الدرس في شرح فتح المجيد 9، ألقاها
العبادة لغة تعني التذلل والخضوع، واصطلاحا تتطلب التذلل والخضوع مع الحب لله تعالى، وتشمل الأوامر والنواهي الشرعية.
العبادة تتفاوت بين الناس وتشمل القلب واللسان والجوارح، وتنقسم إلى خمسة أحكام: الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمباح.
خلق الجن والإنس هو لعبادة الله، واللام في الآية الكريمة هي لام الحكمة الشرعية، وتفرق بين الحكمة الشرعية والكونية.
محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على الجن واشتقاقه، وكذا تقدم معنا الكلام على الإنس واشتقاقه، وتقدم معنا أيضا الكلام مجملا على هذه الآية: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وسأتكلم على كلام الشارع رحمه الله تعالى مبينا لهذا المعنى أو لمعنى هذه الآية. قال رحمه الله تعالى في قوله: "وقول الله" قال بالجر عطفا على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء. عطف على التوحيد، أي في قوله: "كتاب التوحيد". وكتاب التوحيد كما سبق وذكرنا في الدرس الماضي أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا كتاب التوحيد. ويجوز أن يكون منصوبا على فعل محذوف، يكون منصوبا على أنه مفعول به لفعل محذوف، أكتبوا كتاب التوحيد أو ما شابه ذلك. فالتوحيد مضاف إليه مجرور. وقوله: "وقول الله" معطوف على المجرور، والمعطوف على المجرور مجرور. قال رحمه الله تعالى: ويجوز الرفع على الابتداء، أي ويجوز أن يكون "وقوله" مبتدأ. وقول الله تعالى... قال شيخ الإسلام رحمه الله: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل. تقدم الكلام على هذا. وأيضا على قوله: "والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" أيضا تقدم الكلام على هذا. قال ابن القيم رحمه الله: ومدارها على خمس عشرة قاعدة. من كملها كمل مراتب العبودية. وقوله رحمه الله تعالى: "من كملها كمل مراتب العبودية" فيه إشارة إلى أن العبودية تتفاوت، وأن الناس فيها متفاوتون. فمنهم الكمل ومنهم دونهم. قال: وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح. لأن العبادة كما مر معنا في الدرس السابق إما أن تكون بالقلب، فتكون عبادة القلب، وذلك باعتقاده. وهذا قول القلب، ولا بد منه. وقد يكون بأعمال القلب من محبة وخشوع وإخلاص وتوكل وإنابة إلى غير ذلك من أعمال القلب. قالوا: واللسان وتقدم معنا أيضا أن عمل اللسان أو قول اللسان منهما هو ركن في الإسلام والتوحيد والعبادة، والنطق بالشهادتين. ومنهما هو من واجباته، ومنهما هو من مستحباته. والجوارح كذلك، العمل بالجوارح منهما يكون واجبا، ومنهما يكون مستحبا. قال رحمه الله تعالى: والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح. وهذه الخمسة يسميها الفقهاء بالأحكام التكليفية. العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: والأحكام التي للعبودية، بمعنى التي أمر الله عز وجل بها. والأمر قد يكون أمرا بالفعل، وقد يكون أمرا بالترك. قال رحمه الله تعالى: وهي خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح. من العبادات ما يكون فعله واجبا، ومنه ما يكون فعله مستحبا، ومنه ما يكون تركه واجبا، ومنه ما يكون فعله محرما وتركه واجبا، ومنه ما يكون فعله مكروها وتركه مستحبا، ومنه ما يكون مباحا. فهذه خمسة أمور. يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح خمسة، في ثلاثة كم يساوي؟ خمسة عشر. واضح. جميع أعمال العبودية مدارها على خمس عشرة قاعدة. هذا مقصود رحمه الله تعالى. قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: وقال القرطبي: أصل العبادة التذلل والخضوع. أي أصلها لغة التذلل والخضوع. ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته المشهورة: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبدي. والمور المعبد هو الطريق المذلل. فهذا شاهد من لغة العرب ومن أشعار العرب الفصحاء الأقحاح. فهو يصف ناقته بأنها تباري، والمباراة بمعنى أنها تسابق غيرها من الإبل. قال: "تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد". وظيفا وظيفا أي أن أقدامها الأخرى تحاذي أقدامها الأمامية من سرعتها. والشاهد من هذا البيت قوله: "فوق مور معبد". والمعبد هو الطريق المذلل. فالعبادة لغة كما ذكر التذلل والخضوع. قال رحمه الله تعالى: قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح هي أخص. قال: لأنه لا بد فيها من وجود الركن الأعظم وهو الحب. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الكافية الشافية: "وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ". فلا بد من تحقق هذين الأمرين لأجل أن يقال أن ذلك القول أو العمل أنه عبادة. قال رحمه الله تعالى: وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى. قوله رحمه الله: "وظائف الشرع" أي أوامر ونواهي الشرع على المكلفين. وقوله رحمه الله تعالى: "على المكلفين" أي على المخاطبين بتلك الأوامر وتلك النواهي. والفقهاء يعبرون عن الإنسان الذي هو مخاطب بخطاب الشرع بأنه مكلف، باعتبار أن الله عز وجل كلفه بأمور يقوم بها. قال رحمه الله: وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات. قال: لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ومعنى الآية أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته. فهذا هو الحكمة في خلقهم. قال الشيخ عبد الرحمن رحمه الله: قلت: وهي الحكمة الشرعية الدينية. وفي قوله رحمه الله تعالى: "وهي الحكمة الشرعية الدينية" إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن الحكمة حكمتان أو قل على قسمين: حكمة شرعية دينية وحكمة كونية قدرية. والحكمة الشرعية يحبها الله عز وجل، وهي التي أمر الله عز وجل بها شرعا. فأمر الله عز وجل وشرعه من الحكمة الشرعية. والحكمة الشرعية قد تقع وقد لا تقع. واضح. ما أراده الله شرعا فإنه يحبه. وما أحبه الله عز وجل وأمر به شرعا قد يقع وقد لا يقع. فإيمان المؤمن يحبه الله عز وجل. وأمر الله عز وجل للكافر بالإيمان يحبه الله عز وجل. فما أمر الله عز وجل به مما يحبه فهو داخل تحت الحكمة الشرعية. واضح. الإرادة الكونية هي التي تقع ولا محالة، وقد يحبها الله وقد لا يحبها. فإيمان المؤمن داخل تحت الإرادة الكونية لأن الله أحبه ووقع. وكفر الكافر لا يحبه الله عز وجل، ووقع. فهو داخل تحت الإرادة الكونية. واضح. الإرادة الشرعية تنفصل عن الإرادة الكونية في إيمان الكافر، وفي أمر الله عز وجل الكافر بالإيمان وهو لم يؤمن. وتنفصل الإرادة الكونية عن الإرادة الشرعية بكفر الكافر إذا كفر. واضح. أنهم يجتمعان في صورة، وهي إيمان المؤمن. فإيمان أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يحبه الله عز وجل، ووقع. فهو داخل تحت الإرادة الشرعية والكونية. قال الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى: "وهي الحكمة الشرعية الدينية" ليدلل على أن هذه الحكمة يحبها الله عز وجل، وهي من الحكمة الشرعية، لكنها قد تقع وقد لا تقع. واضح. فآمن من آمن، ووحد من وحد، وكفر من كفر. فلا ينزى من قول الله عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أن يكون الناس كلهم موحدون. لأن الحكمة ها هنا شرعية. إذ لو كانت كونية لآمن الناس كلهم. واضح. هذا الكلام المقتصر يفصل الخطاب بين أهل السنة والجماعة وبين طوائف زلت أقدامهم في هذا الباب. لأنهم لا يعرفون إلا إرادة واحدة، وإلا حكمة واحدة. قالوا: ما هناك عندنا حكمة وحكمة، ما عندنا إلا حكمة واحدة. لو كانت اللام ها هنا للحكمة الكونية، لوجب أن يؤمن العباد كلهم. إذن اللام ها هنا لام الحكمة الشرعية. واضح.