الصحيح المسند من أسباب النزول  101

الصحيح المسند من أسباب النزول 101

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 101، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تخفيف قيام الليل ونزول خواتيم سورة المزمل

يوضح المحور التزام الصحابة بقيام الليل سنة كاملة وفق أوائل سورة المزمل، ثم نزول خواتيمها ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ تخفيفاً عنهم، مبيناً أن المراد بالقراءة هنا الصلاة مستدلاً بآية ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾.

الجمع بين روايات أول الوحي: اقرأ والمدثر وفترة الانقطاع

يستعرض المحور خلاف الروايات في أول ما نزل، مرجحاً أن آيات "اقرأ باسم ربك" هي أول الوحي المطلق، بينما سورة المدثر أول ما نزل بعد فترة انقطاع الوحي، جامعاً بين حديثي جابر وعائشة وأقوال الحافظين ابن كثير وابن حجر.

الختام والشكر والدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث الجلسة بكتابة كلمة ختامية وتوجيه الشكر والدعاء بالتوفيق للمشاهدين والمستمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة المزمل. قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن محمد يعني المروزي، قال: أخبرنا وكيع عن مسعر عن سماك الحنفي عن ابن عباس قال: لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها سنة. الحديث رجاله رجال الصحيح إلا أحمد بن محمد المروزي أبا الحسن بن شبويه وهو ثقة. وأخرجه ابن جريج، رجاله رجال الصحيح. وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، ورجاله رجال الصحيح. طيب، هذا الحديث ذكره شيخنا رحمه الله تعالى ولم يذكر الآية التي أرادها والتي نزل فيها هذا. فالسؤال الآن: ما هي الآية التي لها سبب نزول من سورة المزمل؟ ما هي الآية التي لها سبب نزول من سورة المزمل؟ يقول الحديث: "لما نزلت أول المزمل" وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. لما نزلت هذه الآية كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان، يعني كانوا يقومون قياماً طويلاً يصلون صلاة الليل فيطيلون في القراءة والصلاة، يطيلون في القراءة والصلاة لأن الله عز وجل قال: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، فأمره في أول الأمر أن يقوم قياماً طويلاً حتى نزل آخرها، يعني آخر سورة المزمل، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. فالسؤال: ما هي الآية التي لها سبب نزول من سورة المزمل والتي دل عليها هذا الحديث؟ من يجيب؟ لأنه قال في هذا الحديث: "لما نزلت أول المزمل" هذا اللي ذكرتها أنت، أول المزمل قد نزلت. "لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم شهر رمضان" يعني كانوا يطيلون القيام لأن الله عز وجل ألزمهم ذلك وأمر به في أول السورة حتى نزل آخرها. هذا هو وجه الشاهد، يعني أن سبب نزول آخر سورة المزمل أن الصحابة كانوا يطيلون القيام في صلاة الليل، فنزلت آخر المزمل لأن فيها ماذا؟ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وعبر هنا وعبر هنا عن الصلاة بالقراءة، عبر عن الصلاة بالقراءة، فالمراد بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي في الصلاة، في الصلاة. ونظير هذا آية أخرى في القرآن أتت القراءة بمعنى الصلاة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، فالمراد بالصلاة هنا ماذا؟ القراءة. فالمراد بالصلاة هنا القراءة، يعني لا ترفع صوتك بالقراءة ولا تخفت صوتك بالقراءة، وإنما يكون بين الرفع والخفت، بين الرفع والخفت. فإذا نستفيد من هذا الحديث أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقومون قياماً طويلاً عملاً بأول سورة المزمل، ثم نزلت هذه الآية فخفف الله عز وجل عنهم. وكان بين أولها وآخرها سنة، بين أولها وآخرها سنة بمعنى أنهم سنة وهم يقومون أقيماً طويلاً سنة كاملة، ثم نزلت الآية فخفف الله عنهم. عندي سؤال آخر: هذه الآية الأخيرة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ ذكر العلماء أن فيها دليلاً من دلائل النبوة، فمن أين نأخذ هذا؟ من يجيب؟ أحسنت، ما شاء الله، هذا هو الجواب. ذكر فيها الجهاد وما قد شرع الجهاد، فهذا دليل على إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأمور مستقبلة ستأتي في المستقبل، ما قد وقعت. فعلم الله عز وجل ضعف الصحابة باشتغالهم بالجهاد والسفر ونحو ذلك فخفف الله عنهم، فهذا أيضاً من الفائدة العارضة التي تضم إلى دلائل النبوة. ثم قال شيخنا رحمه الله: سورة المدثر. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثني يحيى، قال: حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: يا أيها المدثر. قلت: يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً يعني في السماء، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماءً بارداً. قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. قال: الحديث ذكره أي البخاري في مواضع، وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد وعبد الرزاق في المصنف، والطيالسي، وابن جرير في التاريخ وفي التفسير، والحاكم في المستدرك. وفيه يعني في رواية الحاكم: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي". انتبه لهذه الزيادة الآن، انتبه معي. حديث جابر فيه أن جابراً يرى أن أول ما نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وهذا خلاف ما عليه الجمهور، فالجمهور يرون أن أول ما نزل من القرآن هو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما جاء في حديث عائشة في تعبد النبي عليه الصلاة والسلام بحراء بغار حراء، فلما قال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، بعدما ضمه ودفعه، هو يقول له: اقرأ، والنبي يقول: ما أنا بقارئ، ثلاثاً، ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. هذا ما جاء في الصحيحين، حديث عائشة. وهذا الحديث أيضاً في الصحيحين، حديث جابر، وفيه ما ذهب إليه جابر من أن أول ما نزل هو المدثر. لكن هذه الرواية سيأتي من كلام الشيخ أنها رواية صحيحة جاءت في حديث صحيح وهو فاصل في المسألة، هذه الزيادة فاصلة في المسألة: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي". ما معنى "يحدث عن فترة الوحي"؟ يعني عن انقطاع الوحي. فلما نزلت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ انقطع الوحي فترة، فما جاء في حديث جابر هو بعد انقطاع الوحي، بمعنى أن أول ما نزل ماذا؟ ﴿اقْرَأْ﴾، ثم انقطع الوحي، ثم تردد النبي عليه الصلاة والسلام إلى حراء، وهذا معنى قولي: "جاورت بحراء" يعني ذهب وتعبد وتخلى بربه، فلما قضيت جواري يعني لما انتهيت من هذا التعبد والانعزال هبطت، يعني نزلت، فنوديت. هذا فيه أن هذه السورة أو هذه الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نزلت بعد خروجه من الغار، بعد خروجه من الغار، مما يؤكد أنها حادثة أخرى ليست الحادثة التي جاءت في سورة ﴿اقْرَأْ﴾. واضح؟ فإذا أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وأول ما نزل بعد انقطاع الوحي ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. واضح. فخطأ العلماء ما ذهب إليه جابر بن عبد الله، فقالوا: الصحيح ما عليه جمهور العلماء من أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا بهذه اللفظة"، هكذا قال الحاكم، وسيعقب عليه شيخنا. قال: "والبيهقي في دلائل النبوة". قال: "استدراك" يعني من الشيخ. قال الحاكم رحمه الله: "ولم يخرجاه بهذه اللفظة" يعني البخاري ومسلم بلفظ "وهو يحدث عن فترة الوحي". هذه الزيادة أتى بها الحاكم في مستدركه وقال: "لم يخرجاه بهذا اللفظ" يعني البخاري ومسلم. فعقب عليه الشيخ: "استدرك"، فقال: يعني "وهو يحدث عن فترة الوحي" يقصد هذه الزيادة. الحاكم قال شيخنا: "وقد أخرجه البخاري في باب بدء الوحي في كتاب التفسير بتفسيره سورة المدثر وتفسير ﴿اقْرَأْ﴾، ومسلم". إذا هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين، هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين: "وهو يحدث عن فترة الوحي" يعني عن انقطاع الوحي، عن انقطاع الوحي. قال: "تنبيه". قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره ما معناه: "خالف جابر بن عبد الله الجمهور في قوله إن أول ما نزل المدثر، فذهبوا أي الجمهور إلى أن أول القرآن نزولاً سورة ﴿اقْرَأْ﴾". قال: "ثم ذكر حديث الصحيحين" أي الحافظ الذي نبه عليه الشيخ، فقال: "وقد روى مسلم عن طريق عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي". إذا هذا جاء أيضاً من حديث جابر وهو صريح بأن هذا بعد فترة الوحي، يعني بعد انقطاع الوحي. فقال في حديثه: "بينا أنا أمشي إذا سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء يعني نحو السماء، فإذا الملك الذي جاء بحراء جبريل قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه رعباً، يعني على ركبته، جثى على ركبته حتى هويت إلى الأرض يعني من الخوف، فجئت إلى أهلي يعني خديجة رضي الله عنها، فقلت: زملوني، زملوني يعني غطوني، غطوني وهو بمعنى دثروني، دثروني، زملوني، معاني متقاربة بمعنى غطوني، وهذا يكون لمن وقع في خوف شديد أو في برد أو نحو ذلك. فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾" يعني يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام. "فنزلت هذه السورة إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾". قال أبو سلمة: "والرجز الأوثان". "ثم حمى الوحي وتتابع". حمى بمعنى تتابع، و يعني كثر نزول القرآن. وقال: "حمى الوطيس" يعني اشتد، و"حمى الوحي" يعني تتابع وكثر نزوله. قال: "وهذا سياق البخاري". "وهذا السياق هو المحفوظ" يعني الثابت، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لأنه قال في هذا الحديث: "يحدث عن فترة الوحي"، معنى أن هناك شيء نزل قبل الانقطاع، فالانقطاع ما يكون إلا من شيء سابق. قال: "وهذا السياق هو المحفوظ ويقضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: فإذا الملك الذي كان بحراء" يعني ما جاء في حديث عائشة وهو جبريل حين أتى بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ثم إنه حصل بعد هذا فترة يعني انقطاع، ثم نزل الملك بعد هذا يعني بسورة المدثر. ووجه الجمع: أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة. ثم ساق الأدلة على ذلك، وذكر الحافظ نحو هذا في الفتح، يعني أن هذا ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري. فالخلاصة: أن أول ما نزل من القرآن هو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وأول ما نزل بعد فترة الوحي ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كما في حديث جابر، وهو قول جمهور العلماء. طيب، نكتب بياذ. وإلى هنا، والله ولي التوفيق. شكراً للمشاهدة، شكراً.