شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  19

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 19

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 19، ألقاها

باب التعوذ من الفتن وحديث أنس في الإلحاح بالسؤال

يشرح الشيخ باب التعوذ من الفتن في صحيح البخاري مستعرضاً حديث أنس بن مالك عن إحفاء الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمسألة حتى صعد المنبر. ويبين مشروعية التعوذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن كما ورد في أدعية التشهد والأحاديث النبوية.

إلحاح الصحابة في السؤال وغضب النبي وقصة عبدالله بن حذافة

يستعرض المقطع سبب إلحاح الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم بالأسئلة حرصاً على العلم، وصعوده المنبر للوعظ وقوله لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم غضباً. ويسرد قصة عبدالله بن حذافة السهمي وسؤاله عن نسبه ورد فعل أمه وتحقيق العلماء في ذلك.

أحكام النسب في الفراش والشبهة ونهي عمر عن كثرة السؤال

يشرح المقطع قاعدة الولد للفراش ومنع إلحاق النسب بالزنا مع ثبوت النسب في نكاح الشبهة. ويتناول موقف عمر رضي الله عنه في الاستعاذة من الفتن والنهي عن كثرة السؤال عما لا ينفع، ويختم برؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجنة والنار.

الختام والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بأن الله تعالى أعلم بالسرائر والأحوال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: «باب التعوذ من الفتن». قال رحمه الله تعالى: حدثنا معاذ بن فضالة، وهو أبو زيد الزهراني البصري، ثقة، وهو يعتبر من أكبر مشايخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال: حدثنا هشام، وهو الدستوائي، عن قتادة، وهو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي. قالوا: ولد أعمى، وهكذا كان مدلساً، وهكذا رمي ببدعة القدر، إلا أنه كان من علماء التابعين ومن الأئمة الحفاظ، كان آية في الحفظ. عن أنس، وهو ابن مالك أبو حمزة الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمه أم سليم، تلكم الصحابية الجليلة. لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتت بابنها أنس، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس خادمك، أي: اتخذه خادماً لك. فظل يخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله عز وجل، إلى أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مدة تزيد على العشر سنين. وفي خلال هذه العشر السنين، قال أنس رضي الله تعالى عنه: «ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍ قط، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: أَلا فعلت كذا؟» دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في ماله وولده. قال: عن أنس رضي الله عنه قال: «سَأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حتى أَحَفُّوهُ بالمسألة، فَصَعِدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ المِنْبَرَ، فقال: لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا بَيَّنْتُ لَكُمْ». قال: «فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي». قال: «فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى دُعِيَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ، فَقَالَ: «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ». فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ». قال: فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وقال رحمه الله تعالى: وقال عباس النرسي: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، والغالب أنه ابن أبي عروبة، فإنه من أثبت الناس في قتادة. قال: حدثنا قتادة أن أنساً حدثهم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال بهذا، وقال: «كل رجل لافاً رأسه في ثوبه يبكي»، وقال: «عائذاً بالله من سوء الفتن»، أو قال: «أعوذ بالله من سوء الفتن». وقال رحمه الله تعالى: وقال لي خليفة، وهو ابن خياط. وقول البخاري: «وقال لي خليفة»، هذا يدل على أن هذا الإسناد مما سمعه من خليفة مباشرة، وليس صورته صورة التعليق. قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد ومعتمر، وهو ابن سليمان، عن أبيه سليمان بن طرخان، عن قتادة: أن أنا سنحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، وقال: «وقال عائذاً بالله من شر الفتن». أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث أنس بن مالك، بهذه الروايات التي في بعضها اختلاف، وهكذا في البعض الآخر زيادة. أورد هذا الحديث في «باب التعوذ من الفتن». التعوذ من الفتن والتعوذ من الفتن قد ورد في غير ما حديث، ولهذا من الآداب التي ينبغي على أهل الإسلام أن يتحلوا بها هو أنهم يسألون الله عز وجل أن يعيذهم من الفتن. ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يدعو في آخر التشهد وقبل السلام بأن يستعيذ بالله من عذاب القبر، وهكذا من عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. وفي بعضها: «من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، وهكذا من فتنة المأثم والمغرم، إلى غير ذلكم من الأحاديث التي فيها دعاء الله عز وجل بأن يسلم هذا العبد وأن يجنبه هذه الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وماذا دعاء الله عز وجل بأن يعيذ العبد من الفتن؟ هذا من الأمور المشروعة. في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: «سَأَلُوهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَحَفُّوهُ بِالْمَسْأَلَةِ». والإحفاء، الإحفاء كما ذكر العلماء، هو أنهم يلحوا عليه في المسألة، الإلحاح على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمسألة، ولربما كان في ذلك أذية، وكان في ذلك أيضاً مشقة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإحفاء هو بمعنى الإلحاح. وهذا أي: إلحاح الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم بالأسئلة، ليس من باب الإيذاء، ولا من باب حصول المشقة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من باب حرصهم على العلم. قال: «فَصَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ». وهذا فيه مشروعية وعظ الناس وتذكيرهم، وهكذا تعليمهم على المنبر، وأن ذلك ليس خاصاً بخطبة الجمعة. النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موضع، وهكذا في غير ما حادثة، كان عليه الصلاة والسلام يصعد على المنبر فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يذكر ما يريد أن يذكر به الناس. فقال: «لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا بَيَّنْتُ لَكُمْ». وهذا يعني: من الأمور التي أعلمه الله إياها، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب. ولهذا قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. ولهذا قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «قال العلماء: هذا القول منه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه أوحي إليه، وإلا فلا يعلم كل ما سئل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى». قال القاضي، وهو القاضي عياض: «ظاهر الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم: سَلُونِي، إنما كان غضباً، كما قال في الرواية الأخرى: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: سَلُونِي». فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تَسْأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ إِلا بَيَّنْتُ لَكُمْ»، هذا كان على سبيل الغضب منه عليه الصلاة والسلام، وكان غضبه عليه الصلاة والسلام لكثرة إلحاحهم عليه صلى الله عليه وسلم بالأسئلة. قال: «فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِيناً وَشِمَالاً»، والقائل هو أنس، «فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي». وبكاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا خجلاً أنهم ألجأوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول هذه المقالة. وهكذا أيضاً في هذا أدب الصحابة وحرصهم على عدم إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى دُعِيَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ». وقوله: «فَأَنْشَأَ رَجُلٌ»، أي: بدأ الكلام. قال: «كَانَ إِذَا لَاحَى»، والملاحاة هي التنازع، وهكذا التخاصم والمجادلة والمماراة. فهذا الرجل كان إذا تخاصم مع شخص آخر، يدعى إلى غير أبيه. وقد جاء في روايات هذا الحديث أن الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي القرشي، أبو حذافة، وهو من قدماء المهاجرين، وقد مات بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما. فكان إذا تلاحى مع رجل آخر، يدعى إلى غير أبيه. وهذا فيه قذف، أو تعريض بالقدف. القذف واضح: إذا قيل لرجل: أنت ابن زنى، أو أمك زانية، أو أنت لست ابن فلان (الذي ينتسب إليه)، هذا قذف ظاهر. وأما التعريض: فكأن يقول شخص لآخر: «أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ ابْنَ زِنًى»، ويعني بذلك أن المخاطب ليس ممن يتصف بهذه الصفة، وغير ذلك من صور التعريض. فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي أنشأ وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». إذن نسبه صحيح، وما كان لربما رمي به ليس بصحيح. ولهذا جاء في رواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن أم عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنها وعنه قالت لعبد الله بن حذافة: «مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تَقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتُفْضِحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ». يعني: لو قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبوك فلان (رجل آخر)، لفضح الأمر أمام مرأى ومسمع من هؤلاء الصحابة الذين كانوا في ذلك المجلس، وهكذا كانوا حاضرين في المسجد. فقال عبد الله بن حذافة: «وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَحَقْتُهُ». لو قال: أبوك فلان (عبد أسود)، لأخبر أنه لن يتردد في أن يلتحق به. وهذا قد أورد بعضهم استشكالاً في ذلك، وذلك أن الزنا لا يثبت به النسب، فكيف يقول عبد الله بن حذافة: «وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَحَقْتُهُ»؟ وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بجوابين: أحدهما: قالوا: أن يكون هذا الصحابي خفي عليه هذا الحكم، وأن الزنا لا يثبت به النسب، ولهذا قالوا: قد خفي هذا الحكم على من هو أفضل من عبد الله بن حذافة وأعلم منه، وهو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وذلك كما في قصة ابن وليدة زمعة، حين أن تخاصم سعد بن وقاص وهكذا عبد بن زمعة في ذلكم المولود الذي ولدته وليدة وأمة زمعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». وسعد استدل على أن هذا المولود هو أحق به، قال: «يَا بْنَ أَخِي عُتْبَةَ، أَهْدِ إِلَيَّ أَخَاكَ أَنَّهُ ابْنُهُ». فلماذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت هذا النسب؟ لما تقدم قريباً من أن الزنا لا يثبت به النسب. الاحتمال الآخر، والجواب الآخر: ذكر العلماء أن الإلحاق هذا كان بعد وطئها بشبهة، يعني: كان هذا الوطء ليس زنى، ولكن بشبهة. والصحيح من أقوال أهل العلم أن نكاح الشبهة يثبت به النسب، يثبت به النسب. فالولد ينسب إلى أبيه، ولو كان يفرق بين الرجل والمرأة، كمثل: رجل تزوج بامرأة، ثم بان بعد ذلك أنها أخته من الرضاعة، فجاءت امرأة وقالت: أشهد أني أرضعت هذا وهذه التي تزوج بها. فالحاكم يفرق بينهما، وما كانوا من الأولاد ينسبون إلى ذلكم الأب وذلكم الزوج الذي كان منه هؤلاء الأبناء. قال: رضي الله تعالى عنه، قال: «ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً». وقول عمر هذه المقالة، قال العلماء: هذا لتأكيد العقيدة، وأنهم يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم حق الإيمان. هكذا ذكر الإمام العثيمين رحمه الله تعالى. قال: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ». وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، وأن عمر رضي الله تعالى عنه استعاذ بالله عز وجل من سوء الفتن، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله عمر. قال العلماء: خشي عمر رضي الله تعالى عنه أن يقوم أحد آخر فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة تكون فيها فتنة للناس إلى يوم القيامة، فقام مباشرة وقال ما قال. وجاء في بعض الروايات كما عند البخاري في كتاب العلم: أن عمر برك على ركبتيه ثم قال ما قال: «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ». وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى على هذا في كتاب العلم: «باب من برك على ركبتيه عند الشيخ، أو عند المحدث»، أو كما قال رحمه الله تعالى. وكذلك أيضاً هذا فيه النهي عن كثرة السؤال، وهكذا أن يبتدأ الشخص السؤال عما لا يقع. يأتي شخص لربما ويسأل عن أشياء لم تقع بعده: كيف لو حصل كذا؟ وكيف لو حصل كذا؟ إلى غير ذلك. هذا مما لا ينبغي. وربنا تبارك وتعالى قد نهى عن ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾. وقد ذكر العلماء أن كثرة الأسئلة، وهكذا السؤال عما لم يقع بعد ولا يحتاج إلى السؤال عنه، هذا كره لعدة معانٍ: منها أنه لربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين لم يكن محرماً، لكنه حرم بسبب هذا السؤال. ولهذا جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ». وهكذا أيضاً قال العلماء: أن سبب الكراهة أنه لربما كان في الجواب ما يكرهه السائل: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. الآن هذا السائل الصحابي عبد الله بن حذافة، لما قال: «مَنْ أَبِي؟» لو قيل له: فلان بن فلان (شخص آخر غير الذي ينتسب إليه)، لربما كان ذلك سبباً لحصول الكراهة عند هذا الصحابي الجليل، وهكذا ما كان في هذا المعنى. وأمر ثالث: قالوا: أنهم لربما أحفوه عليه الصلاة والسلام بالمسألة، فيكون في ذلك أذية ومشقة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فهذا يجعل المسلم يكون حريصاً غاية الحرص على عدم التعمق في الأسئلة، وأنه لا يسأل إلا عما ينفع، وعما يكون فيه علم. وأما ما كان من باب التعنت والتشدد، وهكذا التعمق في الدين إلى غير ذلك، فهذا منهي عنه. قال: «فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ». ومعنى ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام لم يرَ كالخير الذي هو في الجنة، ولم يرَ كالشر الذي هو في النار، مثل ما رأى في ذلك اليوم. قال: فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الحديث وبهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.

شاركنا على