الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 15، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع أبرز صفات الخوارج قديماً وحديثاً، ومن أبرزها التناقض في المواقف حيث يغلون في التكفير ويتساهلون في البدع، وضعفهم في إنكار المحدثات، وطعنهم في العلماء والولاة، وتضخيم الأخطاء. ويؤكد أن أصلاً مجمعاً عليه عند جميع فرق الخوارج هو وجوب الخروج على ولاة الأمور ونزع يد الطاعة، مستحلين من مخالفيهم ما لا يستحلونه من الكفار.
يتميز الخوارج بالخروج على ولاة المسلمين وتكفيرهم بالذنوب واستحلال دمائهم وأموالهم، مع الغلو في الحكم على الأفعال بجعل غير السيئة سيئة وغير الحسنة حسنة. ورغم كثرة عبادتهم وقراءة القرآن وشجاعتهم الفائقة، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم شر الخلق وكلاب النار، لعظم بدعتهم ومخالفتهم للسنة والجماعة.
يبيّن المقطع خطورة الخوارج الذين وجهوا قوتهم ضد المسلمين بدلاً من الكفار، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، ويسرد قصة ثورة عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج وما جرّته من فتنة أضعفت المسلمين. ثم يعرض خلاف العلماء في تكفيرهم، مرجّحاً أنهم متأولون ضلال وجهال جمعوا بين الجهل والضلالة.
يُشير المتحدث إلى أن الحديث عن الخوارج لا يزال مستمراً، وسيتم استكمال بقيته في الجلسة القادمة، ثم يختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، فلا زلنا في هذا المعتقد النافع الذي تلقاه الأئمة بالقبول، وأجمعت عليه الأمة، وهو الذي عليه اتفاق الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر لهم، وهو رسالة وصول السنة، وأهل السنة في كل زمان ومكان تجمعهم عقيدة واحدة هي السنة والجماعة، ومنها هذا الكتاب النافع الجليل الذي نحمد الله جل جلاله أن يسر وأعان على قراءته وأمثاله. وكنا بالأمس في الكلام على موقف أهل السنة والجماعة، وموقف الخوارج ومن تأثر بهم من قضية الكبائر والذنوب والتكفير بها. قالا رحمهم الله تعالى: وأهلوا أهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل. وكنا بالأمس في الكلام في بيان مذهب الخوارج، وأن المتأخرين أيضًا وافقوا الأولين، فكلام المتأخرين هو كلام المتقدمين في أصله وتأصيله. وذكرت نماذج من كلام بعض المعاصرين، وبين فيها أنها عائدة وفرع عن أصل مذهب الخوارج. ومما ينبغي أن يعلم أيضًا أن الخوارج، سواء كانوا قديمًا أو حديثًا أو سيأتون، فيهم أيضًا صفة التناقض في المواقف؛ فبينما يغلون في جوانب، يحصل عندهم التساهل المفرط في جوانب أخر، وهذا مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشاد الدين أحد إلا غلبه». فتجدهم يغلون إلى أن يصلوا إلى التكفير، وفي الجانب الآخر يتساهلون في أنواع من البدع كالأشعرية مثلًا، ويوالون على بدعتهم. فمن وافقهم في بدعتهم وهواهم وقال بأقوالهم، تغاضوا عما يحمله من معتقد سيء، ومعتقده أعظم من الذنوب التي يتكلمون فيها على مخالفهم، أعظم من الذنوب التي ينتقدونها على من خالفهم، لكنه يسكت عنه ويغض عنه الطرف، ولا يغضب في الإنكار عليه، مع أنه يحمل مثلًا العقيدة الأشعرية، وفيها أمور كفرية، قد يعذر بعض الناس، قد يعذرون بالجهل فيها، يعذرون بالجهل فيها، وفيها انتقاص لله عز وجل، أمور عظيمة، كما قال ابن تيمية لما ناظرهم: «لو قلت بقولكم لكفرت، وأنتم عندي لستم كفارًا لأنكم جهال»، أي جهال بمقالتكم التي تخولون، إلى آخر ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وغفر له. فتجد في أمر الخوارج التناقض الذي سببه التحزب لأفكارهم؛ أتوا بفكر، فمن والاهم في ذلك الفكر وأيدهم عليه ووافقهم فيه أو ناصرهم فيه، والوه وأحبوه، وغضوا الطرف عما يقع فيه. فتجد رؤوسهم يغضون الطرف عن أهل البدع، وهذا موجود. هذا مما ينتقد أيضًا، ويتعجب من أمر الخوارج، ليس عندهم اتزان في المواقف. أدركنا في الأيام الماضية بعضهم، ربما موقفه، ربما موقفه من ولاة أمور المسلمين وحكامهم، أعظم من موقفه من الرافضة الحوثيين. لو قورِن بين الموقفين تتعجب، نسأل الله العافية والسلام. وهكذا فيما دونها، في رؤوس لهم وأقوام معهم على عقيدة الأشاعرة، ومع هذا يغضون عنها الطرف لأنهم وافقوهم في أهوائهم في التكفير. بل وجد من بعض رؤوسهم أنه ينكر على من ينكر عليه أو يناصحه. فعند الخوارج ضعف في إنكار البدع والمحدثات. خوارج عندهم ضعف في إنكار البدع والمحدثات، وهذا من أسبابه التحزب لفكر، والموالاة فيه، والمعاداة عليه. ومن صفاتهم أيضًا الطعن في أهل العلم، ورميهم بتهمة محبة الدنيا، ورميهم بالعمالة ونحو ذلك. وهذا قد صنعه أولاً ذو الخويصرة، ذو الخويصرة صنعه أولاً، ذو الخويصرة الجميم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإنه طعن فيه: «اعدل يا محمد»، في أمر دنيوي، وهو غالط في ذلك، نسأل الله العافية والسلام. وكذلك أيضًا من صفاتهم أيضًا الطعن في ولاة الأمور، فكل من لم يكن منهم فإنه يطعن فيه، الطعن في ولاة الأمور، ورميهم بالظلم وعدم العدل، وهذا موجود في كل زمان ومكان. وتضخيم الأخطاء وتعظيمها، هذا أيضًا موجود، نسأل الله العافية والسلام. والخوارج كلهم قديمًا وحديثًا مجمعون على أصل عظيم عندهم، وهو الخروج أو وجوب الخروج على ولاة أمور المسلمين. هذا أصل اجتمعت عليه كل قوائف الخوارج قديمًا وحديثًا، فكلهم على وجوب الخروج على ولاة الأمور، ونزع اليد من طاعتهم بكل صور المنازعة المتيسرة، إلى أن تصل إلى المنازعة بالسيف وسفك الدماء، مع تعظيم أخطائهم، وأيضًا تكفير مخالفهم، حتى إنهم يستحلون من مخالفهم ما لا يستحلونه من الكفار في دمائهم أو أموالهم أو نحو ذلك، يستحلون من مخالفيهم ما لا يستحلونه بمثله من الكفار الأصليين. وهذا مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». هذا أيضًا من صفاتهم، مجاوزة، فكم من أبناء الصحابة من قتله هؤلاء الأشرار شر قتلة، نسأل الله السلام والعافية. ولهذا كما قدمنا، يجزم علماء الطوائف والفرق كأبي الحسن الأشعري صاحب المقالات «المقالات الإسلامية» أن الخوارج يجمعهم تكفير علي وعثمان وأهل الجمل، وتكفير الحكمين، ومن رضي بقولهم أو صوب التحكيم أو نحو ذلك، تكفيرهم لهؤلاء. هذه الخصلة الأولى. والخصلة الثانية: وجوب الخروج على السلطان الجاهل. هذا الذي يقرره أبو الحسن الأشعري في صفة الخوارج. كذلك أيضًا قدمنا كلام أبي بكر الآجري بنحو هذا، حتى يصلوا إلى أن يقولوا: إن دار الإسلام دار كفر. ربما وجد في التاريخ منهم من يلحق بدار الكفار، وهذا وجد في هذا الزمان أيضًا، بعض رؤوس الخوارج المعاصرين ربما يجلس في مثل بريطانيا أو غيرها من الدول، وهي دول كفار أصلية، وربما تجد موقفه من تلك الدول ألطف من موقفه من بلاد الإسلام والمسلمين التي فيها المساجد، وفيها أهل العلم، وفيها خير كثير، وفيها سلبيات أيضًا، لكنها دون السلبيات التي توجد في بلاد الكفر. ولهذا هذه خاصة الخوارج في كل زمان، كما يقول الأئمة: هذه خاصة الخوارج في كل زمان، الخروج على حكام المسلمين، ومحاسبة، محاسبة الجميع من خالفهم على السيئات، والغلو في ذلك، وربما جعلوا ما ليس سيئة سيئة، وجعلوا ما ليس حسنة حسنة. ولهذا أظهروا هذا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم: «اعدل يا محمد». قالوا: من يعدل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «ومن يعدل إن لم أكن أعدل». هذا يراه حسنة، لكنه ليس بحسن، ورأى أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم سيئًا، رآه سيئًا وهو الحسن حقيقة في قسمته صلى الله عليه وسلم، يراعي المصالح ويراعي أمورًا تخفى على مثل هذا المعترض الجاهل. «ومن يعدل ومن يعدل إن لم أعدل». فهم يجعلون ما ليس سيئة سيئة، وربما جعلوا ما ليس حسنة حسنة، كما تقدم. كذلك أيضًا التكفير بالذنوب كما قدمنا، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دارهم دار حرب، كما تقدم. يقول ابن تيمية: «هذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة، هذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة، وهما اللذان اختص بهم الخوارج ومن شاباهم». مما ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن الخوارج لهم حسنات، ومع هذا لم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار تلك الحسنات لعظم السيئات. فهم أهل عبادة، ومع هذا سيأتي وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم شر الخلق والخليقة، مع كثرة عبادتهم. وهم أهل عناية عظيمة بالقرآن، أهل عناية عظيمة بالقرآن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم». هذا في الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف بغير الصحابة؟ فهم أهل اجتهاد عظيم في العبادة، وفي قراءة القرآن وحفظه وضبطه ونحو ذلك، حتى قال بعض من يمدحهم من أصحابهم: «فتية تعرف التخشع فيهم، كلهم حكم القرآن، غلامًا قد برى لحمه التهجد، قد برى لحمه التهجد حتى صار جلدًا مصفرًا وعظامًا». هكذا وصفه: جلد على عظم من شدة العبادة وقراءة القرآن، وجوه مصفرة من شدة الصيام، وآثار السجود ظاهرة من كثرة القيام، واللهج بالقرآن. هل هذه الحسنات معتبرة كما يفعل بعض الناس اليوم، فيذهب إلى الموازنة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر الخلق والخليقة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، إلى آخر الأوصاف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. ووصفهم أيضًا بأنهم «كلاب النار». فدل هذا على أن ما هم فيه من السوء أعظم مما عندهم من الحسنات، فيما يظهرون ويزعمون. أيضًا من الأمور المهمة أن الخوارج، هذا اللقب أحدث لهم بعد ذلك، بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يضر اللقب، إنما أمر اللقب أمر طارئ بحسب طبيعة الزمان أو المكان، وليس وقفا أو سَكَا لابد منهم. فهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم يسميهم الخوارج، كذلك في الأحاديث لم يصح لفظ الخوارج، ولكن الأئمة بعد ذلك سموهم بالخوارج لأجل خروجهم على ولاة المسلمين، وخروجهم على المسلمين بسفك دمائهم واستحلال ذلك، نسأل الله السلام والعافية. فإذا وجد زمان وجدت فيه ألقاب أخرى، والعبرة باتحاد العقائد والفكر في أصوله، أصول المنهج، وأصول الفكر، وأصول الاستدلال، وأصول الطرح، فإنهم يلحقون بالخوارج، وإن قالوا: نحن لا نسمي أنفسنا خوارج. قلنا: سموا أنفسكم ما شئتم، فإن من وافق أصل قوم ألحق بهم، من وافق أصل قوم يلحق بهم، وإن كان هو لا يقر بالتسمية. في حديث أبي غالب عن أبي أمامة، وقد في بعض الطرق رأى رؤوسهم معلقًا، فقال أبو غالب، أبو أمامة: «شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوهم، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، كانوا مسلمين فصاروا كفارًا». يقول أبو غالب: قلت لأبي أمامة: ذلك شيء تقوله من عندك؟ قال: لا، بل سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. حديث حسن بشواهده وطرقه، وبعض أهل العلم يحسنه بذاته، وهو في سنن أبي داود وغيره من السنن، وهو في الصحيح المسند لشيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي رحمه الله، فإنه يرى التحسين لإسناد أبي غالب حزور عن أبي أمامة، وكذلك محدث العصر ناصر الدين الألباني رحمهم الله. حديث له طرق كثيرة. فهذه بعض الأمور المهمة في باب الخوارج، وهم فتنة عظيمة على الإسلام وأهله. هؤلاء الناس أوتوا جلدًا عظيمًا فيما هم فيه، وأوتوا قوة عظيمة فيما هم فيه، كم شغلوا المسلمين شغلًا عظيمًا! أهل شجاعة مفرطة، من أشجع الناس، هكذا ذكر المؤرخون الذين ترجموا لهم، حتى يقول قطري بن الفجاءة أبياتًا، يقول بعض الأدباء: لا يقرأها جبان إلا تشجع. قطري بن الفجاءة من رؤوس الخوارج، أبو نعامة، وهو من تميم، قيل إنه من بلاد قطر التي بين البحرين وعُمان. قطري بن الفجاءة التميمي، وكان حارب الحجاج وغير الحجاج أكثر من عشرين سنة في قتالات مشهورة، قتال مشهور، ومعارك ضارية، حتى إنه من شدة سمعته وشجاعته نادى يومًا من الأيام، وكان يلبس عصابة يتلثم بها، ومعه عمود من خشب: «من يبارز؟» فخرج له فارس من الجهة الثانية، فكشف عن وجهه، فهرب الفارس. فقال: «أتفر والرجل لا يفر؟ قال: مثلك يفر منه رجل». في غاية من الشجاعة، ولكنه من الخوارج، أسأل الله العافية والسلام. يقول لها، وقد طارت شعاعًا شعاعًا، يعني متفرقة، عندما تحتد من معركة ويشتد القتال، فتجد النفس لشدة ما ترى من لمعاني السيوف، وشدة ما ترى من رائع ما ترى من صورة الموت أمامها، ورائحة الموت أمامها، وتسمع صوت الموت أمامها، والرؤوس تتطاير، فالنفس تكاد تخرج من الجسد، فبعضها يذهبها هنا تتفر. أقول لها: أي نفسي، وقد طارت شعاعًا من الأبطال، ويحكي: «لن تراعي»، أي لن تأخذي أكثر من عمرك، إنما لك عمر محدود، أيام معدودة، ولن تستطيعي أن تتجاوزيها بلحظة، فلما تجزعي؟ أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال، ويحكي: «لن تراعي، فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي، فصبرًا في مجال الموت صبرًا، فما نيل الخلود بمستطاع»، إلى أن يقول: «وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع». يعني ليس للإنسان العاقل مأرب وغاية أن يصل إلى عمر يعتري، يخرى في ثيابه، ويقال ويقال، غصنوا الشيبة، طلعوا الشيبة، جلسوا الشيبة، أكلوا الشيبة، الشيبة سلح في نفسه، الشيبة بال في الفراش، الشيبة طلع كذا، الشيبة صلح كذا، فيكرهونه، ويقولون: الله أمت يموت هذه. فقال: «وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع». سقط المتاع، تشبيه رجل حمل متاعه على بعير يريد أن ينتقل إلى صروم ولا مكان آخر، وهو يمشي في ناقته، قالوا: سقط القدر، القدر، سقط، التفت، قال: هذا القدر ما هي مشكلة، يسقط هذا، تشبيه. وهذا الذي يريد أن يصل إليه: «وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع». هذا من سقط المتاع الذي ما يحتاج واحد يرجع ويلوف ويرجع من أجل يأخذ هذا الصحن للقدر، خلاص خليه، انتهى، وقته له أكثر من خمسين سنة معنا، هذا معناه. يقول بعض المؤرخين: إن قوة الخوارج لو وجهت بتوجيه صحيح لأفنوا الكفر من الأرض. هؤلاء الناس قوة عظيمة، لو توجهت إلى أعداء الإسلام، ما بقي اليوم على وجه الأرض كافر. لكن جهدهم وجهادهم في المسلمين، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». معلوم لديكم جميعًا ما جرى من عبد الرحمن بن محمد بن قيس، عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، وكان أحد قواد الحجاج، فأرسله الحجاج إلى رتبيل، رتبيل الكافر ملك الفرس، رتبيل. وكان هذا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من كبار القادة العسكريين الشجعان المحنكين، فأخذ يفتح البلاد، يفتح البلاد، حتى وصل إلى حدود رتبيل، قريب فارس، كل تلك البلاد فتحها. فجاءه الأمر، وكان الحجاج يبغضه، وكان هو يبغض الحجاج، حجاج ظالم من أظلم الناس، فكان هو أيضًا يبغض الحجاج، وكل يسر إلى الآخر، يعني يسر بسريرة سوء على صاحبه. جاء الأمر من الحجاج قال: «اكتتموا أرض رتبيل». فقال عبد الرحمن بن الأشعث لجنوده، وكانوا أهل طاعة له: «إن الجو بارد، وإن الحروب قد أنهكتنا، أترون أن نجلس في هذه الأراضي التي فتحناها، فننظم من غنائمها، ونستريح من الحرب، ونستعد لها، فإذا ذهب الشتاء غزونا رتبيل، وإن الحجاج قد أرسل إلي كتابًا يطلب أن نغزوه، وأن نستمر في المسير، وقد رأيتم إخوانكم قد هلك منهم من هلك». فقام أبوه، وقيل رجل آخر، فقال: «إن مثلنا أيها الناس ومثل الحجاج كما قال القائل: أرسل عبدك، في بعض الألفاظ كلبك، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك». إن انتصرتم كان زيادة في ملك الحجاج، وإن مدتم، استراحة منكم، اخلعوا عدو الله الحجاج. فخلعوا، ولم يذكروا خلعًا أمير المؤمنين، خليفة المأمون، لم يذكروا خلعًا. ثم دارت بهم الأيام، وإذا بهم بدلًا من أن يتوجهوا إلى قتل رتبيل الكافر، عادوا إلى ديار المسلمين غزاة يقاتلون، وعظمت الفتنة على المسلمين، وهلكت ألوف من النفوس، ألوف من النفوس، وحصلت فتنة عظيمة في ذلك الزمان، أضعفت شوكة المسلمين في كثير من البلاد. وفي الأخير، في آخر الأحداث، هرب عبد الرحمن بن الأشعث إلى رتبيل، والتجأ إليه، وقد كان أمس يتوعد بالغزو، بغزوه، إلى غير ذلك. وأرسل الحجاج إلى رتبيل: «إني أرسلت المهلب بن أبي صفرة بثلاثين ألفًا فيغزون بلدك، إلا أن تسلم لنا رأس عبد الرحمن بن الأشعث»، إلى آخره. الشاهد: عاثوا في المسلمين فسادًا عظيمًا، قوة عظيمة، لو أنها وجهت بتوجيه صحيح، لنفع الله بها نفعًا عظيمًا، لكن الخوارج ومن تأثر بهم هكذا يفعلون. وكل عبارة قالها النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حق، يراها المبصرون رأي العين: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، إلى آخره. ولم يذم النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا كذمه لهم، حتى وصفهم بأنهم شر الخلق والخليقة، مع أن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج: «أولئك هم شر البرية»، مع أن الراجح أنهم مسلمون، لكن لتعظيم خطرهم وزيغهم وخطر فتنتهم وعظيم ضررهم، نسأل الله العافية والسلام. تكفيرهم قال به بعض أهل العلم المتقدمين، وخالف في ذلك جمهور أهل العلم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإنه لم يكن يرى كفرهم، وإنما يراهم خوارج، وفيهم بغي، وأنهم لا زالوا في دائرة الإسلام، لا زالوا في دائرة المسلمين. وذهبت طائفة من أهل العلم إلى تكفيرهم، ومنهم سماحة الشيخ العلامة الإمام ومفتي المسلمين عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى وغفر له. لكن الراجح في المسألة أنهم متأولون، متأولون، وفيهم ناس أهل صبر، لكنهم ضلال وجهال، جمعوا بين الجهل والضلالة، والضلالة لا ينفع الإنسان أن يكون صادقًا إذا كان ضالًا عن سواء السبيل. ماذا ينفعه صدقه؟ هل يجعله على الحق؟ فلابد من صحة الطريق وصحة المسلك حتى يكون المرء من أهل النجاح عند الله عز وجل، وحتى يحكم له بحكم أهل السنة والجماعة، أتباع سلف الأمة. لا زلنا في أمر الخوارج، وندخل غدًا إن شاء الله في بقية الكلام حول ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.