الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 69، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
السحر له حقيقة ووجود ويؤثر على المسحور، وينقسم إلى تأثير حقيقي وتأثير تخيلي. السحر يؤثر على نظر الناس ولا يستطيع تغيير حقيقة الأشياء.
يذكر الشيخ العثيمين قصة توضح تأثير السحر على الناس، حيث يرى المسحور الأشياء بشكل مختلف. يوضح أن السحر لا يغير حقيقة الأشياء بل يؤثر على نظر الناس فقط.
يتحدث عن حيل السحرة وتأثيرهم على الناس، ويجب محاربتهم وعدم تمكينهم من اللعب على الناس. يروي قصة جندبل الأزدي مع ساحر وكيفية تصديه للدجل والسحر بمنطق وحكمة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: السحر حق وقوعا، باطل عملا، فمنه حرز، ومنه النفس والعقد، وحكمه الكفر في نص الكتاب، أتى وحد فاعله بالسيف يحصد. ثم الكهانة كفر، والتطير والتنجيم والنوء ممن فيه يعتقد، والعين حق، وبالمقدور ثورتها، وليغتسل العائن منها لمن يجد. قوله رحمه الله تعالى: السحر حق وقوعا، باطل عملا، أي أن السحر وقوعه حقيقة، فهو شيء له حقيقة، حيث أن السحر يؤثر على المسحور، إما بصرفه عن زوجته أو عن عمله أو عن عبادته، وغير ذلك، أو العطف؛ لأن من السحر الصرف والعطف. فالسحر هذا التأثير يدل على حقيقته، خلافا لمن قال: السحر لا حقيقة له، وإنما هو تخيلات، كما قالت المعتزلة، وقال بذلك من أهل السنة أبو حنيفة وابن حزب. فالصحيح أن السحر له حقيقة. وما يدل على أن السحر له حقيقة أن الله جل وعلا أمر بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾. فأمر الله جل وعلا بالاستعاذة به من شر النفاثات في العقد، والنفاثات هن السواحر التي ينفثن في العقد، وهذا يشمل الرجال والنساء، لكن جاء هنا بلفظ المؤنث "النفاثات"؛ لأن الأكثر ممن يحصل منه ذلك النساء، وإلا فالنفاثات وأن نفاثون من الرجال والذين ينفثون في العقد. فلما أمر الله جل وعلا بالاستعاذة من شر هؤلاء دل على أن السحر له حقيقة. بل نبينا عليه الصلاة والسلام سحر، كما جاء في البخاري: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فارقاه جبريل. فهذا دل على أثر السحر وحقيقة السحر، حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يظن أنه أتى أهله ولم يأتيهم عليه الصلاة والسلام. وهذا السحر لا أثر بما جاء به عليه الصلاة والسلام من الوحي؛ لأن من أهل الضلال ممن أخذ هذا وقال: النبي عليه الصلاة والسلام سحر، فربما قال أشياء وهي ليست من الوحي، وهذا باطل. فإن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يقول شيئا يخالف الوحي، وإذا قال شيئا نزل الوحي بتصويبه. وإنما حصل التأثير عليه عليه الصلاة والسلام من هذه الجهة: أنه كان ربما ظن أنه أتى أهله وهو لم يأتيهم، وهذا يدل على أثر السحر وحقيقة السحر، حيث نتج عن ذلك هذا الذي كان يعانيه عليه الصلاة والسلام. والسحر كثر في اليهود عليهم من الله ما يستحقون. ومن السحر ما هو تخيلات، نعم، كأن يخيل للشخص شيئا وليس كذلك، كأن يرى مثلا الحبال ثعابين، يرى الحبال ثعابين من أثر السحر، كما حصل لموسى عليه الصلاة والسلام: رأى الحبال التي ألقاها سحرة فرعون ثعابين، كما قال جل وعلا: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾، يعني تسير، وهي لم تتحرك، وهي حبال ليست بثعابين. فالساحر لا يستطيع أن يغير الشيء من حقيقته إلى شيء آخر، لا يستطيع أن يحول الحبل إلى ثعبان أبدا، ولا يستطيع أن يحول الماء إلى عسل، ولا كذلك الكبش إلى كبشين، ولا الجمل إلى جملين. وإنما يفعل سحرا يؤثر على المسحور، فيرى الجمل جملين أو ثلاثة، أو يرى الماء عسلا، والنار ماء من أثر هذا السحر، أو الحبال ثعابين. وهذا هو عمل السحرة الذي يفعلونه. كان رجل معه كبش، فجاءه ساحر من هؤلاء السحرة، فقال له: أعطني الكبش هذا. قال: ما أعطيك هذا الكبش، الكبش ما شاء الله عليه -يعني كبشا كما يقال على أحسن ما يكون- ما أعطيك هذا الكبش. قال له: أعطني الكبش وإلا حولته كلبا، بدل من أن يكون كبشا حولته إلى كلب. قاله: لا تحول الكبش إلى كلب، ولكن حوله إلى كبشي، خذ كبشا وبقي لي واحدا. لماذا تحوله إلى كلب؟ حول الكبش إلى كبشي. فأفهمه بهذا الجواب: نعم لماذا؟ لن لا يستطيع أن يحول الكبش إلى كبشي، لكن ربما يحول الكبش إلى كلب، فيفعل سحرا فيؤثر على عيني ذلك، فإذا هو ينظر إلى كبشه فيراه كلبا، لكن ما سيجعله كبشي بحيث فعلا يبقي لهذا كبشا ويأخذ الكبش الآخر؛ لأن الساحر ما يستطيع أن يحول الكبش إلى كبشين، ولا الجمل إلى جملين، ولا الحبال إلى ثعابين، لكن يؤثر على عيني المسحور. قد ذكر الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله في شرح لكتاب التوحيد، قال: قصة كان يذكرونها لنا ونحن صغار. قال رحمه الله: جاء ساحر من هؤلاء السحرة إلى قوم قد جمعوا الرطب، جمعوا الرطب في إناء كبير، فجاءهم قال لهم: أنا سأدخل هذا الإناء وأدور في هذا الإناء الذي عليه الرطب، ولا يتحرك ولن يتغير. قالوا: كيف هذا الرطب ستدور عليه برجليك؟ قال: نعم ما سيتحرك. وكان هناك رجل أعلى الشجرة، قال: فأخذ هذا الرجل يدور حول الإناء، يدور حول الإناء خارج، وهؤلاء يرونه يدور على الرطب، وذلك فوق الشجرة، ما يدري هذا الساحر أنه شخصا فوق الشجرة؛ لأنه أثر على هؤلاء فقط الموجودين، حيث جعل السحر يؤثر على عينهم، فظنوا وصاروا يرون هذا الرجل يدور على هذا الرطب. فذلك نادى في أعلى الشجرة قال: يدور حول الإناء، إنه يدور حول الإناء، ما يدور في الرطب؛ لأنه يدور حول الإناء. قال: إنه يدور حول الإناء. فلما علم هذا قال: فإذا سحره في الحال. قال: نعم الآن يدور وسط الرطب، الآن يدور وسط الرطب، وإلا قبل ما كان يدور وسط الرطب. فالشاهد أنه في أول الأمر ما علم بذلك الرجل حتى يؤثر عليه بهذا السحر. فهكذا هو عمل السحر، هؤلاء الدجالون. ومنه ما يفعله هؤلاء اليوم أصحاب السرك، أصحاب السرك الذي يأتي أحدهم ويأخذ سيارة -يعني بصبع واحد- سيارة بصبع واحد يأخذها، وربما يدورها، نعم، وآخر بشعرة يسحب سيارة بشعرة، شعرة طويلة كأنه يسحب السيارة بشعرة، ويفعلون مثل هذه الأشياء، كلها من الدجل، يؤثرون على أعين الناس، وهو لا يسحب سيارة ولا شيء بيده، شعرة ولا يسحب سيارة، السيارة واقفة في مكانها، لكن من أثر هذا السحر يرى الناظر كأن هذا يسحب السيارة أو يحمل السيارة بصبعه أو غير ذلك. أو يدخل في دبر الجمل ويخرج من فمه، يدخل من الدبر ويخرج من الفم، وهو إنما من تحت يدخل من تحت الجمل يمر من تحت الجمل ويخرج من الجهة الأخرى، وذلك الناظر يشاهد: يدخل كيف دخل من دبر الجمل وخرج من فمه، وهو من تحت من أسفل، لكن يؤثرون على ذلك. ومن هؤلاء الذين يدخلون حتى في النار يزعمون أنهم يدخلون النار ولا تحرقهم، يدخلون النار ولا تحرقهم هذه النار. وهناك فرقة يقال لها البطائحية من القاديانية البهائية، قد كانوا في عصر شيخ الإسلام تيمية رحمه الله، كما نقل ذلك ذكر ذلك في مجموع الفتاوى: كانوا يفعلون هذا السحر، يدخلون في النار والناس ما يدخلون -يعني الناس يرونهم يدخلون في النار ويدورون فيها ويخرجون- ما أثرت النار عليهم. فصاح أعلى أو أعظمهم ورئيسهم، صاح قال لنا: نحن لنا أحوال والنار هذه ما تضرنا، ولنا ولنا ولنا. وكان يتبجح مثل هذا الكلام. فقال شيخ الإسلام: فرفعت صوتي، قال: أنا أفعل مثل فعلكم، أنا أفعل مثل فعلكم، وإن لم أفعل فأنا وأنتم سندخل في النار، ومن لم يدخل فهو ملعون بلعنة الله. قال: فقال ذلك وضحك، قال: لكن بشرط. يقول الشيخ الإسلام تيمية رحمه الله: قبل أن ندخل في هذه النار نغتسل بالخل والماء الحار، نغتسل بالخل والماء الحار ثم ندخل في النار، ومن أدخل فهو مغلوب، أو قال: قلت فعليه لعنة الله. قال: فصار يبادر الناس أنه يحاول يخلع القميص حتى يدخل في النار. قلت له: لا حتى نغتسل بالخل والماء الحار. قال الشيخ الإسلام: فجعل ينفس عن الكلام من يحب الأمير ومن يحب الملك اجمع لي حطب. قال له الشيخ الإسلام: يا هذا هذا تطويل الكلام ما يحتاج أن نجمع الحطب، نشعل قنديلا واحدا وأضع أنا وأنت أصبعه، يضع كل واحد منا أصبعه في هذا القنديل، ومن أبى فعليه لعنة الله. يقول شيخ الإسلام: قال فانخنس ما استطعت. فلما سألوا شيخ الإسلام: لماذا قلت لهم نقتسل بالخل والماء الحار؟ قال: هؤلاء لهم حيل، هؤلاء لهم حيل يستخدمون أشياء يدهنون بزيت الضفادع وبكذا وكذا من هذه الأشياء، ثم يدخلون في هذه النار ويزعمون أنها لا تضرهم. فالشاهد من هذا أن السحر هؤلاء لهم حيل حيل يضحكون بها على الناس. وللأسف الشديد صار هذا اليوم من الفن عند كثير من الناس، تقام المهرجانات وتقام الاجتماعات، يقال: اليوم عندنا كذا وكذا شخص يأتي رجال فنان ماهر بالسرك، عنده كذا وكذا، ويجتمع له الناس يدخلون بالمال ليشاهدون هذا الساحر الذي يفعل مثل هذه الأمور، وصار فنا عنده كثير من الناس. نصر الله العافية. والسلام، والواجب محاربة هؤلاء وعدم تمكين هؤلاء باللعب على الناس. ورضي الله عن جندبل الأزدي، رضي الله عنه. ذكر أبو عثمان النهدي رحمه الله، وذكر هذا البيهقي وغيره: أن رجلا كان عند الوليد، فقطع رأس شخص -هذا الساحر كان عنده ساحر يلعب- قطع رأس شخص ثم أعاده إليه -يعني الناس ينظرون حين ينظرون في هذا كأنهم قطع رأسه ثم أعاد الرأس إلى هذا الذي قطع عنه الرأس- فقال بعضهم: سبحان الله يحيي الموت، سبحان الله يحيي الموت. وكان جندبل الأزدي رضي الله تعالى عنه في هذا الوقت، لم يكن عنده ما يقتل به هذا الساحر في المرة في الغداة، ففعل هذا الساحر نفس الفعل: قطع رأس الرجل ثم أعاده إليه -يعني يرونه أنه قطع رأسه وأعاده إليه- فقال: سبحان الله يحيي الموت. فأخذ جندبل السيف عنه، وقطع رأسه، قال: «يحيي نفسه إن كان صادقا». الشاهد أنه لعب دجل إلى آخر ذلك. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.