يناقش المقطع حكم الشرع في وصف الأمراض المعدية، ويوضح مفهوم العدوى ويفسر حديث 'لا عدوى' للنبي صلى الله عليه وسلم. يشرح أن العدوى موجودة ولكنها تنتقل بتقدير الله.
يجب على المسلم أن يعتقد أن كل ما يحدث هو بإذن الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، مما يزيد من إيمانه ويريح قلبه. الإيمان بالقضاء والقدر يجعل المسلم راضيا بقدر الله ومحتسبا للبلاء.
تظهر الأوبئة حكمة الله وراءها، مثل رجوع الناس إلى ربهم وتمسكهم بدينهم، وتفكر المسلم بعظيم قدرة الله. كما تكون الأوبئة سببا في ظهور أخلاقيات جليلة مثل الصبر والاستجابة لقرارات الجهات المختصة.
تم اختتام الحلقة بالتوجه إلى الله بالاستعانة، والسلام على المشاهدين، ودعوة إلى لقاء آخر في حلقة قادمة.
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. الأمراض المعدية مسائل وأحكام للشيخ الفاضل أبي هاشم جمال بن سرورة، المدرس بدار الحديث بالشيخ. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، المستمعون الأكارم، فهذه الحلقة الثانية من هذه السلسلة، والمعنية بذكر بعض مسائل وأحكام الأمراض المعدية. وأقول: ينقسم المرض من جهة انتقاله وعدمه إلى قسمين اثنين: إلى مرض لازم، وهو الذي يستقر في جسد صاحبه ولا ينتقل إلى غيره، وإلى مرض متعد، وهو الذي ينتقل إلى غيره، وهذا الذي نحن بصدد الحديث عنه بذكر مسائله وأحكامه. وقد أشرنا في الحلقة السابقة إلى الأسباب التي أدت إلى اختيار هذا الموضوع، وبالله التوفيق. وهنا، المستمعون الأكارم، أود أن أتحدث عن حكم الشرع في مثل هذا الوصف، وهو قولنا «أمراض معدية». فكيف نسميها معدية والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى» كما جاء ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن جمع من الصحابة؟ فهذا الخطاب صريح من نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه لا عدوى، وها نحن نقول: «الأمراض المعدية». فالجواب في رفع هذا الإشكال نقول: وبالله التوفيق، العلماء في هذه المسألة قد تباينت أقوالهم. فمن أهل العلم من لا يرى أن هناك عدوى موجودة، وأنه ليس باستطاعة المرض أن ينتقل من جسد لآخر. وهذا قد قال به جماعة من السلف. فعند هؤلاء لا بأس بالصحيح السليم أن يدخل ويزور، بل ويلامس من عنده مرض معدي. وأنه لو وجد من زار مريضا مثلا فأصيب الزائر بمرض، فيقولون: بأن الله إنما ابتلى الزائر في تلك الساعة بالمرض، لأن المرض انتقل إليه عبر المريض. وذلك تمسكا منهم بظاهر الحديث «لا عدوى». فهم لا يرون للعدوى وجودا. ولكن الصواب في هذا الباب ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم، وأن حديث «لا عدوى» هو نفي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يعتقده أهل الجاهلية في العدوى، حيث كانوا يعتقدون أن العدوى تنتقل من جسد إلى جسد بنفسها، لا بتقدير الله. ما هنالك أحد يسيرها، ولا يتحكم بها. وهذا إنه منبثق مما هم عليه من الكفر والشرك. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم هذه العقيدة الجاهلية بقوله: «لا عدوى»، أي لا عدوى على غرار عقيدة أهل الجاهلية. هكذا يفهم هذا الحديث على ما سمعتموه. «لا عدوى»، أي لا عدوى على غرار عقيدة أهل الجاهلية. ولكن هل معنى ذلك أن نلغي مفهوم العدوى مطلقا؟ الجواب: لا. فالعدوى موجودة، دل على وجودها الحس والشرع. أما الحس، فها نحن نرى فردا من أفراد الأسرة يصاب بمرض، ثم هو بالمخالطة يصيب غيره بمرضه. وهكذا ما دلت عليه التجارب العلمية والفحوصات الطبية من إمكانية انتقال المرض من جسد لآخر. فأدلة الحس تثبت وجود العدوى. وهكذا الشرع، فالشرع يثبت العدوى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». وفي لفظه: «كما تفر من الأسد». وقد قال العلماء: بأن الجذام مرض معدي، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم مخالطة صاحبه، حتى لا يصل مرضه إلينا. لكن في هذه المسألة علينا أن نعتقد أن العدوى لا تنتقل بنفسها، كما كان يعتقده أهل الجاهلية، وإنما هي تنتقل بأمر من ربنا، فهو سبحانه إن شاء سلب قوة العدوى فلا تؤثر في أحد، وهو سبحانه إن شاء أبقاها فأثرت. ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم مخالطة المجذوم، من باب الأخذ بالأسباب. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أن هذا الجمع المذكور، والذي قد سمعتموه آنفا، هو قول جمهور العلماء. وهناك أقوال أخرى في المسألة، لكن ما ذكرته لكم هو الأقرب للجواب، والله أعلم بالصواب. وإن شاء الله بعد هذا الفاصل سنواصل الحديث عن الأمراض المعدية مسائل وأحكام. ومن المسائل المهمة التي ينبغي أن نقف عندها ونحن نتحدث عن الأمراض المعدية، مبحث مهم، وهو: ما هي الحكمة من وجود هذا النوع من الأوبئة التي تنتقل إلى الغير؟ أليس الله جل في علاه بقادر على جعل الخلق أصحاء، لا يتلبسون بشيء من الأمراض؟ الجواب: بلى. فإن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ويدل على ذلك: بأن الله سبحانه وتعالى إن أسكن أهل الجنة في الجنة، فإن من نعيمهم أنه لا يمسهم فيها نصب، ولا تعب، ولا سقم، ولا مرض، ولا آفة، ولا عهى، يسلمهم الله ويبرئهم الله من الأمراض. فإذا كان هذا في قدرة الله، فهنا يندفع في الأذهان هذا الإشكال، ويرد هذا السؤال: فما الحكمة من وجود الأمراض والأوبئة في الأمة؟ الجواب: من خلال فهمنا للبحث السابق حول ما ينبغي أن نعتقده في العدوى، وأنها موجودة ولكنها تنتقل بأمر من الله جل وعلا. من خلال هذا المبحث، وفهمه لنا، ستظهر لنا، المستمعون الكرام، حكم كثيرة عظيمة، ينبغي أن نتأمل فيها، وأن نعتبر بما فيها. ومن أعظمها، أي من أعظم الحكم المرادة من وجود هذه الأمراض والأوبئة بين أبناء الأمة: ما يكون من زيادة إيمان العبد بربه، وخاصة الإيمان بالقضاء والقدر، والذي هو أصل أصيل، وركن ركين من أركان الإيمان. فلا يصح إيمان أحد منا إلا بعد أن يؤمن بالقدر خيره وشره، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتظهر حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر في زمن الأمراض المعدية، من عدة أوجه. الوجه الأول: أن تعلم أنه ما يقع في الكون من شيء من خير أو شر إلا بإذن الله. فما وجد هذا الوباء أو نزل إلا بإذن من رب العباد سبحانه وتعالى. فما شاء كان، كما قال جل فعلا: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فحكمه نافذ، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. فما من خالق إلا الله، بخلاف ما يعتقده الملاحدة والكفرة بأن ما نراه إنما هو من صنع الطبيعة، أو ما يعتقده المشركون بأن آلهتهم هي التي أوصلتهم إلى تلك الحالة، وأوجدت تلك الأمراض والأسقام، قاتلهم الله أنى يؤفكون. فالمسلم يعتقد بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. والمسلم، إخواني في الله، متى ما اعتقد هذه العقيدة: بأنه ما من شيء وجد في المعمورة والكون إلا بأمر من الله، حينها يزداد إيمانا بالله. فهذا من وجه زيادة الإيمان. والوجه الثاني من أوجه الإيمان بالقضاء والقدر، وخاصة في أزمان الأمراض والأوبئة: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. فما هناك عشوائية أو خلل في أقدار الله، حاشا وكلا. كمسألة توزيع الأرزاق، فإن الله سبحانه وتعالى قد قسم الأرزاق بين العباد، فجعل هذا غنيا، وذاك فقيرا، فأعطى هذا ومنع ذاك، كل ذلك بتقدير الله، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. بل قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. فكل شيء قد قدره ربنا تقديرا. فالعبد يعلم، عليه أن يعلم، وينبغي عليه ذلك: أنه ما أصيب بهذا الداء إلا لأن الله قدر ذلك عليه، فيهون ذلك على نفسه، ولا يقول بعد ذلك: «لما أنا يا رب؟!» وإنما يرضى ويسلم بقدر الله. وقد قال ربنا جل في علاه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فالإيمان بالقضاء والقدر هو من الإيمان بالله، وهو السبب في راحة القلب، وانشراح الصدر، وهدوء البال. وما تسلَّى المسلمون، إخواني الكرام، في باب المصائب كالذي نحن بصدده من انتشار الأمراض والأوبئة والطواعين في البلدان والدول والأقاليم، ما تسلَّى المسلمون في باب المصائب مثل قول الله جل في علاه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. وهذا مسلك عظيم، لا يتمتع به إلا المسلمون، وهو أن يعلم أن كل ما يعتريه هو بأمر ربه جل في علاه. وبقي هناك، إخواني الكرام، حكم كثيرة، لعلنا نرجئ الحديث عنها في الحلقة القادمة. فأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن ولاه. أما بعد، المستمعون الكرام، فهذا المجلس الثالث في هذه السلسلة المتعلقة بمباحث الأمراض المعدية. وكان حديثنا في المجلس السابق عن الحكمة التي يمكن أن يلتمسها المسلم والمسلمة من وجود الأمراض المعدية في هذه الأمة، وهذه من المباحث المهمة التي ينبغي العناية بها. لأن استشعارك، يا عبد الله، بهذا الباب يجعلك آمنا مطمئنا، بل ربما قد تبتل بالداء بتقدير الله وأنت منشرح الصدر بذلك. كما جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام، وهو يحكي عن حال من كان قبلنا: «وإن كان أحدهم لا يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». وهذه المنزلة، أي الفرح بالبلاء، لا يصلها العبد إلا إذا استشعر بعظيم الحكم والفوائد التي جعلها الله مع البلاء. وقد مضى معنا من الحكم من وجود الأمر، الأمر الأول: الإيمان بالقضاء والقدر، وذكرنا أوجه ذلك في الدرس السابق. وأيضا من الحكم من وراء وجود الأمراض والأوبئة: معرفة درجات أهل الإيمان والإسلام، حيث يظهر لنا الصاخط والمتسخط والمتذمر لحكم الله، بمقابله يظهر لنا المسلم الصابر المحتسب الراضي لحكم الله، وهؤلاء هم أعلى درجة. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فيظهر أهل الصبر خلال فترة الأزمات، فيحبس لسانه عن الشكوى، ويحبس نفسه عن التسخط بالمقدور. ومن الحكم أيضا المستفادة: أن يكون العبد عظيم التعلق بالله. وقد مر معنا: بأن الاعتقاد الصحيح في أمر العدوى أنها تنتقل بأمر من الله. فمن انتقلت له العدوى أو يخشى على نفسه من انتقال العدوى إليه، فليلجأ إلى مسبب الأسباب، وهو رب الأرض والسماء، لأن الأمر أمره، والكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء. فتضرع إلى الله في أن الله جل في علاه يكفيك شر هذا الداء، فإن الأمر كله بيد الله جل في علاه. وبهذا يكون العبد دائم التعلق بربه سبحانه وتعالى. المستمعون الكرام، ومن الحكم أيضا من جراء الأمراض والأوبئة: أن تظهر أخلاق المسلمين. فالأمراض المعدية ميدان لمعرفة أخلاق الناس. فالمصاب مثلا، ومن قدر عليه أن يبتلى بهذا الداء، لا تقتصر معاملته الحسنة مع ربه: بأن يرضى ويصبر ويسلم، بل أيضا عليه أن يظهر أخلاقه الحسنة في حسن تعامله مع الناس، وذلك بأن يبتعد عنهم قدر الإمكان، ولا يخالطهم، حبا منه في عدم إيذاء إخوانه المسلمين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الناس -وفي رواية: خير الناس- رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ربه، ويدع الناس من شره». فهذا رجل آثر أن يبقى في عزلة حتى يقي شره عن الناس، فكان بذلك أفضل الخلق. وهكذا قل من عزل نفسه عن الناس حتى يقيهم من شر مرضه، فهذا هو من خير عباد الله. ولا ينبغي أن يحمل المصاب الضغينة على إخوانه من الأصحاء، حقدا وحسدا، فيسعى إلى نشر مرضه بشتى الطرق إلى غيره، كما سمعنا حصول ذلك في بعض المناطق. فهؤلاء شرار الناس عند الله. وأيضا من الأخلاقيات التي تظهر في أزمان الأمراض والأوبئة: ما يكون من استجابة المواطن للقرارات التي تمنى عليه من قبل الجهات المختصة، سواء كان من السلطات المحلية أو من وزارة الصحة أو من الجهات الأمنية وغيرها، فيكون منه الاستجابة والانصياع والسمع والطاعة، ولا يعترض عليها أو يتقاعس في تنفيذها، امتثالا لقول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وأيضا هي طاعة لولي أمره، وهي من الأخلاقيات العظيمة. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وهكذا تظهر أخلاقيات التجار في البذل والعطاء والجود والسخاء لعامة المسلمين، ممن ضاق عليهم الكرب أو أقعدهم المرض عن متابعة أعمالهم، فكان من أمر أهل الخير والإحسان: السرعة في تقديم يد العون والمساعدة. وهكذا، المستمعون الكرام، أخلاقيات جليلة قد نلتمسها في أوقات الوباء والبلاء، وهي من الحكم العظيمة. إن شاء الله نقف هنا، ونواصل بعد هذا الفاصل. «الأمراض المعدية مسائل وأحكام». المستمعون الكرام، وأيضا من الحكم من وراء الأوبئة: أنها كانت ولا زالت سببا في رجوع الناس إلى ربهم، وتمسكهم بشعائر دينه. وجه ذلك: أن من أسباب انتشار الأمراض المعدية كالطواعين ونحوه: ما يكون من انتشار الفساد والرذيلة. وقد ثبت عند الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا». والطاعون هو من أشد الأمراض المعدية فتكا. فسببه انتشار الرذيلة. لذا متى ما أراد الناس أن يرفع عنهم هذا البلاء، فليكن ذلك بالتوبة النصوح، والرجوع إلى الله، وأداء حقوق العباد. ولعله سيتيسر لنا، بإذن الله، الحديث عن الأعمال الصالحة، وأن من آثارها الرفع والدفع للوباء والبلاء. وأيضا مما يذكر من الحكمة من وراء هذه الأوبئة: أن يتفكر المسلم، بل وأهل الأرض جميعا، بعظيم قدرة الله جل في علاه. فهو الواحد الأحد الفرد الصمد، والذي أرسل على أهل الأرض فيروسا لا يرى بالعين المجردة، فكان كافيا بإسقاط دول كبرى، وأنظمة عظيمة، عتت عن أمر ربها، وتمردت عليه، واغترت بما أوتيت من قوة وعنجهية، حتى بارزت الله بالشرك والكفر والإلحاد والفساد. فما كان من أمر هذا الفيروس، وهو جند من جند الله، إلا أن فعل بهم الأفاعيل، فأصابهم بالذعر والخوف والرعب. فهذا إن دل، فهو يدل على كمال قدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، جل في علاه. وفي ذلك عبرة لكل معتبر، نسأل الله السلامة والعافية. وأيضا، المستمعون الكرام، من الحكم المستفادة من وجود الأمراض والأوبئة: أن نتعرف على فضل الإسلام على أهله، وذلك من خلال تشريعاته وأحكامه. فها هم أهل الغرب والشرق أمام هذا الفيروس قد اتخذوا الكثير من الإجراءات الوقائية، بوضع قواعد وبرامج وأنظمة صحية. وما علموا أن ذلك مذكور، بل ومعمول به في شريعتنا، قبل ألف وأربعمائة عام. فهذا الحجر الصحي الذي ينادون به، قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه، وذلك حينما أرشد بعدم الدخول إلى بلاد الطاعون، ومن كان فيه أمره بعدم الخروج. وأيضا ما يذكرونه من ضرورة العناية بنظافة اليد، فقد جاء ذلك في شريعتنا. فعملية الوضوء للصلاة، والتي تتكرر معنا في اليوم خمس مرات، أكثر من ذلك، فإن عملية الوضوء لا تستفتح هيئته إلا بغسل اليدين قبل المضمضة، وقبل الاستنشاق، قبل إيصال اليد إلى الفم أو العين أو الأنف، ينبغي أن تغسل. وهذا الذي ينادي به أهل الطب الآن بالإجماع. وهكذا من قام من نومه، جاء الشرع بأنه مأمور بأن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء. وهكذا من أراد أن يأكل، فإنه يغسل يديه قبل الأكل. وهكذا قس على ذلك مواطن كثيرة، حث عليها الشرع بضرورة العناية بأمر اليدين. وكذلك ما ينادون به من ضرورة كتم العطاس، لأن الرذاذ من الأمور التي تكون سببا لنشر العدوى، وأنه ينبغي لمن أراد أن يعطس أن يعطس من خلال ثوب أو منديل. وهذا الأمر قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه عليه الصلاة والسلام». وهذا الحديث في الصحيح الجامع، حسنه الشيخ الألباني رحمه الله. عباد الله، إن المسلم، حين يتأمل في مثل هذه المعاني، والتي ظهرت جلية مع هذا الوباء، يعلم فضل الإسلام عليه، فيحمد ربه ليل نهار، أن جعله من أهل الإسلام. إخواني الأعزاء، المستمعون الكرام، لعلني أطلت عليكم بذكر الحكم التي قد نلتمسها من خلال وجود الأمراض والأوبئة، وذلك لأن هذا المبحث، كما أسلفت، من المباحث المهمة التي ينبغي العناية بها جدا، لما لها من أثر بليغ على قلوب المسلمين، وخاصة في أوقات الأزمات والشدائد. وبهذا نعلم أن الله جل في علاه لا يفعل شيئا إلا كان من وراء ذلك حكما كثيرة، لكن علمها من علمها، وهم القلة، وجهلها من جهلها، وهم الكثرة. والله المستعان. وإلى هنا نصل إلى ختام حلقتنا، وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.