كتاب الحج 15

الدرس في كتاب الحج 15، ألقاها

صفة الحج وأحكام يوم التروية والعرفة

يشرح صفة الحج على وفق ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول أحكام يوم التروية والإحرام والوقوف بعرفة. يبين أهمية الوقوف بعرفة وأنه أحد أركان الحج.

أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة

يشرح أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، حيث يستحب للحاج أن يقف بعرفة داعيًا متضرعًا لله. يدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا.

أعمال الحاج في مزدلفة ومنى وآداب أخرى

يشرح أعمال الحاج في مزدلفة ومنى، بما في ذلك الوقوف عند المشعر الحرام ورمي جمرة العقبة والنحر والحلق أو التقصير والطواف والسعي. كما يستحب شرب ماء زمزم بنية التضلع والدعاء بعد الشرب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه: قال باب صفتي الحج، أي مدخل في بيان صفتي الحج، أي الحج على وفق ما شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والأصل في هذا ما جاء أو ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: «خذوا عني مناسككم». قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإذا كان يوم التروية، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي يوم التروية بيوم التروية؛ لأن الحجيج حينها كانوا يتزودون بالماء لأجل الوقوف بعرفة، يتزودون فيه بالماء لأجل الوقوف بعرفة، فسمي هذا اليوم يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. قال: وإذا كان يوم التروية، فمن كان حلالًا -ومعنى من كان حلالًا: إما أنه كان متمتعًا فأحل بعمرته بعد العمرة، فهو حلال، أو أن إنسانًا أنشأ الحجة في ذلك الوقت، أنشأ الحجة في ذلك الوقت، فكان حلالًا- فكما قال رحمه الله تعالى: فمن كان حلالًا أحرم من مكة، أحرم من مكة، أي إذا كان في مكة أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، أحرم من مكة وخرج أولًا إلى منى، خرج إلى منى وبات بمنى بعد أن يصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكذا الفجر، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله. فإذا كان اليوم الثامن انطلق الحاج بعد أن يحرم، بعد أن يحرم ويفعل ما يفعل المحرم مما تقدم ذكره في صفة الإحرام من التنظف ولبس ثوبين أبيضين، وهذا أفضل، ونعلين، وهذا أفضل، ثم يحرم عليه ما كان عليه أو ما كان حلالًا قبل الإحرام، ويدخل في النسك بنية الدخول في النسك، ويكون بذلك محرمًا. فإذا أحرم من مكانه -إذا كان في مكة من أي مكان- فإنه يحرم مكانه، فإذا أحرم من مكانه انطلق إلى منى وبات بمنى، وكما سمعتم صلى فيها الظهر والعصر، وكذا صلى فيها المغرب والعشاء، وصلى فيها كذلك صلاة الفجر، ثم بعد ذلك ينطلق إلى عرفة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن صلى الفجر مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة، فنزل بها، فنزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا في اليوم التاسع، اليوم الثامن يكون بمنى، واليوم التاسع ينطلق فيبقى في نمرة شيئًا قليلًا حتى تزول الشمس، وإن دخلها قبل ذلك -أي دخل عرفة قبل ذلك- فإنه يمكث فيها إلى غروب شمس، كما سيأتي معنا بإذن الله عز وجل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعت في حديث جابر أمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فلما أتاها دخل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن المؤذن، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ركعتين، وبعدها صلى بهم صلاة العصر، ثم بعد ذلك دخل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يركب، ودخل إلى الموقف، أي إلى عرفة، ولما دخل إلى عرفة استقبل القبلة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة، قيل: حتى غاب القرص، كما جاء في حديث جابر. فكما ذكر رحمه الله تعالى قال: خرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة -وزوال الشمس تكون بدخول وقت صلاة الظهر- قال: صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بآذان وإقامتين، كما تقدم في حديث جابر، قال: ثم يصير إلى الموقف، أي ينطلق إلى الموقف، قال: وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، أي أنه ليس من الموقف. ومعنى هذا أن الحاج في اليوم التاسع يجب عليه أن يدخل بعد الزوال -إن قدر على ذلك- إلى عرفة، ويقف في عرفة، وكما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن الوقوف بعرفة هو أحد أركان الحج، بل ذهب جماعة من العلماء إلى أنه أعظم أركان الحج، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». وذهب آخر إلى أن أعظم أركان الحج هو طواف الإفاضة، وهو الأظهر، وهو الأظهر والله أعلى وأعلم؛ لأن القصد من الحج هو زيارة البيت والطواف بالبيت، ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ الآية. قال رحمه الله تعالى: ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم، أو قريبًا منه عند الجبل، قريبًا من الصخرات. قوله رحمه الله تعالى: ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم، هذه مسألة مبنية على مسألة أصولية تقدم ذكرها معنا قريبًا، وهي: هل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هل كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي يفعلها تكون من قسم المستحبات أم لا؟ ومر معنا أن منها ما يكون من قسم المستحب لا خلاف، وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل العبادة، ومنها لا يدخل في قسم المستحبات كذلك اتفاقًا، كالطعام والشراب والركوب على الدابة ونحوها؛ لأن هذه الأمور جبلية. وبقي الأمر الثالث الذي هو متجاذب بين العلماء رحمهم الله تعالى، وهو: إذا كان الفعل محتملًا للعبادة ومحتملًا للجبلة، فليكن من هذا أو من هذا؟ والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن ينظر في ذلك الفعل، إن كان هو لبيان عبادة أو القصد منه عبادة أو ما شابه ذلك ألحق بها، وما لم يكن كذلك -أي كان على سبيل الجبلة أو العادة أو الموافقة- فإنه لا يكون عبادة. ومنه تتفرع هذه المسألة، وهي: هل وقف النبي صلى الله عليه وسلم في موقفه ذاك عند الصخرات وما يسمى اليوم بجبل الرحمة، هل كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم لغرض العبادة والتعبد بذلك المكان أم كان ذلك موافقة؟ والأظهر هو الثاني، الأظهر هو الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذلك الحج أراد أن يبين للناس أحكام الحج، لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، وكان ذلك المكان كان مكانًا بارزًا، فإذا وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه الناس واقتدوا به، رآه الناس واقتدوا به. لذا لم يؤثر عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم -أشد الناس حرصًا على اتباع السنة- أنهم تعمدوا وتقصدوا الوقوف بذلك المكان الذي وقف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن ذلك المكان ليس مقصودًا لذاته، وإنما كان موافقة، وإنما كان موافقة. وهذا -كما سمعتم- هو الأظهر. قال رحمه الله تعالى: ويجعل حبل المشاة بين يديه، ويستقبل القبلة، ويكون راكبًا، ويكثر من قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير»، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس. وقوله: ويستقبل القبلة، كما ثبت هذا في حديث جابر أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة ودعا دعاء طويلًا، دعا دعاء طويلًا حتى غربت الشمس وذهب إصفرارها، ثم دفع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مزدلفة. الشاهد أن الحاج إذا وقف بعرفة بعد أن يصلي الظهر والعصر، فإنه يستحب له أن يقف داعيًا متضرعًا لله رب العالمين تبارك وتعالى؛ لأن ذلك المقام -إلى جانب أنه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا في أسوة حسنة- إلى جانب ذلك فإن هذا المقام -ولا سيما في عشية عرفة- يعتبر من أعظم الأيام التي يعتق فيها ربنا تبارك وتعالى الرقاب، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها عند ابن ماجة، قالت رضي الله عنها وأرضاها: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو عز وجل، ثم يباهي بكم، فيقول: «ما أراد هؤلاء؟ ما أراد هؤلاء؟». فهو يوم تعتق فيه الرقاب، فيقول: عباد في ذلك الموقف، وفي ذلك المكان أحوج ما يكون إلى ربه جل وعلا بأن يعتق رقبته من النار، وأن يتضرع إلى ربه جل وعلا، وأن يظهر الضعف والمسكنة والحاجة إلى ربه تبارك وتعالى، فيكثر من الدعاء، وأفضل الدعاء أن يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»؛ لما جاء في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وغيره بإسناد الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت وأنا والنبيون قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وجاء في حديث علي عند ابن أبي شيبة -لكن بإسناده ضعف- أنه أضاف: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير». ﴿اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، ولكن هذا الحديث فيه ضعف، أي الأخير. فالحاصل من هذا أنه يجتهد في ذلك المقام بالدعاء والتضرع والذكر والاستغفار والتوبة إلى الله تبارك وتعالى. قال علماء: فإن طال عليه الوقت، وحصل له شيء من أسأم -لا بأس- أن يذاكر من عنده من بجانبه ببعض مسائل العلم، ولا بأس أن يتذاكر بشيء ينفعهم، أو لا بأس حتى ماذا؟ لا يدخله السآمة، فإذا نشط عاد للذكر والدعاء. قال: إلى غروب الشمس، أي إذا غربت الشمس من يوم عرفة ماذا يصنع؟ قال: ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة، أي ينطلق إلى مزدلفة على طريق المأزمين، وهو طريق ضيق بين عرفة ومزدلفة، وعليه السكينة والوقار، هذا الذي ينبغي للحاج، ولا سيما أنه كان يتضرع إلى ربه جل وعلا ويناجي ربه تبارك وتعالى، وكان في عبادة عظيمة. وكذلك ينتقل إلى عبادة عظيمة، فهو متقلب في أيام الحج بين عبادات عظيمة، فينبغي له أن يكون على سكينة ووقار وأدب واحترام؛ لأنه في عبادة. قال: ويكون ملبيًا، ملبيًا أن يقول: «لبيك اللهم لبيك»، ومعنى لبيك اللهم لبيك -كما قال العلماء-: تلبية لك يا رب بعد تلبية، وإجابة بعد إجابة. قال: ذاكرًا لله عز وجل، ويدخل في الذكر كل ما هو بمعنى الذكر، سواء كان بأن يذكر الله تبارك وتعالى بالمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بتلاوة القرآن، أو بمذاكرة العلم النافع، إلى غير ذلك. واستحب العلماء في يوم عرفة أنه إذا ذاكر العلم أن يذاكر العلم في باب الترغيب، وفي باب كذلك التخويف من عذاب الله، وما شابه ذلك؛ حتى يكون أنشط لاستحضار عظمة الرب جل وعلا، فيزداد إنابة وتضرعًا لله رب العالمين تبارك وتعالى. قال: فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال، يجمع بينهما، بمعنى أنه إذا وصل إلى مزدلفة بعد أن يدفع من عرفة، يدفع من عرفة بعد غروب الشمس، فيسير -سواء كان راكبًا أو كان راجلًا- يسير إلى مزدلفة، فإذا وصل إلى مزدلفة أول ما يصل إلى مزدلفة يصلي المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، أي يجمع بين صلاة المغرب والعشاء بأذان واحد وبإقامتين، ويقصر صلاة العشاء. فإذا فرغ من ذلك أنزل ما على رحله -ممتاعه إذا كان عنده دابة- كما كان الناس في الزمان الأول؛ حتى تأخذ راحتها، أي دابة. وبعد أن يصلي العشاء ينام، وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يسن أن يصلي الوتر في الليلة الأولى من مبيته في مزدلفة؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ممن حكى عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة حجه: جابر بن عبد الله وغيره، قالوا: «ثم صلى المغرب والعشاء، ثم نام، ولم يحدث شيئًا، ثم نام حتى أصبح»، قالوا: «ثم يصلي الفجر بغلس»، يصلي الفجر بغلس، أي يبكر في صلاة ماذا؟ الفجر، بعد مبيته في اليوم الأول في مزدلفة. قال: ويأتي المشعر الحرام، والمشعر الحرام -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- هو مكان الآن، جبل، يعني الآن مسجد، مكان في أدنى أو في طرف مزدلفة. وفي هذه الأزمنة فيأتيه الحاج كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، وكان حينئذ جبل صغير، وحمد الله، وهلله، وكبره، ووحده، أي حتى طلعت الشمس، أو حتى أسفر، ثم انطلق، أو انطلق قبل أن تطلع الشمس، انطلق قبل أن تطلع الشمس. قال: ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو، ويستحب أن يكون من دعائه: «اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيتين، إلى أن يسفر، أي أن يسفر، أن يظهر بياض الصبح، أي قبل أن تطلع الشمس، ثم يدفع قبل طلوع الشمس. فإذا بلغ محسرًا أسرع قدر رمية حجر؛ حتى يأتي منه، أسرع في ذلك الوادي؛ لأن بعضهم قالوا: بأن ذلك الوادي وقع فيه عذاب لقوم، وقع فيه عذاب لقوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في حجه إذا مر بذلك الوادي أسرع، أسرع قليلًا، كما جاء في حديث جابر: بأنه قال: «لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بطن محسر، قال: حرك ناقته حرك ناقته قليلًا»، فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على استحباب أن يسرع الإنسان شيئًا قليلًا إذا كان في ذلك الوادي. قال رحمه الله تعالى: فيبدأ بجمرة العقبة، حتى يأتي منه، فيبدأ بجمرة العقبة فيرميها، وجمرة العقبة هي أبعد الجمرات عن منى، وأقربها إلى مكة، فيبدأ بجمرة العقبة، وسميت العقبة؛ قيل: لأنها في عقبة مكة، أنها قريبة من عقبة مكة، قالوا: فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف، أي حصى صغار، حصى صغار، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن ألقط له سبع حصوات، فلقط له سبع حصوات كحصى الخذف، فأعطيته إياها، ثم نفضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: بمثل هذه فارموا، بمثل هذه فارموا». وجاء كذلك في حديث جابر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع حصوات، قال: مثل أو قال: قريب من حصى الخذف، قال: يكبر مع كل حصاة، يكبر مع كل حصاة، أي يرمي الحصاة فيقول: «الله أكبر»، ويرمي الثاني فيقول: «الله أكبر»، وهكذا. وينتبه لآمر وهو أن المقصود من رمي الجمار أن تسقط الحصاة في الحوض، لا أن يرمي ذلك الشاخص، كما يحصل من بعض الناس أنهم ربما رمى ذلك الشاخص بكل قوته، فترتطم الحصاة بذلك الشاخص وتخرج عن الحوض، إذا كانت الحصاة كذلك، فإن تلك الرمي غير محسوبة. إذا أخذ الإنسان الحصاة فرمى بالشاخص فارتطمت بالشاخص وخرجت عن الحوض، فإن تلك الرمي غير معتبرة، الرمي المعتبر أن تسقط الحصاة في ذلك الحوض. ومنه يعلم خطأ كثير من الناس ممن يفعل هذه الأفعال، بل ربما قد أن بعضهم رمى جمرة العقبة بالنعال، بعضهم ربما رماها بماذا؟ بالنعال، وتسمعوا: يلعن، يلعن الله، يلعنك يا الشيطان، وما شابه هذا، خطأ، وهذا خطأ، هذه من الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج بسبب الجهل. قال رحمه الله تعالى: كحصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ويرفع يده في الرمي، ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، أي يستمر ملبيًا بعد أن ينزل من عرفة إلى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، فإذا بدأ برمي قطع التلبية. قال رحمه الله تعالى: ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، ويستبطن الوادي، أي يكون الرمي من بطن الوادي، ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ثبت عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، ثم قال: «والذي نفسي بيده»، أو قال: «والذي أنزلت عليه سورة البقرة، إنه رمى منها هنا»، أي يقصد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى جمرة العقبة من المكان الذي رمى فيه، أو رمى فيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. قال: ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها، ثم لا يقف عندها، أي بعد أن يرمي يمشي ينصرف، لا يفعل كما في بقية الأيام، في بقية الأيام: يرمي الجمرة الصغرى، ثم يبتعد قليلًا فيستقبل القبلة فيدعو الله تبارك وتعالى، ثم يرمي الوسطى، فيفعل كذلك، يبعد قليلًا ويدعو الله تبارك وتعالى، ثم يرمي جمرة العقبة وينصرف. قال: ثم ينحر هديه، ثم ينحر هديه، قال: ثم يحلق رأسه أو يقصره، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، وهذا ما يسميه الفقهاء: التحلل الأول، التحلل الأول، أو التحلل الأصغر، يكون لهم تحلل أول بأن يرمي جمرة العقبة، وبعضهم زاد: قالوا ينبغي أن يزيد إلى رمي جمرة العقبة نسك آخر، إما حلق الشعر، وإما ذبح أو نحر الهدي. والصحيح أنه يحصل برمي جمرة العقبة؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قال: ثم يفيض إلى مكة فيطوف لزيارة، وهو الطواف الذي به تمام الحج، وهو مسمى بطواف الإفاضة، وهو أحد أركان الحج، بل هو الركن الأعظم في الحج على قول طائفة كثيرة من أهل العلم. قال: وهو الطواف الذي به تمام الحج، ثم يسعى، ومعنى تمام الحج: بمعنى أنه بعد أن يطوف فيسعى يحل التحلل كله. قال: ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا؛ لأن المتمتع عليه طوافان، وكذلك سعيان، المتمتع عليه طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجته، بخلاف القارن والمفرد، فإنما عليهما طواف واحد وسعي واحد، أي يجب عليهما. قال: إن كان متمتعًا أو ممن لم يسع مع طواف القدوم، ثم قد حل له، ثم قد حل من كل شيء، أي يصير حلالًا كاملًا، يحل له النساء وغير ذلك. قال: ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، أي لما تمناه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ماء زمزم لما شرب له»، فيسأل الله تبارك وتعالى من فضله، كما قال ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا. قال: ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه، أي يكثر، ثم يقول: «اللهم اجعلها لنا علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من حكمتك وخشيتك»، هذا دعاء، وليس من الأدعية المأثورة، ولكن من فعل هذا فلا بأس، ومن دعا بما يسر الله له من الأدعية فحسن، ويستحب له -كما سمعتم- أن يدعو الله تبارك وتعالى بخير، بخيري الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على