الدرس في التعليق على كتاب العلم 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ ابن عثيمين أن طلب الشهادات الجامعية الشرعية لا ينافي الإخلاص إذا قُصد بها نفع الإسلام والمسلمين، وليست غاية في ذاتها. كما بيّن أن في بعض البلدان لا يتيسر طلب العلم إلا عبر الكليات الشرعية، فيكون الدخول فيها وسيلة للتفرغ للعلم لا هدفًا للدنيا.
يبيّن المقطع جواز طلب العلم أو العمل بنية الحسنيين: نيل خير الدنيا والآخرة معاً بشرط عدم إرادة الدنيا وحدها. ويفرق بين من يقصد نفعاً مادياً مشروعاً من ثمار العبادة، وبين المرائي الذي يقصد مدح الناس، محذراً من تحويل فوائد العبادات إلى مصالح دنيوية بحتة.
يحذر النص من جعل الفوائد الصحية والدنيوية دافعًا أساسيًا للعبادات ك الصلاة والصيام، لأن ذلك يضعف الإخلاص ويغفل عن الغاية الشرعية كالتقوى. الفوائد الدينية هي الأصل والدنيوية تبع، لكن يجوز ذكر المضار الدنيوية في مقام الإقناع مع من لا يقبل إلا الأدلة المادية.
يوضح المقطع أن الداعية يجب أن يختار الأسلوب المناسب لكل مقام، فقد يجمع بين الفوائد الدنيوية والدينية أو يقتصر على الدينية فقط. وذلك من حكمة وضع الشيء في موضعه ومراعاة حال المخاطب ومقبوليته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: ما زلنا في الفصل الثاني في فتاوى حول العلم. سئل فضيلة الشيخ ابن العثيمين رحمه الله تعالى: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عند قصدهم العلم والشهادة، فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟ يعني طلاب العلم الذين ينضمون في الجامعات الإسلامية التي يدرس فيها العلوم الشرعية، فقد يتحرج بعض طلبة العلم بظنهم أن طلب الشهادة مما ينافي الإخلاص، مما ينافي الإخلاص. فأجاب الشيخ رحمه الله بقوله: يجاب على ذلك بأمور. أحدها: ألا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، يعني ما ينوي بدراسته تلك الشهادة فحسب والدنيا فحسب، بل يتخلل هذه الدراسة النية الصالحة في أنه بهذه الشهادة ينفع الإسلام والمسلمين ويبث العقيدة الصحيحة بين أوساط، مثلا، الطلاب، أو يقصد بهذه الشهادة أن يعترف به في بعض الدول أو في بعض المنتديات أو في بعض المراكز أو إلى غير ذلك، فلا يكون أو لا تكون نيته الشهادة فقط من أجل أن يعمل بها ويترزق بها فقط، وإنما نيل الشهادة يكون تبعًا، يكون تبعًا، وإلا فقصده أنه يرى بدخوله إلى تلك الدراسة وإلى تلك الجامعة أن ينفع الله به الإسلام والمسلمين، وأن يتفرغ لطلب العلم الشرعي، وأن يلتقي بالعلماء، وأن يستفيد من العلماء، فبهذه النية يرتفع الحرج، يرتفع الحرج، وينال الطالب أجر النية الصالحة. ولذلك قال: يجاب على ذلك بأمور، أحدها أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق، يعني في المراكز التي ينتفع به المسلمون من خلالها، فإن الشخص إذا نال هذه الشهادة استطاع أن يدرس وأن يدخل في المجتمع، وأن تخرج دعوته من حيز، مثلا، المسجد فقط إلى حيز المجتمع، فيلتقي بأصناف من الناس ويخالط كذلك أنواعًا من المستويات، فهذا أيضًا لا شك أنها نية طيبة. قال: لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس غالبًا لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة. وهذا ليس على إطلاقه، فلله الحمد والمنة، بعض طلاب العلم ممن وفق للتفرغ في مراكز أهل السنة دون نيل تلك الشهادات، نفع الله بهم نفعًا عظيمًا أعظم من نفع من حاز مثل تلك الشهادات، ولكن الشيخ يتكلم على واقع بلده، فإن في تلك البلاد الغالب أن الدراسة الشرعية إنما تكون في مثل هذه الدراسات وفي مثل هذه الجامعات، حتى يستطيع الطالب والداعي إلى الله أن يبلغ دين الله، وأن يؤذن له بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كما هو معلوم من حال تلك البلاد. قال: الثاني، يعني من الأمور التي يجاب بها على ذلك، يعني هذا التحرج: قال: الثاني أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات، فيدخل فيها بنية طلب العلم، ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد. يعني الواقع في تلك البلاد أن الشخص ربما لا يستطيع أن يتفرغ لطلب العلم عند العلماء إلا خلال هذه الكليات وهذه المدارس، حتى يكفل وحتى كذلك يعني يتيسر له اللقاء بالعلماء أو إلى غير ذلك، فإذا كان نيته هذا أنه ربما إذا انتمى في مثل هذه الكليات ربما يحرم الجلوس مع العلماء ويحرم التفرغ لطلب العلم، فينوي بدخوله هذا أن يتفرغ لطلب العلم، وأن يلتقي بالعلماء، وأن كذلك يأخذ العلم من هؤلاء العلماء، فإذا نوى هذه النية الحسنة اندفع ذلك الحرج. الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين، حسن الدنيا وحسن الآخرة، فلا شيء عليه في ذلك، لكن لا يكون قصده الدنيا فقط، وإنما قصده الدين والدنيا: الدين يتعلم ويتفقه لينفع نفسه ويرفع الجهل عن نفسه، وكذلك يرفع الجهل عن غيره، والدنيا أن يجد عملًا مناسبًا له يعف به نفسه ويعف به أهله، فإذا جمع بين هاتين الحسنيين فلا حرج في ذلك. ثم ذكر دليلًا على هذا، فقال: لأن الله يقول: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2-3]. قال: وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي، أنظر ما هو الأمر الدنيوي: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾، فرغب في الدنيا، يعني من ثمار التقوى ومن فوائد التقوى أن الله عز وجل يرزق هذا المتقي من حيث لا يحتسب، وهذا ترغيب بأمر دنيوي، رغب في التقوى بأمر دنيوي. فهكذا من دخل في مثل هذه المدارس التي ما فيها مخالفات شرعية، ودخل في هذه المدارس بنية الحسنيين، أن ينال الحسنيين: حسن الدنيا وحسن الآخرة، فلا بأس إن شاء الله بذلك مع الأمرين الأولين، وهو كما تقدم: أن ينفع الله به الإسلام والمسلمين، وأن يتفرغ، وأن يلتقي بأهل العلم وأهل كذلك التقوى الطيب. قال: فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال بأنه مخلص؟ يعني كأنه يقول: الشهادة من عمل الدنيا، فكيف يقال أنه مخلص؟ فأجاب على هذا الإشكال فقال: فالجواب أنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا، فلم يقصد مراءات الناس ومدحهم على عبادته، بل قصد أمرًا ماديًا من ثمرات العبادة، فليس كالمرائي الذي يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله ويريد أن يمدحوه به. يعني نيل الشهادة ليست كعمل المرائي الذي يريد الدنيا بعمله، فأنت بنيلك لهذه الشهادة لا تريد أن يشار إليك بالبنان أو أن يقال: فلان معه شهادة، أو إلى غير ذلك، وإنما تريد بذلك كما تقدم: أن ينفع الله بك الإسلام والمسلمين، وأن تتاح لك الفرص في الالتقاء بطبقات المجتمع، وأن كذلك تنال به وظيفة مناسبة لما أنت عليه من الدعوة ومن العلم، فهذا إن شاء الله لا بأس به، ويختلف عن من يعمل العمل من أجل المراءة. قال: ويريد أن يمدحوه به، لكنه بإرادة هذا الأمر المادي نقص إخلاصه، فصار معه نوع من الشرك، وصارت منزلته دون منزلة من أراد الآخرة إرادة محضة. يعني لا شك أن من دخل في عمل ما وأراد الآخرة المحضة التي لا يشوبها شيء من أمر الدنيا، لا شك أن هذا أفضل وأرفع أجرًا، لأن نيته خالصة، والذي مثلا يريد عملًا يعني من عمل الآخرة بشيء من الدنيا فقد ينقص أجره، ولا يعني ماذا، ولا يحرم من الأجر مطلقًا، ولا يحرم من الأجر مطلقًا، فينبغي أن نميز وأن نفرق بين الأمرين. قال: وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، يعني دنيوية بحتة. لا شك أن العبادات والأوامر فيها فوائد عظيمة دينية ودنيوية، لكن أعظم هذه الفوائد الفوائد الدينية، أعظم هذه الفوائد الفوائد الدينية، والفوائد الدنيوية تأتي تبعًا، تأتي تبعًا. فهنا قال: بعض الناس يركز على الفوائد الدنيوية في بعض العبادات ويهمل الفوائد الأخروية، وهذا خطأ كبير، لأنه يعلق الناس بالدنيا، يعلق الناس بالدنيا. نبه على هذا، وزاد في التوضيح فقال: فمثلا يقولون في الصلاة: رياضة وإفادة للأعصاب. مثلا واحد يتكلم على الصلاة، يعني يريد أن يجذب مثلا بعض الناس إلى الصلاة وأن يرغبهم فيها، فيقول: هذه الصلاة سبب في صحة الجسد، وهذه الحركات كالرياضة اليومية ربما تبعد عنك مرض السكر ومرض السمنة ومرض كذا، ويرغبهم في الدنيا، وهكذا الفوائد الصحية، ولا يذكر لهم الفوائد الشرعية الدينية من يعني فضل الصلاة، ومن كذلك غفران الذنوب: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، وهكذا يذكرهم بقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، ما يرغبهم في الأمور الشرعية والفوائد الدينية، وإنما يذكرهم بأمر الدنيا، وهذا خطأ، وهذا خطأ. نبه الشيخ على هذا. قال: فمثلا في الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، ويتغافل عن الفوائد الدينية من التقوى ومن تزكية النفس وإلى غير ذلك. قال: والمفروض أن لا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل، لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة. ولذلك بيّن الله تعالى في كتابه حكمة الصوم مثلا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل والدنيوية ثانوية، يعني قد تذكر تبعًا، وآخر ما يذكر من فوائد تلك العبادات، من فوائد تلك العبادات. قال: وعندما نتكلم عند عامة الناس فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عندما لا يقتنع إلا بشيء مادي، هذا في مقام مثلا المناظرة أو في مقام الإقناع، إنسان ربما عنده ضعف في قبول الأدلة الشرعية وعنده مجادلة، فهنا، فهنا إن تبين لك وترجح لديك أنه يقتنع بالأمور المادية المحسوسة فلا بأس بهذا. مثلا وهذا من يعني التوفيق الله عز وجل لبعض عامة الناس، مثلا ذكر لي بعض من يذهب إلى مصر للدراسات الدنيوية، يعني من تعلم الطب وغيره، قال: مرة كنا في البيت وكنا مجموعة من الشباب، فجاءت امرأة فاتنة فأظهرت زينتها لهؤلاء الشباب، وكانوا الشباب يعني أهل تقوى وأهل يعني هذا الباب عندهم مسدود لأنهم تربوا على الإسلام في هذه البلاد، فأحد هؤلاء الشباب ثارت ثائرته وأراد من هذه المرأة ما أراد، فذكره أصحابه بالآيات والأحاديث: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ [الإسراء: 32]، وحكم يعني الزاني وكذا، وذكروا له، ولا يزال في غيه، فقال له بعض هؤلاء بذكاء وحنكة: قال له: يا أخي، ما يدريك هذه المرأة قد تكون مصابة بمرض الإيدز، فأنت ستصاب بهذا المرض، قال: كلامك صحيح، فطرد هذه المرأة. انظر: يعني أتي له بالأدلة الكثيرة الشرعية من الكتاب والسنة فلم يقبل، ولا يزال يريد ما يريد، فلما ذكر بهذا الأمر الدنيوي وهو حق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الْأَوَّلِينَ»، فذكره بهذا الأمر، مش بالحديث، إنما بالمرض، وأنها قد تصاب بهذا المرض، فانزجر. فبعض الناس هكذا، هذا نعم قد تذكر بعض الناس بالفوائد الدنيوية أو بالأضرار الدنيوية في ارتكاب المعصية إذا رأيت أنه سينزجر بهذه الأدلة، سينزجر بهذه الأدلة. هذا معنى قوله: وعندما نتكلم عندما لا يقتنع إلا بشيء مادي، فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال، وهذه من الحكمة أن يضع الداعية إلى الله عز وجل الشيء موضعه، فينظر هل هذا المقام يحتاج فيه ذكر الفوائد الدنيوية والدينية، أو يقتصر على الفوائد الدينية فقط، أو يجمع بينهما، فكل ذلك من حكمة الداعية إلى الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر