شرح قرة عيون الموحدين 60

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 60، ألقاها

مقدمة في مناسبة باب النشرة لكتاب التوحيد

يشرح الشيخ مناسبة باب النشرة لكتاب التوحيد، مبيناً خطورة السحر وحرمة حل السحر بالسحر. يبين أن السحر شرك بالله.

النشرة وأنواعها: المشروعة والممنوعة

يناقش المقطع مفهوم النشرة وأنواعها، قسمها إلى مشروعة وممنوعة، حيث تتمثل المشروعة في الرقى والتعويذات الشرعية والممنوعة في إتيان السحرة.

حكم النشرة في الإسلام وتفسير ابن القيم لها

يناقش حكم النشرة في الإسلام، حيث قسمها ابن القيم إلى نوعين: الأول بسحر مثله وهو ممنوع، والثاني بالرقية والتعوذات المباحة وهو جائز.

حكم استخدام الرقى الشرعية في التداوي

يبين أن استخدام الرقى الشرعية جائز ما لم تكن شركاً، وهو من باب التداوي المباح إذا ثبت نفعها بالتجربة بإذن الله تعالى.

  • 14 جمادى الآخرة 1434هـ - 24/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله تعالى جميعا في كتابه «قرة عيون الموحدين حاشية كتاب التوحيد»، قال: قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «التوحيد» باب ما جاء في النشرة- قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء» أي: مدخل في ما جاء من المسائل والأحكام في حكم النشرة. وكما سيأتي معنا أن النشرة معناها عند العلماء هو حل السحر عن المسحور، وحل السحر قد يكون عن طريق السحرة، وهذا النوع من النشرة ممنوع، وقد يكون حل السحر عن المسحور بالتعويذات والرقى المشروعة ونحو ذلك، وهذا النوع من النشرة جائز المشروع. ومنه نعلم أولا مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد، وهي أنه كما تقدم معنا في الأبواب السابقة أن السحر -ولا سيما الذي يكون بواسطة الاستعانة بالشياطين- السحر شرك بالله جل وعلا، والساحر الذي يتعامل بهذا النوع من السحر أيضا مشرك بالله جل وعلا. وأيضا من ابتلي بالسحر فانطلق إلى الساحر لأجل أن ينشر ما به من السحر -كما ذكر من ذكر من العلماء- أن هذا لا يكون إلا بأن يستعين كذلك ذلك الذي يراد أو الذي يريد الشفاء يستعين بالشياطين ويتقرب بالشياطين، وذلك أن الساحر إذا جاءه ذلك المسحور بطريقة خبيثة ماكرة يقول له: نعم، أنا سأتعاون معك على ذلك، ولكن لا أستطيع إلا بأن تتعاون أنت أيضا معي من أجل أن يحصل الشفاء. فكيف يحصل ذلك التعاون من ذلك المسحور؟ بأن يقرب قربه إلى الشيطان الذي هو ولي ذلك الساحر، فيحصل بذلك ومن ذلك تقربا يحصل من ذلك أو بذلك تقرب من ذلك المسحور الذي يريد أن ينشر عنه السحر، يحصل منه تقرب إلى الشياطين، فيقع في الشرك بالله جل وعلا. وإذا كان كذلك ظهرت المناسبة، إذ أن الشرك بالله جل وعلا مناقض لأصل التوحيد الذي ألف الشيخ رحمه الله تعالى -الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- هذا الكتاب لبيان هذا التوحيد وحقيقة هذا التوحيد وما يتضمنه هذا التوحيد وشروطه، وما يناقض هذا التوحيد وما يضعفه وينقصه. فمنه تظهر مناسبة لطيفة من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في هذا الكتاب. وقد تظهر كذلك مناسبة أخرى، وهي أن الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر باب السحر وتكلم على السحر وأنه شرك بالله جل وعلا، ثم أتبعه بالكلام على أنواع من السحر، ثم أتبعه بالكلام على إتيان الكهان والعرافين -وتقدم أن الكهان والعرافين من السحرة هم من جملة السحرة- ناسب ها هنا أن يذكر الشيخ رحمه الله تعالى الأسباب التي تؤدي إلى ذهاب بعض الناس إلى السحرة. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا بعض الأسباب التي لأجلها يذهب الناس أو بعض الناس إلى السحرة، منها لأجل حل السحر، وهذا للأسف كثير، كثير من الناس إذا ابتلي بالسحر والعياذ بالله سارع إلى الذهاب إلى السحرة والمشعوذين والكهان والعرافين لأجل الشفاء زعم. فشاهدنا من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى لعله لفت النظر إلى هذا المعنى، أن من الأسباب التي تؤدي إلى ذهاب من يذهب إلى السحرة والمشعوذين هو هذا المعنى. وإذا كان كذلك أراد الشيخ رحمه الله تعالى أن يبين أن النشرة إذا كانت على الوجه المذكور السابق، وهي بإتيان السحرة والكهان ونحوهم، أن هذا من النوع المحرم الذي لا يجوز، فأقل أحواله أن يكون حاله كحال من أتى كاهنا، وقد يكون أعلى من ذلك بأن يحصل تقرب من ذلك المسحور لأجل الشفاء تقرب إلى غير الله جل وعلا لأجل أن يشفى بعمل ذلك الساحر. فهذه كذلك مناسبة ثانية لذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث في هذا الباب. ومنه أيضا تظهر المناسبة الثالثة، وهي مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب بعد الأبواب السابقة، بعد باب السحر وأنواع السحر وما جاء كذلك في حكم إتيان الكهان ونحوهم. والمناسبة أن الإنسان إذا ابتلي بشيء من السحر -إذا ابتلي بشيء من السحر- ابتلاه الله جل وعلا بشيء من السحر، فإن الله جل وعلا كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر وغيره- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء». فإذا ابتلي المسلم بشيء من السحر، فقد شرع الله جل وعلا لهم طرقا ووسائل بها يكون الشفاء بإذن الله جل وعلا، فلا يحتاج إلى أن يرجع إلى الكهنة ولا إلى المشعوذين ولا إلى السحرة، بل يسلك الطرق الشرعية التي شرعها له ربه جل وعلا في ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله «باب ما جاء في النشرة»، قال: بضم النون، كما في القاموس: «النشرة بضم النون»، قال أبو السعادات -أي ابن الأثير رحمه الله تعالى في كتابه «النهاية في غريب الحديث»-: «النشرة ضرب من العلاج والرقية يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن»، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء -أي يزال- وهذا نوع من أنواع النشرة، وهو من النشرة المشروعة. قال ابن الجوزي رحمه الله: «النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر» -أي لا يحل السحر إلا ساحر- وهذا هو النوع الثاني من أنواع النشرة، وهو من قبيل النشرة الممنوعة. قال رحمه الله تعالى: قوله عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: «هي من عمل الشيطان»، قال: رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود. وقال: وسئل أحمد عنها، فقال ابن مسعود: «يكره هذا كله». قوله رحمه الله تعالى -أو كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا- قال: هذا الحديث رواه أحمد، ورواه عنه أبو داود في سننه، وحسن الحافظ سناده، وهو حديث صحيح. وأشهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: «هي من عمل الشيطان». وكما ذكر من ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب لأن النشرة في الجاهلية كانت لا تعرف إلا بهذا النوع -أي بالنوع الممنوع- وهو فك السحر بإتيان الساحر -أي لا يفك السحر إلا ساحر- فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هي من عمل الشيطان»، أي: جواب على سؤال سائل عن النشرة التي كانت متعارفة في الجاهلية. فلا إشكال في تقسيم النشرة إلى مشروعة وممنوعة. فالممنوعة كما في هذا الحديث، والمشروعة كما في الأحاديث الكثيرة المتكافرة في جواز الرقى بالرقى الشرعية والتعويذات الشرعية لفك السحر ونحوه، كما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر جاءه جبريل وميكائيل، فجعل جبريل عليه السلام يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعوذات. فهذا فيه دلالة على جواز فك السحر بالرقى والتعويذات القرآنية ونحوها من الرقى المشروعة. قال رحمه الله تعالى: قوله «سئل عن النشرة»، قال: الألف واللام في «النشرة» للعهد، أي: النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، فهو سؤال عن شيء معهود عند الجاهليين، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بجواب يليق بسؤالهم، فقال: «هي من عمل الشيطان». قوله في البخاري عن قتادة: «قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته -أي يحل عنه أو ينشر- قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح». فأما ما ينفع فلم ينه عنه. قوله عن قتادة، قال: هو ابن دعامة بكسر الدال الدوسي، ثقة، فقيه، حافظ، من أحفظ التابعين وأئمة التفسير، قالوا: إنه ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومئة. قوله: «رجل به طب» -بكسر الطاء- أي: سحر، يقال: طب الرجل -بضم الطاء- إذا سحر. قوله: «أو يؤخذ عن امرأته» -بفتح الواو مهموزا وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ذال معجمة- أي: يحبس عن امرأته، لا يصل إلى جماعها، والأخذة -بضم الهمزة- الكلام الذي يقوله الساحر، أي: أن هذا يحصل للرجل ما يسميه الناس اليوم حبس، يحبس عن امرأته فلا يستطيع أن يقربها. قوله: «أي يحل» -بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول- قوله: «أو ينشر» -بتشديد المعجمة- قوله: «لا بأس به»، يعني أن النشرة لا بأس بها؛ لأنهم يريدون بها الإصلاح. وهذا من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم أنه سحر -أي من النشرة المشروعة التي لا يكون بواسطة السحرة وإنما تكون بواسطة الرقى الشرعية والتعويذات الشرعية ونحو ذلك-. قوله: وروي عن الحسن أنه قال: «لا يحل السحر إلا ساحر». قال: هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في «جامع المسانيد». قال: والحسن هو ابن أبي الحسن، اسمه يسار -بالتحتية والمهمل- البصري الأنصاري مولاه، ثقة، فقيه، إمام من خيار التابعين، مات سنة عشر ومئة. وقد قاربت تسعين -يعني كما يرى الناظر ويسمع السامع- أن ابن المسيب في ظاهر قوله أنه يجوز النشرة، والحسن رحمه الله تعالى يمنع النشرة. وهل في أو بين كلاميهما تعارض؟ الجواب: لا. ابن المسيب تكلم على نوع من النشرة وهي النشرة المشروعة، والآخر تكلم على نوع آخر من النشرة وهي النشرة الممنوعة. لذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى -إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر هذين الأثرين عن ابن المسيب وعن الحسن البصري ذكر قول ابن القيم رحمه الله، قال: وهو قوله: قال ابن القيم: «النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: أن ينشر بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز» -أي الأول ممنوع والثاني جائز-. قال رحمه الله تعالى: ومما جاء في صفة النشرة الجائزة ما روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عليث بن أبي سليم، قال: «بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور: الآيات التي في سورة يونس ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]، وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 118-119] إلى آخر الآيات الأربع -أي من سورة الأعراف-، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: 69]»، أي: أن هذه من التعويذات التي سمع بها ليس ابن أبي سليم رحمه الله تعالى، وبلغته عن من عمل بها. وقال بها. ومنه نعلم أن قول المحقق في هذه النسخة: «أثر ضعيف جدا»، فيه نظر؛ إذ أنه لم ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو حكم عليه بأنه معضل، وحكم عليه بأنه كذلك. ماذا فيه أبو جعفر الرازي؟ وأيضا ليس ابن أبي سليم هو الراوي، فلا يقال في مثل هذه: «أنه فيه العلاء». نعم، أبو جعفر الرازي فيه ضعف، لكن العلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذه الآثار يوسعون ما لا يوسعون في الأحاديث المرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أحاديث الأحكام. فهذه أقل شيء أن يقال فيها: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا»، أي: تدخل في عموم هذه القاعدة النبوية التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الرقى. قال: وقال ابن بطال في كتابه في كتاب وهب بن منبه -وهو كان أحد الأخباريين من التابعين- قال: «أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، والقواقل -القواقل أي: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس- قال: ثم يحسى منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله»، فيكون هذا قد يكون هذا مما ثبت بالتجربة. فمثل هذا لا بأس أن يعمل به، لا بأس أن يعمل بمثل هذه الأشياء، فتكون من داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا»، والله تعالى أعلى وأعلم. وتكون كذلك من باب التداوي بما أذن بالتداوي به، ولا سيما إذا ثبت بالتجربة أنه ينفع بإذن الله رب العالمين جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على