الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها
يتناول هذا الفصل حكم الإحرام من الميقات لمن أراد الحج أو العمرة، ويشرح كيفية التعامل مع المواقيت لمن لم يكن في طريقه ميقات. كما يبين وجوب الإحرام من الميقات لمن أراد دخول مكة.
يتناول هذا الفصل حكم الإحرام عند المرور بالميقات، موضحًا ثلاث حالات مختلفة وما يجب أو يستحب فعله في كل حالة. يشير إلى أن التفصيل هو المفتاح لفهم المسألة بشكل صحيح.
يتناول هذا الفصل أحكام تجاوز الميقات بدون إحرام، وحكم الإحرام من دون الميقات، ومواقيت الحج الزمانية. يُفصّل أيضًا حكم الإحرام قبل الميقات وأنه صحيح لكن خلاف السنة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الحج منه، في باب المواقيت، قال رحمه الله تعالى: «ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذاء أقربها إليه». تقدم معنا الكلام على هذه المسألة، وهي أن من كان من أهل البلاد التي خارج المواقيت وأراد الحج أو العمرة، فالأصل أنه يحج من واحد من تلك المواقيت المكانية التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم التي من جهته. لكن لو أن إنسانًا أو طائفة من الناس أو جماعة من الناس أو أهل جهة معينة أرادوا الحج أو العمرة، وليس في طريقهم ميقات، وأقرب ميقات إليهم بعيد وعر، فماذا يصنعون؟ الجواب كما مر معنا: أنهم يحرمون من أقرب ميقات، فيحاذون ذلك الميقات، كما حصل من أهل العراق في زمن عمر رضي الله عنه وأرضاه كما تقدم. أمثلة بقي من جاء بطائرة في الجو أو جاء بسفينة في البحر، ومعلوم أنه لن يمر على الميقات مباشرة، فماذا يصنع؟ كذلك ذكر العلماء أن هؤلاء يحاذون أقرب ميقات إليهم، فيحرمون منه إذا حاذوا أقرب ميقات إليهم، سواء كانوا في الجو أو كانوا في البحر. مع التنبيه على أن بعض البلاد أو بعض الطائرات، ولا سيما الآتية من بلاد كفرية، ربما لا تنبه الحجيج على الميقات، فماذا يصنعون؟ يعني بعض الطائرات الآتية من بلاد الكفر وفيها من أهل الإسلام ممن يريد الحج أو العمرة، فقد تمر تلك الطائرة على الميقات وهو لا يشعر، فما يدري بنفسه إلا وهو في جدة، فماذا يصنع؟ يقول علماء رحمهم الله تعالى: إن مثل هذا يقدر المسافة التي بين بلده وبين جدة، ويحاط لذلك أن يقدر كم مسافة، مثلًا من بلده إلى جدة مثلًا خمس ساعات، وكم بين الميقات مثلًا إلى جدة مثلًا نصف ساعة، مثلًا إذن سيصل إلى الميقات بحدود أربع ساعات ونصف. فقال العلماء: لا بأس أن يحاط لنفسه فيحرم مثلًا بعد أربع ساعات، يعني قبل أن يصل إلى الميقات بنصف ساعة أو بربع ساعة، لا بأس أن يحاط لنفسه فيحرم قبل أن يصل إلى الميقات؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن لا يدخل من الميقات دون إحرام. فقال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه». هذه كذلك مسألة من المسائل التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي هل يجب على من مر بالميقات أن يحرم؟ وقبل هذه المسألة هناك مسألة أخرى، وهي هل الإحرام من الميقات واجب أو ليس بواجب؟ الصحيح من أقوال العلماء بأنه واجب، يدل على هذا أولًا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، قال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهل المدينة أن يحجوا من ذي الحليفة، وذكر بقية الحديث. الشاهد: «أمر»، وفي بعض الرواية: «فرض»، وهذا يدل على وجوبه. وكذلك ما مر معنا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة» الحديث. الشاهد منه كذلك: «وقت»، أي حدد، حدد أي جعل لهم حدًا مكانيًا. وكذلك يدل على هذا، إلى جانب ما تقدم ذكره، ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم»، وهذا أمر. ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حج من الميقات، أو أحرم من الميقات من ذي الحليفة، فدل على أن الإحرام من الميقات واجب. على أن الإحرام من الميقات واجب، فإذا علم هذا نأتي إلى المسألة الأخرى، وهي هل يجب على كل من مر بميقات أن يحرم من ذلك الميقات؟ بمعنى: إنسان مر، مثل إنسان يمني أو من المدينة أراد أن يذهب إلى مكة، رجل مدني أراد أن يذهب إلى مكة، فهل يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؟ الجواب كما قال علماء رحمهم الله تعالى: هذا لا يخل من أحوال. الحالة الأولى: أن يريد الحج أو العمرة، أي انطلق من المدينة إلى مكة وأراد الحج أو العمرة، فمثل هذا يجب عليه أن يحرم من الميقات. ومعنى الإحرام من الميقات أن ينوي الدخول في النسك. الحالة الثانية: رجل ذهب إلى مكة أو يريد أن يذهب إلى مكة لا لحج ولا لعمرة، أو نقول: رجل يمر على الميقات لكن لا يريد مكة، أو أراد بعض ضواحي مكة، لم يرد الحرم، كان يكون عنده مثلًا أعمال تجارات، أو كما مثل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: كان يكون حطابًا يتكرر دخوله وخروجه، فلو قيل بأنه كلما دخل أحرم واعتمر أو أحرم وحج، لكان في ذلك مشقة عليه. قالوا: فمثل هذا إذا أراد الدخول من الميقات فلا بأس أن يدخل من غير إحرام. وكذلك إذا دخل لأجل قتال مباح. واستدل العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك بما جاء في الصحيحين: أن نبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة دخل وعلى رأسه المغفر، أي لم يدخل محرمًا، صلوات الله وسلامه عليه. فاستدل به على أن من كان هذا حاله لا يلزمه أنه إذا مر بالميقات أن يكون محرمًا. الحالة الثالثة: من مر بالميقات لحاجة، أي لا يريد الحج أو العمرة لكن له حاجة، كان يكون مثلًا يريد أن يصل رحما له في مكة أو له بعض الحاجات في مكة أو ما شابه ذلك. هذا هل يجب عليه أن يحرم إذا مر بالميقات أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة التفصيل. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة التفصيل، والتفصيل هو أن هذا المار لا يخل من حالتين أيضًا أو من صورتين. الصورة الأولى أو الحالة الأولى: رجل لم يحج ولم يعتمر. قالوا: فمثل هذا إذا أراد أن يمر بالميقات فيجب عليه أن يحرم بحج أو عمرة؛ لماذا؟ قالوا: لأن الحج أو العمرة واجبتان عليه، وقد صار مستطيعًا. وقد مر معنا أن الأصل في الحج أنه على الفور. فهذا إذا مر والحالة كذلك فيجب عليه أن يحرم بحج أو عمرة، ويجب عليه أن يأتي بالحج أو العمرة الواجبتين عليه. هذه الصورة الأولى والحالة الأولى. الحالة الثانية: أن يكون هذا المار قد حج حجة الإسلام واعتمر. فإذا مر بالميقات هل يجب عليه؟ الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجب عليه. طيب هل يستحب؟ قالوا: يستحب له أن يحرم وأن يأتي بحجة أو بعمرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وأحاديث الباب كثيرة. فإذا الأحوال ثلاثة، والحالة الثالثة كما سمعتم فيها أو لها صورتان. هذا التفصيل به تعلم المسألة، وبها بإذن الله تبارك وتعالى يعرف الصواب. فليس كل مار بالميقات يجب عليه الإحرام، وليس كل مار بالميقات لا يجب عليه الإحرام، بل التفصيل المذكور هو الصواب في المسألة. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: «ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه، وإن جاوزه غير محرم». يعني يقول رحمه الله تعالى في هذا: «ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه»، ثم إذا أراد أي هذا الذي دخل لحاجة إلى مكة، ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه. واضح، يعني معناه: لو أن إنسانًا دخل مكة للتاجر، رجل دخل مكة للتاجر، عنده تجارة في مكة، محلات في مكة، فدخل مكة لأجل تجارته، ينظر في تجارته، لم يرد الحج ولا العمرة، فعمل في التجارة، فما ذرى إلا وقد دخل موسم الحج ودنت أيام الحج، أراد الحج، فماذا يصنع؟ الجواب: أنه يحرم من مكانه، يحرم من مكانه، لا يجب عليه أن يخرج إلى أقرب ميقات. بل يحرم من مكانه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما حينما ذكر المواقيت قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»، قال: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة». فهذا يحرم من مكانه، كما أن المكي يحرم من مكانه، ولا يخرجون إلى أقرب ميقات؛ للحديث المذكور. قال رحمه الله تعالى: «وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه». يعني لو أن إنسانًا أراد الحج أو العمرة فجاوز الميقات وهو غير محرم، مثل ماذا؟ إنسان أراد الحج أو العمرة فجاء مثلًا عبر الجو، ما درى بنفسه إلا والطائرة تقف، هو يقول لهم: قد وصلنا إلى جدة. واضح، ما درى بنفسه إلا هو في جدة، وهو يريد الحج، فيسأل يقول: ماذا أصنع يا جماعة؟ أو أراد العمرة يقول: ماذا أصنع يا جماعة؟ ماذا يصنع؟ هل يحرم هذا الرجل أم لم يحرم؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: «وإن جاوزه أي جاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه»؛ لأنه أحرم من ميقاته، أي فعل المطلوب. هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية قال: «فإن أحرم من دونه» يعني رجل وصل بالطائرة مثلًا إلى جدة، وصل إلى جدة، قال: «لبيك اللهم بحج أو لبيك اللهم بعمرة»، نوى الدخول في النسك، أحرم بحج أو عمرة، ثم جاء يسأل قال: يا جماعة أنا أحرمت من جدة، أنا أحرمت من جدة، فماذا علي؟ هل لي أن أرجع إلى الميقات؟ الجواب يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: يقول «فإن أحرم من دونه أي من دون الميقات أي من داخل الميقات فعليه دم»، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع؛ لماذا؟ لأنه تعدى حرمة الميقات؛ لأنه تعدى حرمة الميقات بإحرامه بعد أن مر من الميقات. فكونه يرجع إلى الميقات لا ينفعه؛ لماذا؟ لأنه قد أحرم داخل بعد أن مر من الميقات. قال رحمه الله تعالى: «والأفضل أن لا يرجع والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات». هذه مسألة أخرى. يعني معنى ذلك: الأصل كما سمعتم أن الإنسان يحرم من الميقات. لو أن إنسانًا أحرم قبل الميقات مثلًا أحرم من بلده أو أحرم قبل أن يصل الميقات بمسافة بنصف يوم بساعات بيوم بيومين، فما حكم إحرامه؟ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات، فإن فعل فهو محرم». واضح، فإن فعل فهو محرم، أي إحرامه صحيح، إحرامه صحيح؛ إذ أنه دخل الميقات وهو محرم، وهذا هو المطلوب. لكن هل فعل الأفضل؟ الجواب: لا، فعل خلاف الأفضل وخلاف الأولى، وخلاف السنة. قال رحمه الله تعالى: «وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة». بعد أن فرغ رحمه الله تعالى من مواقيت الحج المكانية، انتقل رحمه الله تعالى إلى مواقيت الحج الزمانية، فقال: «وأشهر الحج»، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، أي له أشهر معلومات، لا يصح الحج قبلها، ولا يصح الحج كذلك بعدها. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: لو أن إنسانًا حج قبل أشهر الحج لم يُعقد ذلك الإحرام، أي يفسخ إلى عمرة. لو أن إنسانًا أراد الحج مثلًا في رمضان أو في شعبان أو في رجب، قال: «لبيك اللهم بحج»، يقال له: أدخل بعمرة، افسخ هذا النسك إلى عمرة؛ لماذا؟ لأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج. ذهبت بعض أهل العلم إلى أنها الأشهر الثلاثة بكاملها، أي شوال وكذلك ذو القعدة وشهر ذي الحجة، ليس للعشر فقط، بل الشهر كاملًا. واستدل على ذلك بأن أيام النحر التي فيها رمي الجمار، ورمي الجمار من مناسك الحج، أنها تكون في الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. قال: فدل ذلك على أن أشهر الحج ثلاثة بكاملها. واستدل كذلك بظاهر القرآن، بقول الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قالوا: أشهر جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فيدخل في أشهر الثلاثة. وهذا القول هو الذي رجحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله. فيعلم من هذا أن أشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وكذلك ذو الحجة. بقي: ماذا يستفاد من هذا؟ كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: يستفاد من معرفة المواقيت الزمانية: أن من أراد الحج فإنه يحج في هذه الأشهر، أي مثلًا إذا دخل شوال، ولو أول يوم من شوال، له أن يحرم بالحج، فينوي أن يدخل في الحج، ويلبي بالحج، ويكون دخل في نسك الحج. وكذلك في ذي القعدة، وكذلك في ذي الحجة من يوم عرفة، يعني أقل ما يدرك به الحج أن يدرك الحج في يوم عرفة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة وما بعدها». هذه جملة من كلام على المواقيت الزمانية والمكانية للحج. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.