أحد والديه بقول أو فعل. فالعاق مهما صلى وصام، ومهما ذكر الله وقرأ القرآن، فالله عز وجل لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. وقد دلت أدلة أخرى تدل على هذا المعنى، كما جاء من حديث عمر بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان، فممن أنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كنت مع الصديقين والشهداء ما لم تعق والديك، ما لم تعق والديك». فهذا شرط، لربما الإنسان بفعله وأفعاله وعبادته وتعبده لربما كاد أن يصل إلى مقام الأصفياء من المتقين والأخفياء، ومن الصديقين والشهداء، لكن من الذي يحجزه؟ العقوق، فلا تظن يا عبد الله أن عاقًا يصل إلى مقام الشهداء والصديقين، ما يمكن، مستحيل، عاق يصل، لا، ما يصل. فالشاهد إخواني في الله أن العاق بعقوقه يحرم من أجر أعماله حتى يصطلح مع والديه. الثاني: قال عليه الصلاة والسلام: «المنان»، المنان، والذي يمن بنعمته على غيره، فلا يزال يتبجح، ولا يزال يذكر من باب الاستكثار: أعطيت فلانًا، وأنا أعطيت فلانًا، فلان هذا أنا الذي أعطيته، وأنا الذي أكسبته، وأنا الذي... وأنا الذي... فلا يزال يشهر به. وهذا الأمر إخواني في الله أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام على أن هذا السلوك مخل بالمسلم؛ لأنه من كبائر الذنوب. لقد أشرنا إلى أن محبطات الأعمال عدها العلماء من الكبائر، فالمنان وصفًا ووصف فعله بأنه كبير، زد على أنه كبير على أنه رجع هذه المنة إلى أعماله الصالحة فأحبطها. دليل ذلك ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾، فدل ذلك على أن المن يبطل الصدقات، وأنه من محبطات الأعمال. لماذا؟ لأن هذا الإنسان تجده يعتريه ما يعتري كل واحد من الترفع ومن الرفعة والتعاظم، زد على ذلك ما يكون من استحقار خلق الله. ثم أضف إلى هذا وذاك أنه في الحقيقة لم يعطِه من ماله، بل هو من مال الله، من مال الله عز وجل، ما أنت إلا سبب، أعطاك الله من المال لكي تكون سببًا في إعطاء الآخرين، فكان ينبغي لهذا المنان أن يعرف أن ما يمن به على العباد في الحقيقة لله ولرسوله المنة، لله ولرسوله هم الذين لهم حق المنة على العباد، أما أنك تمن على خلق الله فلا. فقال العلماء في هذا الحديث إشارة إلى أن المنان يحبط عمله. وأدخل العلماء كذلك على هذه الصورة أنك تمن، وهي الأعظم أن تمن على الله، أن تمن على الله بأعمالك، بطاعاتك، بما تقوم به: صلي يا عبد الله، يقول: حسبي، حسبي، أصلي إلى متى؟ أنا أخيك فيني أصلي، فرمضان بس، بس هذا الذي أعطيه لله، ويستكثر على الله عز وجل هذا الأمر، ويهدد. دليل على أن مما يدخل في هذه الصورة من صور المنان ما جاء في قوله تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم﴾، بل لا يمن عليكم. الصورة الثالثة من محبطات الأعمال الواردة في هذا الحديث: المكذب بالقدر، الإيمان، الإيمان، الإيمان بالقضاء والقدر من الأمور الواجبة، ومن الأركان العظيمة، فمن أنكر الإيمان بالقدر بأن أنكر شيئًا من مراتبه الأربع: مرتبة العلم، مرتبة الخلق، مرتبة المشيئة، مرتبة الكتابة، أي مرتبة من هذه المراتب الأربع إذا تجاسر مسلم على إنكارها وجحدها ورفضها، فهو يعد مكذبًا بالقدر، حكمه: لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. يؤيد هذا المعنى ما جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أتى إليه أناس -كما في حديث يحيى بن عمر عنده- أخبره أن أناسًا في أرض العراق، في البصرة، ينكرون القدر، ينكرون القدر، وأنه لا قدر، وأن الأمر أنف، وأن الله عز وجل لا يتدخل في تسيير أحوال العباد، وإنما العبد هو الذي... وأن العبد هو الذي يحرك نفسه بنفسه، ما هناك تقدير، ولا هناك تدبير. فقال ابن عمر لما سمع هذا المقال عن أولئك النفر: أخبروهم أني ابن عمر، أني بريء منهم، أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يقسم به ابن عمر: لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منهم حتى يؤمن بالقدر. تأمل: لو أنفق مثل أحد ذهبًا، مهما أتى بعمل صالح كبير، لكنه مردود، هذا الشاهد مردود. فهذا مما ترسم عند سلفنا الصالح على أن إنكار القدر بأي رتبة من مراتبه محبط للأعمال، فالمسلم ما يملك إزاء هذا المقام إلا الإذعان والرضا بقضاء الله وقدره، خيره وشره، وأن كل شيء كما قال الله: ﴿خلقناه بقدر﴾. فهذه الثلاثة إخواني في الله قد جاءت مجموعة في هذا الحديث المبارك في أن الله يعاقب الثلاثة: العاق، والمنان، والمكذب بالقدر، أن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا. وأختم المجلس بهذا العمل، وهو قتل النفس، قتل النفس بغير حق. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». من قتل مؤمنًا فاغتبط -يعني انظر- يعني وصل إلى هذه الجريمة الشنعاء -يعني يفسد النفس بإزهاق الروح- وهذه كبيرة من كبائر الذنوب. قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾. ثم أضف إلى ذلك كأنه اغتبط، يفرح، يفرح، يذهب إلى جماعته وإلى قبيلته وهو شاهر بسيفه أو رافع بندقيته بأنه قتل فلانًا، والله قتلته، وجعلته مرميًا، ويفرح ويحتفل، ربما صفق له. من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، مهما أتى بالعبادات ما أتى، فكلها مردود على وجهه لعظيم ما اقترفه ولعظيم ما فعل. وتأمل يا عبد الله لعظيم هذا الجرم ولعظيم هذا الجزاء، وانظر إلى أفعال الناس لأفعال الناس الذي لم يبالي بحرمات الله رأسًا، ولم يلقي لها بالًا، فتجد أن الواحد يتتبع خصمه حتى يسفك دمًا لكي يفتخر. طبعًا هذا كان لغير وجه حق، أما إن كان لوجه حق كما دلت عليه الأدلة الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». هذه قد دلت الأدلة على جواز إهدار دمهم. أما أنك تهدر دم امرئ مسلم لحظ من حظوظ النفس، لا. فمن خاض في أعراض دماء المسلمين فقد أهلك دينه ودنياه، وأوبق أولاه وآخره. فالسلام يا عبد الله أن تبتعد. قال عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا ولم يتند بدم حرام أدخله الله الجنة». فالشاهد إخواني في الله: هذه أهم المحبطات التي حاولت أن أشير إليها إشارات في بيان أن المسلم يبتعد عنها قدر الإمكان، وذلك لعظيم فعلها ولعظيم أثرها على الأعمال الصالحة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.