الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 92، ألقاها
يبدأ الشرح ببيان أهمية باب حماية النبي صلى الله عليه وسلم لحمى التوحيد وسده لطرق الشرك في كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب. يُظهر المقطع الطريقة العلمية التي اتبعها الإمام في تأليف الكتاب.
يناقش تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في مدحه ويشرح الأحاديث التي تثبت ذلك. يُبين أن هذا الغلو قد يؤدي إلى الشرك بالله.
يناقش حكم إطلاق اسم السيد على الله تعالى وعلى المخلوقين، ويخلص إلى أن السيد يطلق على الله تعالى بمعاني الرب والمالك والمولى، وعلى المخلوقين بإضافة السيادة إلى شيء مخصوص أو جهة معينة.
يشرح حكم الإخبار عن شخص بأنه أعلم الناس، ويخلص إلى أنه لا بأس بالقول بأن فلان هو سيد العلماء أو أعلم الناس إذا كان المقصود به التقديم والتعظيم لشخصه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهنه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب، عليه رحمة الله تعالى، في كتابه "قرة عيون الموحدين": قال قوله، باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك. قوله، رحمه الله تعالى -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى- في كتابه "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، باب -أي مدخل- فيما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة جلية. وهذا الباب الذي بوَّب عليه الشيخ رحمه الله تعالى بما سمعتم، أفراده وأحاده تقدمت معنا من أول الكتاب إلى آخره، لأن الكتاب من أوله إلى آخره فيه بيان التوحيد وتقرير التوحيد ومكملات التوحيد وفضل التوحيد، وكل وسيلة توصل إلى ذلك. وفي المقابل فيه النهي والتحذير والإنذار من الشرك بالله تبارك وتعالى، ومن كل وسيلة تفضي إلى ذلك، والتحذير من الشرك كذلك بأنواعه الأكبر والأصغر، وكل ما ينقض أو ينقص التوحيد. فعقد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في آخر هذا الكتاب، في الباب الذي قبل الأخير، من باب ذكر العام بعد الخاص. فأفراد هذا الباب تقدمت، وتقدم الكلام عليها وبيانها وبيان أدلتها، إلى غير ذلك مما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، لما فيه من تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الشرك بالله تبارك وتعالى كبيره وصغيره، وسده لكل باب يوصل أو كل وسيلة تفضي إلى الشرك بالله تبارك وتعالى كبيره وصغيره، وحث النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتوحيد ومكملات التوحيد والوسائل المفضية إلى ذلك. فهذا الباب كما تقدم ذكره، تقدم ذكر أفراده، فالشيخ رحمه الله تعالى أجملها هنا بعد أن فصل. وفي أوائل الأبواب كما مر معنا، أن الشيخ رحمه الله تعالى أجمل في الأبواب الأولى ثم فصل. وهذه الطريقة العلمية من أفضل الطرق لهضم العلم ومسائله، أن يبدأ الإنسان بإجمال يجمل المسائل في مقدمة أبحاثه أو مقدمة دروسه أو ما شابه ذلك، لأن بالإجمال يحصل من المستمعين أو من القارئين تشوفا للتفصيل، ثم بعد ذلك يذكر التفصيل، فتروى رغبات المتشوفين لذلك من معرفة تفصيل ما أجمل. فإذا فصل وكثرة الأبواب وتنوعت الأبواب، ربما حصل شيء من النسيان أو الغفلة عن بعضها، فيحتاج بعد ذلك إلى إجمال آخر، ليضم ما تقدم، فيبدأ بإجمال ثم تفصيل ثم إجمال. وبه تهضم المادة، أي مادة كانت من مواد العلم. وهذه الطريقة قد نبه عليها طائفة من العلماء رحمهم الله تعالى، أنها من أفضل الطرق لتوصيل العلم إلى الغير. وقد سمعت شيخنا رحمه الله تعالى، العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، ينبه على هذه المسألة، وأنها من أفضل المسائل أو من أفضل الطرق لأجل تلقي العلم وتوصيله. والشيخ رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، كما ترون، الذي يعد أفضل كتاب صنفه إنسان في مسائل توحيد الألوهية، لا يوجد كتاب هو أفضل من كتاب التوحيد للإمام العلامة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في الكلام على مسائل توحيد الألوهية. فكما ترون في الأبواب التي قد مرت معنا، كيف أن الشيخ رحمه الله تعالى يبوب الأبواب الدقيقة الدالة على مسائل عظيمة، وعلى تنبيهات لطيفة، وأحيانا على أشياء خفية. وهذا يدلنا أولا على توفيق ربنا تبارك وتعالى لهذا الإمام رحمه الله، ويدل كذلك على حسن سريرته، ويدل كذلك على غزارة علمه، ويدل كذلك على تحقيقه لما يطرقه من المسائل. وهذا من توفيق الله تبارك وتعالى لمن شاء من عباده. فالحاصل أن هذا الباب كما سمعتم، هو من باب ذكر العام بعد الخاص، وذلك لحكمة تقدم ذكرها، أنه فيه إجمال وتنبيه وتنويه وإشارة لما تقدم من الأبواب التي تقدم الكلام عليها في ثنايا هذا الكتاب. ومنه يعلم كذلك علاقة الباب بالأبواب كلها التي تقدمت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في حماية التوحيد والإنذار والتحذير من كل شائبة تخدش في هذا التوحيد، كما تقدم معنا الشيء الكثير، وسيأتي معنا كذلك ما يدل على شيء من ذلك. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك. قال: حمايته صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص. وقد اجتمع هذا الكتاب على اختصاره على أكثر ذلك، والنهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، يعرف ذلك من تدبره وعرف ما تضمنه بابا بابا. وهذه الحماية كما ذكر رحمه الله تعالى، وفيه بيان لحماية النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال والاعتقادات التي يضمحل معها التوحيد أو ينتهي أو ينقص، فلا يكون كاملا. والكتاب قد اجتمع كما ذكر رحمه الله تعالى على ذلك كله. وفي المقابل النهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، من الشرك الأكبر ينقضه، أو مما يضعفه من الشرك الأصغر، أو من الوسائل المفضية إلى ذلك. قال: يعرف ذلك من تدبره وعرف ما تضمنه بابا بابا. وقول رحمه الله تعالى: من تدبره، إشارة منه لطيفة كذلك إلى أنه ينبغي لمن أراد شرح هذا الكتاب أن يتأمل في الأبواب التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لما احتوت عليه من العلوم والمسائل الغزيرة. قال قوله، رحمه الله تعالى، في حديث أنس: أن ناسا قالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: قولوا بقولكم الأول، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله. قال كره ذلك، لألا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء، كما تقدم في قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". وهذا من كمال نصحه للأمة وشفقته عليهم، حذرهم مما يكون ذريعة إلى الغلو فيه. وحديث أنس أيضا صحيح، وأسناده واضح، وعلاقته بالباب واضحة، فمن حماية النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد، وقطعه لكل وسيلة قد تفضي إلى الشرك بالله تبارك وتعالى، إما رأسا وإما أن تكون سببا لنقصان التوحيد شيئا فشيئا. قال رحمه الله تعالى: قول في حديث عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ﴿وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾، رواه أبو داود بسناد جيد. والحديث بهذا اللفظ، حديثه أو إسناده صحيح، كما صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، والشيخ العلامة مقبل الوادعي، رحمه الله الجميع. قال كره ذلك، لألا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء. ومن أعظم الغلو أن يغلى في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيرفع فوق منزلته إلى منزلة الله تبارك وتعالى. فكان من تأديب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن نصحه وشفقته بالأمة، وحماية للتوحيد، أن كان يقطع كل طريق يوصل إلى ذلك أو يفضي إلى ذلك. ومن هذا قوله: "قولوا بقولكم الأول أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان"، أي: لا تجروا بعد خطوات الشيطان، تبدأون بالقول الغلو شيئا فشيئا، فيكون ذلك سببا لخروجكم عن جادة الطريق، وعن التوحيد الذي أمرتم به، إلى الوقوع في شيء من الشرك الأصغر، أو أعظم من ذلك أن تقعوا بسبب الغلو المحض في الشرك الأكبر، بأن يعظم المخلوق مثل تعظيم الله تبارك وتعالى. وهذا للأسف الذي حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنذر، بل وأعاد ذلك وأكثر، وقع فيه فئام من الناس في كثير من الأزمنة، ولا سيما المتأخرة منها، في كثير من البقاع، قد غلا فيه من غلا حتى رفعه إلى منزلة الله تبارك وتعالى. وقد مر معنا في الأبواب السابقة شيء من ذلك، ومن أشهر ذلك ما جاء في "البردة" للبوصيري، حيث قال فيها: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن يوم المعاد آخذاً بيدي ... فذاك وإلا يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فأين الله تبارك وتعالى؟ أليس ملاذا لمن لجأ إليه واستعاذ؟ ما لمن ألوذ به؟ متى عند حلول الحادث العمم، أي: العظيم، ليس له أحد يرجع إليه، يلجأ إليه ويعتصم به ويتوكل عليه، إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. تعالى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ثم قال: "إن لم تكن يوم القيامة آخذاً بيدي"، وإلا يا زلة القدم، "فإن من جودك الدنيا وضرتها"، أي: مما جدت به على الناس، أو مما خلقت به الناس، أن أوجدت الدنيا وضرتها، ما هي ضرة الدنيا؟ الآخرة. ثم قال: "ومن علومك علم اللوح والقلم"، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم علم اللوح والقلم. فكما ذكر من ذكر من أئمة، رحمهم الله تعالى، قال: هذا الرجل ما أبقى لله رب العالمين شيئا، ما أبقى لله رب العالمين شيئا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان هو الذي أوجد الدنيا والآخرة، ومن علمه ما قال، فقط هذا خلقه، قال: "من جودك"، "من جودك" أي: بعض خلقك، بعض جودك الدنيا وضرتها، "ومن علومك" أي: بعض علومك، علم اللوح، علم اللوح والقلم، فماذا أبقى لله رب العالمين تبارك وتعالى؟ لا شيء. فهذا من الغلو المذموم، الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، الحذر مما هو دونه بكثير. كما في الحديث الذي بين أيدينا، قالوا: "أنت سيدنا وابن سيدنا"، قال: "لا تقولوا هذا". كما في الحديث الذي بين أيدينا. فقال في الحديث الأول: قلنا: "أنت سيدنا"، فقال: "السيد الله تبارك وتعالى". وفي الحديث الآخر: "أنت سيدنا وابن سيدنا"، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم الأول، وليستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله". وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل، أي: أن قول هذه المقالة، فيها رفع لمنزلته فوق المنزلة التي يستحقها، وأن هذه منزلة رب تبارك وتعالى، فلا ينازعه فيها أحد، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: "وقول: أنا محمد عبد الله ورسوله"، فأعلى مراتب العبد هاتين الصفتين: العبودية الخاصة، والرسالة. وللنبي صلى الله عليه وسلم أكملها، أي: أكمل مراتب العبودية، لأنه عبد الله حقا، لأنه أعظم من حقق العبودية لله رب العالمين تبارك وتعالى، لذا كان إمام النبيين وسيد الأتقياء، صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك الرسالة، لأنه أعظم رسول أرسل إلى أهل الأرض، ورسالته أعظم الرسالات التي أنزلها الله تبارك وتعالى على أهل الأرض، لأنها شاملة كاملة أبدية. قال: "وقد أخبر تعالى أنه وملائكته يصلون عليه"، أي: على النبي صلى الله عليه وسلم، "وأمر أمته أن يصلوا عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء، وأبلغه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب إلا ذكر معه"، صلوات الله وسلامه عليه. قال: "وإما إطلاق السيد، فقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في "بدائع الفوائد" ما نصه: اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: "أنت سيدنا"، قال: "سيد الله". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "قوموا إلى سيدكم". وهذا أصح من الحديث الأول. قال: "هؤلاء السيد أحد ما يضاف إليه"، أحد ما يضاف إليه، "فلا يقال: التيمي سيد كنده، ولا يقال للمالك سيد البشر". قال: "وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم". أي: منهم من قال: أنه يقال في حق البشر، ولا يقال في حق الله. ومنهم من قال: يقال في حق الله، ولا يقال في حق البشر. قالوا: في هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى، فهو في منزلة الملك والمولى والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق. انتهى. قال: قلت: فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه، ما أنه قال في معنى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، أي: في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، قال: قوله "الله الصمد" إنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد. السؤدد: أي السيادة والعظمة. وأثر ابن عباس رضي الله عنه، ما فيه ضعف، أنه من طريق عبد الله بن صالح، كاتب الليث، فيه ضعف. قال: وقال أبو وائل، وهو الشقيق بن سلم: هو السيد الذي انتهى سؤدده، أي: أنه في أكمل مراتب السيادة. وأثر أبي وائل صحيح، رواه الطبري وغيره. والحاصل والخلاصة في هذه المسألة: هل يجوز أن يقال في حق الله تبارك وتعالى: السيد؟ وهل يقال في المخلوق: السيد؟ وهل يقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم: السيد؟ الجواب: أن السيد يقال: إنه اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "السيد الله تبارك وتعالى". وهذا نص صريح في المسألة. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ومعنى السيد إذا أطلق على الله تبارك وتعالى: بمعنى الرب، بمعنى الرب والمالك والمولى، فهو بهذه المعاني. وإطلاق السيد على الله تبارك وتعالى بهذه المعاني، لا محذور فيه، بل يدل على كمال سؤدده سبحانه وتعالى. وهل يطلق على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد؟ الجواب: أما الإطلاق فلا، أي: لا يقال: السيد، أو سيد الخلق، أو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم مطلقا، لأن السيد الذي هو بمعنى الملك، أو الملك الذي ملك كل شيء، أو المولى الذي له الولاية المطلقة، أو الرب، هذا لا يجوز أن يطلق إلا في حق الله تبارك وتعالى. لكن إذا قيل في حق النبي صلى الله عليه وسلم: يكون له معنى يناسب مقاما ومنزلة النبوة، فيقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم مثلا: سيد ولد آدم، سيد المتقين، سيد المرسلين، فتكون السيادة هاهنا مقيدة مضافة. كما جاء في الصحيحين، من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر". فيجوز إطلاق السيادة على نبي صلى الله عليه وسلم، لكن تكون إضافية، لا مطلقة. سيد ولد آدم، سيد البشر، سيد المتقين، وما شابه ذلك، هذا يجوز في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الأمر الثالث: هل يطلق على غير الله تبارك وتعالى، أو على غير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد؟ أما على المعنى الأول والمعنى الثالث، فإنه لا يجوز، لأن المعنى الأول خاص بالله تبارك وتعالى، فلا يجوز لأحد أن يشرك مع الله تبارك وتعالى في هذا الاسم. وإن كان على المعنى الثاني، أي: سيادة البشر، ولد آدم، فهذه كذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا يشرك معه أحد. ومنه نعلم خطأ بعض الناس، عندما يحيي بعضهم فيقول له: "يا سيد الناس"، "يا سيد الناس"، وما شابه هذا خطأ، لأن سيد الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بقي: هل يقال للمخلوق بأنه سيد، باعتبار المشروع؟ الجواب: نعم، يقوز ذلك، بأن يضاف إلى جهة معينة، أو إلى بلدة معينة، أو إلى قبيلة معينة، بأن يقال مثلا: سيد الأطباء فلان ابن فلان، فالسيد هاهنا يكون بمعنى الرئيس، بمعنى المقدم فيهم، بمعنى أكبرهم. أو يقال: سيد قبيلة فلان، ابن فلان، فلان سيد بني فلان، أو سيد أهل الكوفة، سيد أهل مكة، سيد أهل اليمن، وما شابه ذلك، إضافة إلى شيء مخصوص، يجوز أن يقال ذلك في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، حينما جيء بسعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وكان حينها جريحا، فقال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"، "قوموا إلى سيدكم". الأنصار من سيدهم؟ باعتبار المكان والشرف والرئاسة، سعد بن معاذ. فقال: "قوموا إلى سيدكم". فبهذا الاعتبار، لا بأس أن يطلق على غير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد، وذلك بإضافة هذه السيادة وتقييدها بحسب المقام، إما باعتبار جهة ما، أو قبيلة ما، أو ما شابه ذلك. أن يقال مثلا: سيد العلماء في زماننا فلان من فلان، أي: أنه المقدم، أكبرهم، أجلهم قدرا، وما شابه ذلك. فمثل هذا لا بأس به. والله تبارك وتعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.