الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 13، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة بأن أهل الكبائر تحت مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ولا يكفرون بالذنوب إلا الشرك الأكبر، وتكفر الصغائر بالأعمال الصالحة، مخالفا بذلك الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخلدونه في النار.
ظهر قول الخوارج بالتكفير بالذنوب بعد فتنة صفين والجمل، وتطور إلى تكفير مطلق الذنوب حتى الصغائر، ووصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأشد الأوصاف وحذر من خروجهم المستمر في الأمة، وقد جمع الإمام مسلم أحاديثهم في صحيحه وتلقتها الأمة بالقبول.
يصف ابن عباس شدة عبادة الخوارج وضلالهم، ويبين أنهم كفّروا الصحابة بسبب التحكيم في صلح علي ومعاوية، فيرد عليهم بقياس التحكيم على أحكام الصيد والخصومة الزوجية لإثبات جوازه. ويؤكد الإمام أحمد أنهم ليسوا كفاراً بل بغاة ومبتدعة، وأنهم لا يوفقون للتوبة الصادقة غالباً.
يعلن المؤلف عزمه على تفصيل الرد على شبهات بعض أهل الزمان الذين غلو في التكفير بالذنوب، وخالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب الله عز وجل. ويختم بالصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في رسالة أصول السنة للإمامين الحافظين الجليلين أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى، فيما سألهما تلميذهما الإمام الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى، عن مذاهب أهل الإسلام التي اتفقوا عليها في أصول الدين، التي لا يلقى الله بها عبد إلا نجا، والتي خالفت فيها الفرق فضلت وهلكت بمخالفاتها، عياذا بالله. قالا رحمهم الله تعالى: «وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، وَلَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِذُنُوبِهِمْ، وَنَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلْ». «وَنَكِلُ أَسْرَائِرَهُمْ» و«نَكِلُ أَسْرَائِرَهُمْ» الأقرب، و«نَكِلُ سَرَائِرَهُمْ» هذا الأضبط في النسخ، والله أعلم. قالا رحمهم الله تعالى: «وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل». هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أن الذنوب درجات وأحكامها متفاوتة، فمن الذنوب ما يخرج عن الملة ويوجب الخلود في النار، وهو الشرك والكفر، عياذا بالله. ومن الذنوب كبائر يترتب على فعلها الوعيد، وصاحبها تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه بذنبه، وإن شاء الله عفى عنه فضلا وإحسانا. ومنها صغائر تكفر بأعمال صالحة، كإسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات ويحط به الخطايا؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». انفرد به مسلم. وكأحاديث: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن ما لم تغش كبيرا». فهذه عند جمهرة العلماء نصوص في الصغائر. كذلك قيام ليلة القدر: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» حديث أبي هريرة في الصحيحين. و«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، و«من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». كل ذلك عند جمهرة العلماء في الصغائر، فتكفر الصغائر بأعمال صالحة، وبالتوبة أيضا تكفر الله الصغائر. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وأما الشرك فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فدلت الآية على أن الشرك والكفر لا يغفران، وأن من وقع فيهما فلا بد أن يتوب إلى الله منهما، فإن مات عليهما دون توبة فإن الله لا يغفر له ذنبه ويعاقبه على ذنبه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾: «أن يشرك به» مؤول بمصدر: إشراكا به، سبحانه وتعالى. فهذا باب أهل السنة والجماعة، وطريقتهم، وهديهم الذي دلت عليه النصوص. ثم قال سبحانه وتعالى في الآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. هذا القسم الثاني: ما دون الشرك، فهذا تحت المشيئة، ومنهم أهل الكبائر. ولهذا يقول المصنفان رحمهم الله تعالى: «وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل»، أي: إن شاء الله عذبهم بما ارتكبوه، وإن شاء الله عفى عنهم فضلا منه وإحسانا وكرما منه سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فالذنوب على ثلاث درجات: قسم هو شرك أكبر وكفر، وقسم هو كبائر الذنوب لا تكفر إلا بالتوبة، وقد يعذب بها الإنسان، وقد يعفو الله عنه، فهي تحت المشيئة. وقسم هي الصغائر، وهذه تكفرها الأعمال الصالحة، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فالحسنات تذهب السيئات كما في نص هذه الآية. وفي هذه الآية حديث يذكر صحيح: فالرجل الذي قبل امرأة ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أقم علي حدك»، أو قال في رواية: «يا رسول الله طهرني». فقال: «وما لك؟» قال: «إني قبلت امرأة». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتوضأت فأحسنت؟ أتوضأت لصلاتنا هذه؟» قال: بلى. قال: «أصليت معنا؟» قال: بلى. ثم تلا عليه صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ينبغي فهمها والعض عليها بالنواجذ. خالفت في هذه العقيدة الخوارج ثم المعتزلة. فالخوارج خالفوا في هذا الباب، خالفوا في هذا الباب عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه المسألة إحدى أشهر مسائل مخالفات الخوارج، وهي أنهم يرون أهل الكبائر خالدين في نار جهنم، وأنهم حين يدخلون النار لا يخرجون منها، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾، ويرونهم كفارا مرتدين بأي ذنب كان. هذا مشهور في الخوارج. هذا القول كما يقول المحققون: ظهر في الخوارج بعد معركة صفين، وبعد معركة الجمل، وبعد تلك الوقائع، ظهر فيهم هذا القول، وربما كانوا قبل ذلك لا يقولون به، كما قال أهل العلم. فتطور أمرهم بعد هذه الفتن إلى أن قالوا بهذا القول، بل قالوا بما هو أعظم من هذا القول، وهو التكفير بمطلق الذنوب، حتى إنهم من طوائفهم من غلا، كما ذكر ذلك علماء الفرق والطوائف، فكفر بالصغائر. بل إنهم على التحقيق كفروا بما يرونه هم من الذنوب، وإن كان في نفس الأمر ليس ذنبا، لكنهم هم فهموا أنه ذنب عظيم، بل وأنه كفر مبين، وإنما هو أمر لا يجوز إدخاله في الذنوب ولا المعاصي أصلا. ولكن القوم أهل سوء فهم، وفيهم من فيه سوء قصد أيضا، عياذا بالله. لم يصف النبي صلى الله عليه وسلم فرقة من الفرق الضالة بمثل ما وصف به الخوارج. أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج شديدة جدا، ولهذا لا يعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذم فرقة بمثل ما ذم الخوارج، صلى الله عليه وسلم، وذلك لعموم البلاء بهم، هذه الطائفة وهذه الفرقة المارقة، البلاء بهم عظيم على أهل الإسلام وعلى ديار المسلمين. جمع الإمام مسلم في صحيحه أحاديث الخوارج في موضع واحد، فأبدع وأحسن، رحمه الله تعالى وغفر له، جمعها في آخر كتاب الزكاة، سرد نحو عشرة أحاديث في بيان أمر الخوارج. ولهذا يقول الإمام أحمد: «صحف الخوارج من حديث رسول الله من نحو عشرة أوجه»، هكذا يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، كلها مذكورة، جمعها الإمام مسلم في صحيحه. هذه الأحاديث تلقاها الأئمة بالقبول، أخرج ثلاثة منها الإمام البخاري في صحيحه، وأخرج سائرها سائر الأئمة رحمهم الله، وكلها في باب واحد في وصف الخوارج المارقين الذين سيظهرون، ووصف مقالتهم، ووصف أفعالهم، بل ووصف هيئاتهم، في بيان واضح من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بيان أمرهم بيانا واضحا جليا. أجمعت الأمة والأئمة على صحة هذه الأحاديث من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى عصرنا هذا، فالأئمة على تلقي هذه الأحاديث بالقبول، بل هي من الأحاديث المتواترة عند أهل العلم. منها حديث جابر رضي الله عنه في مقبل النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، لما كان بالجعرانة، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم فضة في ثوب بلال على المسلمين، فقام رجل فقال: «يا محمد اعدل». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل، أو إن لم أكن أعدل». فقام رجل فقال: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في الباب أيضا أحاديث: في بعض الروايات فقام عمر فقال: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق». فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «يخرج من ضئض هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، وفي رواية: «تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد»، في رواية: «قتل ثمود». وفي الباب أيضا في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي الباب أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع لهم قرن نشأ لهم قرن، كلما قطع لهم قرن نشأ لهم قرن، حتى يخرج بقيتهم مع الدجال». في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن، كلما قطع منهم قرن خرج منهم قرن». قال ابن عمر: «عددت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة، يقول: كلما قطع لهم قرن نشأ لهم قرن». وهذا يدل على استمرار أمر الخوارج، وأن الخوارج يخرجون في الأمة، يخرجون في الأمة. هذه بعض الأحاديث في بيان أمر الخوارج، وفي صفتهم، وفي أفعالهم. أما عن تكفيرهم بالذنوب فهذا كما قدمنا: ظهر فيهم في أيام الفتن، ظهر فيهم في أيام الفتن. ولهذا انظروا إلى شبهتهم: لما دخل عليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه في زمن علي رضي الله عنه، لما أراد عبد الله بن عباس أن يناظرهم، فلبس أجمل حلته، ثم استأذن عليا، فانطلق رضي الله عنهم جميعا إلى معسكر الخوارج، فرأى قوما صفر الوجوه من الصيام، كأن ركبهم، كأن وجوههم ركب المعزى من شدة العبادة والصلاة. قال: «فسمعت دوي القرآن في معسكرهم». هكذا يصفهم في أول ما دخل عليهم في وسط معسكرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه. هذا الوصف العظيم لهؤلاء، فهذا يدل على عظيم الفتنة بهم، فإن الناظر إليهم في تلك الحال، الجاهل في نفس الأمر، قد يقول إنهم خير من الصحابة، فإن معسكرات الصحابة كمعسكر علي رضي الله عنه ومعسكر معاوية رضي الله عنه لا يوجد فيها مثل هذا الوصف بهذه الكثرة وهذا الظهور. فتنة عظيمة لهؤلاء الناس. ولهذا جاء في بعض الروايات: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». في رواية: «ثم لا يعودون إليه». سئل الإمام أحمد: اختلفوا بهذه الرواية، هل هي تدل على كفرهم أم لا؟ والراجح ما قاله الإمام أحمد: أنهم ليسوا بكفار، وكذلك قال جمهور الأمة: هم مسلمون، لكنهم بغاة وظلال ومبتدعة، مارقون، خارجون عن السنة، خارجون عن السنة. ولهذا قال الإمام أحمد: «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه». قال الإمام أحمد رحمه الله: «أي لا يوفقون لتوبة». فمن تشبع بهذه الأفكار التي سيأتي وصفها، من تشبع بها ثم ادعى التوبة منها، فالغالب، الأغلب، أنه يكذب، يكذب، وأنه ما تاب، وأنه ما تاب. حدثني أحد إخواننا كنت بصامطة عن رجل رد عليه العلامة المفتي، مفتي جنوب المملكة، العلامة الكبير أحمد بن يحيى، أحمد بن يحيى النجم، رحمه الله. فقيل له: «إن فلانا الذي رددت عليه المسمى بفلان صاحب التبيان في كفر من استعان بالأمريكان» - سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على مسألة الاستعانة، إن شاء الله تعالى، هذه المسألة خلافية، هم يجعلونها من نواقض الإسلام ويربطونها بالناقض الثامن، فيكفرون المسلمين بأمر مختلف فيه بين المسلمين، هذا موجود لهذا الزمان، نسأل الله العافية والسلام. قيل للشيخ رحمه الله: «إن هذا الرجل قد تاب». قال لهم الشيخ: «الحديث أصدق». فاستغربوا، قالوا: «يا شيخ، الرجل تراجع». قال رحمه الله: «الحديث أصدق». قالوا: «يا شيخ، الرجل تراجع». قال: «الحديث أصدق، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه، قال أحمد بن حنبل: لا يوفقون لتوبة». هكذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له. في حديث ابن عباس الذي نريد أن نذكره في أول قضية: قال: «ما تنقمون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد؟» قالوا: «ثلاثا». قال: «هاتوا». قالوا: «أخذ أو قبل حكم الرجال في دين الله عز وجل». انظروا إلى هذه المسألة: «أخذ أو قبل حكم الرجال في دين الله عز وجل». أصل هذه القضية: قضية الصلح بين معاوية، بين معاوية رضي الله عنه، وبين علي رضي الله عنه. فبعث عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم، بعثوا من أجل الصلح: عمرو بن العاص من جهة معاوية رضي الله عنه، وأبو موسى الأشعري من جهة علي رضي الله عنه. قالت الخوارج: «قد كفر». لماذا؟ لأنهم تركوا حكم الله وأخذوا حكم الرجال، والله عز وجل يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه: «أرأيتم لو أجبتكم في ذكر الثلاث عن هذه، أترجعون؟» قالوا: «نعم». فقال: «إن الله عز وجل قال في أمر المحرم يأكل من الصيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وقال عز وجل في خلاف الرجل والمرأة: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ناشدتكم الله: أحفظ دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أولا، أم إصلاح رجل مع امرأة في حكمين من أهله وحكمين من أهلها، أم وهو بضع امرأة، أم في أرنب يقتلها محرم فيحكم بها الرجال بأنها تساوي ربع درهم؟ أيهما أولى في الحكم والتحكيم؟» قالوا: «بل هذا أولى». أي: حقن دماء المسلمين أولى. حقن دماء المسلمين أولى. إذا أردنا أن نقف عند هذه القضية: هل تحكيم علي رضي الله عنه وتحكيم معاوية رضي الله عنه كبيرة من الكبائر، أو ننزل لما هو أدنى من ذلك؟ هل هذا ذنب من الذنوب في إصلاح ذات بين المسلمين وجمع كلمتهم وحقن دمائهم؟ هل هذا من الذنوب؟ الجواب: هذا ليس من الذنوب. لكن الخوارج جعلته ذنبا، بل جعلوه ناقضا من نواقض الإسلام، بل وكفروا به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجوهم عن الإسلام، فكفروا عليا بهذا، وكفروا معاوية بهذا، وكفروا الصحابة بهذا، وهو لا يعدو أن يكون أمرا سائغا جائزا، ليس من جنس الذنوب ولا المعاصي أصلا. ولهذا يعني الخوارج من صفتهم أنهم يكفرون بما يرونه، هكذا يقول ابن تيمية، وهي عبارة دقيقة: «بما يرونه هم من الذنوب»، هو ليس بذنب أصلا، لكن هم يرونه من الذنوب. سيأتي الكلام على تفصيل القول في بعض شبهات بعض أهل هذا الزمان، وكيف غلوا أيضا فكفروا بالذنوب، وخالفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا كتاب الله عز وجل، فيما يأتي إن شاء الله تعالى. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.