الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 65، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
توحيد الربوبية يعني إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وهو مثبت في الآيات القرآنية التي تؤكد أن الله هو الخالق الوحيد. هذا التوحيد يستند إلى أدلة قوية من القرآن.
كون الله هو الخالق يستلزم استحقاقه للعبادة، بينما المخلوقات لا تستحق العبادة لأنها مخلوقة وليست خالقة. خلق الله يشمل كل شيء بما في ذلك أفعال المخلوقات.
خلق الله يختلف عن خلق المخلوقين حيث يخلق من العدم، بينما المخلوق يغير صفات الشيء. الله هو المالك المطلق، بينما ملك غيره إضافي وقاصر ومقيد.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسولنا وعلى آله وصحبه، ومن ولهم ما بعد، فقد ذكرنا في آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ العلامة العثيمين، أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. قال رحمه الله: «الأول: توحيد الربوبية، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير». وتفصيل ذلك: أولا، بالنسبة لإفراد الله تعالى بالخلق، فالله تعالى وحده هو الخالق، لا خالق سواه. قال الله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقال تعالى مبينا بطلان آلهة الكفار: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. فالله تعالى وحده هو الخالق، خلق كل شيء، فقدره تقديرا. وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته، وما يقع من مفعولات خلقه أيضا. ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ووجه ذلك أن فعل العبد من صفاته، والعبد مخلوق لله، خالق الشيء خالق لصفاته. ذكر هنا رحمه الله تعالى النوع الأول من أنواع التوحيد، وهو توحيد الربوبية، وعرفه بقوله: «هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير». ويعرف توحيد الربوبية بتعريف ثاني، تعريف آخر، وهو إفراد الله جل وعلا بأفعاله. فإذا شئت قلت هذا، وإن شئت قلت هذا. توحيد الربوبية هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير، أو تقول: إفراد الله جل وعلا بأفعاله، هذا هو توحيد الربوبية. ثم فصل رحمه الله تعالى بذكر ما يتعلق بإفراده جل وعلا بالخلق، ومعناه أنه جل وعلا وحده الخالق، فلا خالق سواه. فهو جل وعلا الخالق وحده، وذكر بعض الآيات من كتاب الله جل وعلا التي فيها بيان إفراده جل وعلا بالخلق. ومنها قوله جل وعلا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾، فليس هناك خالقا مع الله جل وعلا، وليس هناك رازقا معه. فهو جل وعلا الذي له الخلق وحده، فهو الذي خلق وحده، وهو الذي رزق وحده سبحانه وتعالى. ثم قال جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، فكيف تصرف العبادة لمن هو مخلوق وليس بخالق؟ وهل يستويان الذي يخلق والذي لا يخلق؟ لا شك أن الذي يخلق ليس هو كالذي لا يخلق. فإذن كيف يعبد مع الله جل وعلا غيره ممن هو مخلوق؟ وإنما العبادة حق الخالق جل وعلا وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، فالمعنى: عبدوا ربكم لأنه خلقكم. فالذي يستحق العبادة هو الخالق، وأما من هو مخلوق فلا يستحق العبادة. وليس أبطل إبراهيم عليه الصلاة والسلام آلهة قومه التي كانوا يعبدونها من النجوم والكواكب والشمس والقمر، «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» يعني الذي خلق السماوات والأرض. والمعنى: هذه النجوم وهذه الكواكب وهذه الشمس وهذا القمر الذي تعبدونه من دون الله جل وعلا ليست تخلق شيئا، وإنما الذي فطر والذي خلق هو الله جل وعلا، فهو الذي يستحق أن يعبد. ثم بين رحمه الله تعالى أن خلق الله جل وعلا يشمل المخلوقات التي خلقها الله جل وعلا، وما يصدر من هذه المخلوقات. المخلوق وفعله كله من خلق الله جل وعلا. فالعباد الإنس مخلوقون لله جل وعلا، وأفعالهم التي صدرت منهم كذلك مخلوقة لله جل وعلا. حركاتهم وكلامهم وأفعالهم كلها مخلوقة لله جل وعلا. وهكذا خلق الله جل وعلا الجن، فالجن من خلق الله جل وعلا، وهكذا أفعالهم. وهكذا الطيور، وهكذا الأسماك، وهكذا الدواب، وكل المخلوقات هي مخلوقة لله جل وعلا، وهكذا أفعالها وما صدرت عنه. ثم قال رحمه الله تعالى: فإن قيل كيف نجمع بين إفراد الله عز وجل بالخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير الله كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المصورين: «يقال لهم أحيوا ما خلقتم». فالجواب على ذلك أن غير الله تعالى لا يخلق خلقا كخلق الله، فلا يمكنه إيجاد معدوم، ولا إحياء ميت. وإنما خلق غير الله تعالى يكون بالتغيير وتحويل الشيء من صفة إلى صفة أخرى، وهو مخلوق لله عز وجل. فالمصور مثلا إذا صور صورة فإنه لم يحدث شيئا، غاية ما هناك أنه حول شيئا إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير أو صورة جمل. والمداد من خلق الله عز وجل، والورق من خلق الله عز وجل. هذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة إلى الله عز وجل، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق. ثم ذكر رحمه الله تعالى ثانيا: إفراد الله تعالى بالملك، فالله تعالى وحده هو المالك، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. فالمالك الملك المطلق العام الشامل هو الله سبحانه وتعالى وحده. ونسبة الملك إلى غيره نسبة إضافية، فقد أثبت الله عز وجل لغيره الملك، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن لغير الله تعالى ملكا. لكن هذا الملك ليس كملك الله عز وجل، فهو ملك قاصر وملك مقيد. ملك قاصر لا يشمل، والبيت الذي لزيد لا يملكه عمر، والبيت الذي لعمر لا يملكه زيد. ثم هذا الملك مقيد بحيث لا يتصرف الإنسان فيما ملك إلا على وجه الذي أذن الله فيه. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. وهذا دليل على أن ملك الإنسان ملك قاصر وملك مقيد، بخلاف ملك الله سبحانه وتعالى، فهو ملك عام شامل، وملك مطلق. يفعل الله سبحانه وتعالى ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. صل الله وسلم مبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.