الدرس في باب الوضوء 11، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح هذا المحور قاعدة «اليقين لا يزول بالشك» كما وردت في متن صفوة الزبد، مبيناً أنها قاعدة كلية عند الجمهور خلافاً للمشهور من المذهب المالكي. ثم يفصل في مسألة «السابق إذا جهل» موضحاً المنهج الشافعي في الرجوع إلى آخر حال متيقن عند الشك في الحدث.
يتناول المحور أحكام الشك في الطهارة وكيفية التعامل مع المحدث الشاك بالرجوع إلى حالته السابقة استناداً للقاعدة السابقة. ثم ينتقل لبيان فرائض الوضوء مستدلاً بالآية الكريمة، مركزاً على النية كالفرض الأول عند الجمهور مع بيان حقيقتها ومحلها.
يبين المحور أن التلفظ بالنية ليس شرطاً لصحة العبادة بإجماع العلماء، وأن محلها القلب دون اللسان. وينقل اتفاق الأئمة الأربعة على أن الجهر بالنية بدعة منكرة، مستعرضاً آراء ابن تيمية فيمن اعتاد ذلك.
يوضح المحور أن النية شرط واجب في فعل المأمور كالصلاة والزكاة، بينما لا تشترط في ترك المنهي عنه ولا في إزالة النجاسة بإجماع أهل العلم. وينتقد قول الحنفية بعدم اشتراط النية في الوضوء مع اشتراطها في التيمم، مؤكداً كونها عملاً قلبياً لا يُشترط الجهر به.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في صفوة الزبد. قال الناظم رحمه الله تعالى وغفر له: «واختير من أكل للحم الجزري ومع يقين حدث أو طهري إذا طرى شك بضده عمل يقينه وسابق إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يعلم بشيء فالوضوء ملتزم». تقدم الكلام أننا في هذه الأبيات أمام قاعدة من قواعد الفقه الكلية الكبرى: اليقين لا يزول بالشك. وقد ذكر بعض علماء الشافعية أن هذه القاعدة لا يعمل بها في أحد عشرة مسألة، وتعقب في ذلك ونوقش نقاشا طويلا، وهو أبو العباس صاحب كتاب مختصر، ونوقش في ذلك. والحاصل أن هذه القاعدة قاعدة كلية كبرى عند جماهير أهل العلم، خلافا لبعض ما ينقل عن الإمام مالك رحمه الله في عمله بهذه القاعدة. فالإمام مالك رحمه الله نقل عنه خلاف قول جماهير العلم. مثلا: إذا تيقن الطهارة ثم شك في النجاسة، إذا تيقن الطهارة ثم شك في النجاسة، تيقن الطهارة أين الشك في النجاسة فهو على طهارة، لكن شك في وجود نجاسة. اختلف الفقهاء: فجمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة يقولون: يبقى على يقينه ولا يلتفت إلى الشك. رجل تيقن الطهارة ثم شك في النجاسة، أي في وجود النجاسة، نقول له: ابق على طهارتك ولا تلتفت إلى هذا الشك الوارد عليك. الإمام مالك رحمه الله نقل عنه كقول الجمهور، نقله عنه بعض تلاميذ، ونقل عنه وهو المشهور عند المالكية أنه لا يعمل بهذه القاعدة في الأغلب، لا يعمل بهذه القاعدة في الأغلب. وقول وافق فيه مالك جماهير أهل العلم أقوى من قول انفرد به. قول وافق فيه الإمام الفقيه مالك أهل العلم وجمهور أهل العلم أقوى من قول انفرد به، وإن كان مشهورا في مذهب المالكية رحمهم الله. هذا الذي ينبغي أن يعلم في مثل هذه المسائل: إذا نقل عن إمام قولان، أحدهما موافق لسائر أهل العلم والآخر مخالف لسائر أهل العلم، فقوله الذي يوافق فيه أهل العلم أقوى من قوله الذي يخالف فيه سائر أهل العلم. هذا الذي ينبغي أن يسلك في مثل هذه المسائل. القاعدة من القواعد العظيمة، يقول الناظم رحمه الله: «إذا طرى شك بضده عمل يقينه»، أي يبقى على اليقين وأعمل باليقين. ثم دخل في مسألة جديدة، قال رحمه الله: «وسابق إذا جهل»، يعني رجل جهل، دخله الشك ثم جهل ما كان عليه قبل دخول الشك، أكان على طهارة أم كان على نجاسة؟ دخله شك في المسألة. صورة المسألة: رجل قال: «أنا أشك أني أحدثت». قلنا له: قبل حدثك هذا ما كنت ماذا كنت عليه؟ قال: لا أدري. هل فهمنا المسألة؟ رجل شك، قال: «أنا أشك أني محدث أو أحدثت». سألناه قبل شكك هذا: أكنت متطهرا؟ قال: لا أدري. هذه هي المسألة. فهل فهمنا أولا صورة المسألة؟ يقول الناظر رحمه الله: «وسابق إذا جهل». وسابق إذا جهل، صورة المسألة قبل أن نخوض عندك أخي، إيش صورة المسألة؟ يقول الناظر: «وسابق إذا جهل»، يعني رجل شك أنه أحدث، فسألناه ما كنت عليه قبل هذا الشك، يعني أنت كنت متوضي متطهر ولا لست إلا محدثا؟ فقال: لا أدري. هذه صورة المسألة. يقول الناظر رحمه الله: «وسابق إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين»، هذا الجواب: خذ ضد ما قبل يقين. نسأله سؤال: بعد طيب، طيب قبل هذا التردد منك والجهل ماذا كنت عليه؟ عرفنا هذا، نصعد معه درجة: قبل هذا الشك لا تدري، طيب قبل هذا الذي قلت لا تدريه ما كنت عليه، ما كنت عليه؟ هذا الجواب عند الشافعية في هذا الموضوع، المسألة فيها خلاف عند المتأخرين، لكن نصور المسألة لتتضح. يقول الناظر: «مسابق إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين»، هذا الجواب: خذ ضد ما قبل يقين. رجل مثلا بعد صلاة الظهر قال: «أنا أشك هل أنا محدث أو قبل صلاة الظهر». قبل صلاة الظهر قال: «أشك هل أنا محدث أم لا». قلنا له: طيب قبل هذا الشك ما كنت عليه؟ قال: لا أدري. قال لا أدري. هو لم يصل للظهر بعد، الوقت قبل الأذان قال: لا أدري، أمحدث عندي شك؟ قلنا: قبل هذا الشك كنت متطهرا؟ قال: لا أدري. طيب كنت محدثا؟ قال: لا أدري. نرفعه إلى سؤال آخر: قبل هذا التردد في المدة السابقة في نصف الوقت ما بين الظهر مثلا إلى قبل الأذان ما كنت عليه؟ قال: كنت محدثا. تفهمت؟ يعني المرحلة اللي قبل هذه المرحلة اللي هو متوقف فيها على يقين هو أنه كان محدثا. يقول الشافعية: فأنت على يقين أنك توضعت، هكذا هكذا، يقول: فعلى هذا لا تنتفت إلى الشك أن تعلوم. إذا كانت المرحلة السابقة منك مرحلة هي مرحلة الحدث، اعكس الجواب، فأنت متطهر. إن قال: لا بل كنت متطهرا، قلنا: فأنت محدث، توضأ. لا، هل فهمنا صورة المسألة؟ عامله بنقيض جوابه في المرحلة الثانية، عامله بنقيض جوابه. خذ، يقول الناظر: «ضد ما قبل يقينه»، هذا الجواب: ضد ما قبل يقينه. فإذا كان يقينه الطهر فالآن هو محدث، وإذا كان يقينه الحدث فالآن هو متطهر. هذه هي الطريقة، فيها خلاف، لكن هذه الطريقة في من لا يتيقن، في من لا يتيقن. طبعا بعضهم ينظر إلى مسألة المعتاد على الطهارة، لكن هذه القاعدة قالوا: عامل. بعض الناس متعود أنه يكون دائما متطهر، بعض الناس ما يحب يمشي إلا وهو على وضوء، سواء خرج إلى سوق، خرج إلى زيارة، خرج إلى مسجد، يحب أن لا يخرج من بيته إلا على طهارة. وبعض الناس يعني من عادته التساهل في أمر التطهر، حتى وهو يجي المسجد ما ينشط أن يتوضأ في بيته، يقول: أتوضأ في المسجد، يضيع على نفسه أجرا عظيما، أجر التطهر في البيت، وكل خطوة يخطوها إلى المسجد وهو متطهر لم يخطو خطوة كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إلا رفعت له درجة وحطت عنه بها خطيئة، ولم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام فيه: صلى اللهم اغفر له، اللهم صلي عليه، اللهم ارحمه، ما دامت الصلاة تحبسه». الحديث شاهد. هذه قاعدة عامة حتى في من تعود على التطهر، يعامل بنقيض جوابه في المرحلة الثانية، يعامل بنقيض جوابه في المرحلة الثانية. يقول الناظم رحمه الله: «وسابق إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين»، هذا الجواب: خذ ضد ما قبل يقينه، قبل يقينه الضد، اعكسه عليه. قلنا: رجل قبل صلاة الظهر قال: «أشك في أني محدث». قلنا له: وقبل ذلك أكنت متطهرا أم محدثا؟ قال: لا أدري. قلنا: قبل ذلك في وقت سابق من النهار كنت محدثا أو متوض؟ قال: كنت متوض. قلنا: فأنت الآن إيش؟ إيش الآن محدث؟ قال: آخر أنا قبل ترد بهذا كنت على يقين أن محدث. قلنا: الآن أنت الآن أنت متوض. خذ ضد ما قبل يقين، تعكس له في الجواب ما قبل يقين. فهل المسألة متضحة إن شاء الله تعالى ولا لم تتضح عندك؟ أخصاح بالعمل متضحة. طيب، رجل بعد صلاة الفجر قال: «أنا لا أدري هل أنا محدث أم لا، شككت في أمري كأني أحدثت». كيف نعمل معه؟ بعد صلاة الفجر قال لنا: «أنا شككت في كوني محدث». ماذا نسأله؟ قال: بعد صلاة الفجر أنا شككت في الحدث. طيب قلنا له: قبل هذا الشيء ما كنت عليه؟ قال: صليت الفجر. صليت الفجر يعني يعني يعني أنا متوض. فالجواب نقول له: إيش؟ هذا بعد صلاة الفجر شك هل أنا أحدثت ولا ما أحدث. سألناه أو سأل نفسه: طيب قبل هذا الشك ما كنت عليه؟ قال: عدنا صليت الفجر وجالس جيب الأذكار، فهو على يقين أنه إيش؟ أنه توضع. نقول له: اطرح الشك، كأن أنت على يقين الطهارة، أنت على يقين الطهارة، أنت على يقين الطهارة، لأن الأصل أن الشك لا يزول، أن اليقين لا يزول بالشك، فأنت متطهر والشك لا تلتفت. وهكذا في هذه المسائل. يقول النار: «خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يعلم بشيء فالوضوء ملتزم». صورة ثالثة: الرجل الذي سألناه قبل صلاة الظهر قال: «أنا أشك أني محدث». قلنا له: وقبل شكك هذا؟ قال: لا أدري. نسأله ونقول: ليش قبل ترددك هذا وتوقفك هذا ماذا كنت عليه؟ نسأله، فإن قال: على طهارة، قلنا: فأنت الآن محدث. وإن قال: أنا على حدث يقينا، قلنا: الآن أنت متطهر. طيب إن قال: لا أدري في المرحلة الثالث، الثالث أيضا جوابه لا أدري. هذه الصورة التي يقولها الناظم، يقول الناظم: «حيث لم يعلم بشيء أو يعلم بشيء، حيث لم يعلم بشيء»، أي في المرحلة الثانية، يقول الناظم: «فالوضوء ملتزم»، يجب عليه أن يتوضأ. خلاص، بعد المسألة الوضوء ملتزم، أي واجب عليه الآن أن يتوضأ، واجب عليه أن يتوضأ. يقول الناظم رحمه الله: «إذا طرى شك بضده عمل يقينه»، ويقول الناظم: «إذا جهل خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يعلم بشيء أو يعلم بشيء فالوضوء ملتزم». فروضه: النية واغسل وجهك وغسلك اليدين مع مرفقك ومسح بعض الرأس ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم ثم. دخلنا الآن في باب فروض الوضوء، دهينا من النواقض وأحكام الشك، دخلنا الآن في فروض الوضوء. فروض الوضوء بدأها بالنية. فروض الوضوء يجمعها ربنا جل وعلا لنا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هذه الآية أصل فروض الوضوء، هذه الآية أصل فروض الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هذا الفرض الأول، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هذا الفرض الثاني، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فرض الثالث، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الفرض الرابع. هذا الذي تضمنته الآية. يقول الناظم: «فروضه»، أي فروض الوضوء وواجبات، والفروض جمع فرض، والفرض لا يصح العمل إلا به، فلو ترك غسل وجهه صح وضوءه؟ بطل وضوء. لو ترك غسل إعداء يديه بطل وضوء أو إعداء رجليه بطل وضوء، ويجب عليه دعاة. قال رحمه الله: «فروضه النية واغسل وجهك». النية فرض عند جماهير أهل العلم، النية فرض عند جماهير أهل العلم، فلابد من النية، لابد من النية. يقول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وسائر أهل العلم ما عدا الحنفية، خالفوا في هذه المسألة وقالوا: ليست النية من فروض الوضوء. الحنفية خالفوا في المسألة وقالوا: ليست النية من فروض الوضوء، ليست النية من فروض الوضوء، ومنهم من يقول: تستحب فقط. فالنية ركن من أركان الوضوء عند جماهير العلماء، خلافا لمن عندك يا أخانا محروض، خلافا للحنفية. «فروضه النية»، يستدل جمهور العلماء. الحنفية يقولون: لم يرد في ذكر أركان الوضوء في الآية ذكر النية، بل قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فلم تذكر النية ضمن أركان الوضوء. والجمهور يقولون: بل ذكرت في الآية، بل ذكرت في الآية النية، لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، إذن هذا هو هذه النية، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا شَرْطِمْ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَقِيَامُكُمْ لَأَيِّ شَيْءٍ تَتَوَضَّأُوا﴾، ما مقصودكم لأي شيء توضعتم؟ قالوا: لأجل الصلاة. إذن النية هي استباحة الصلاة موجودة الآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا حَرْفُ شَرْطِمْ وَجَزَاءُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ جوابه فغصر، فقوله جل جلال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ هذا هو النية. فعلى هذا لابد من نية القيام إلى الصلاة عند الوضوء، لابد من نية القيام إلى الصلاة لأن الله قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وإذا شرطية، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فلابد من نية القيام إلى الصلاة. الصريح في المسألة قول جماهير العلماء أن النية فرض وركن من أركان الوضوء، فتصير أركان الوضوء خمسة بالنية. «فروضه النية»، والنية هي القصر، ومحلها باتفاق العلماء القلب. النية هي القصر، ومحلها باتفاق العلماء هو القلب. والنية عند الفقهاء كما قال النووي: «قصد الشيء مقترنا بفعله». النية عند الفقهاء: قصد الشيء مقترنا بفعله، قصد الشيء مقترنا بفعله، فيكون قصده العبادة ثم يقترن بذلك القصد فعل العبادة. قصد الشيء مقترنا بفعله. «فروضه النية»، أي أول فروض الوضوء النية. في الحديث الصحيح: حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فهذا أصل في هذا الباب: «إنما الأعمال بالنيات»، المراد بالأعمال أي الأعمال الشرعية والعبادات، فالعبادات لابد لها من نيات، لابد للعبادات من نيات صافية نقية خالصة لله. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. وحذر الله عز وجل نبيه من الشرك فضلا عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فالنية لابد أن تكون خالصة لله، يراد بهذه العبادة وهي الوضوء التعبد لله عز وجل. وهل يشترط لصحة النية النطق باللسان؟ هل يشترط لصحة النية في العبادة النطق باللسان؟ هل يشترط لصحة نية العبادة التلفظ بها باللسان؟ اتفق العلماء المعتبرون على أن النطق بالنية ليس بشرط، اتفق العلماء على أن التلفظ بالنية ليس بشرط، ليس بشرط. معنى ليس بشرط: أي من لم يأتي به يضره في صلاة أو في وضوءه أو غير ذلك، لا يضره باتفاق العلماء، ليس بشرط. طيب وهل هو مستحب؟ ليس بشرط، هذه مسألة تفق عليها العلماء، وشد من خالف فيها من المتأخرين كخلاف نقله الماوردي عن بعض الشافعية أنهم قالوا: يشترط في النية التلفظ. رد هذا القول بأنه نقل غريب وقول ضعيف شادي، حتى قال النووي: «ولا يشترط نطق اللسان بلا خلاف»، لا يشترط نطق اللسان بلا خلاف، هكذا يقول النووي في المجموع: «لا يشترط نطق اللسان بلا خلاف». هذه المسألة ما فيها خلاف أنه ليس بشرط أن ينطق بلسانه حتى تصح نيته. طيب وهل يستحب النطق؟ مجرد استحباب، قال بهذا المتأخرون من العلماء من الشافعية ومن المالكية، يرون استحباب التلفظ بالنية على وجه الاستحباب لا على وجه الاشتراط. يرى المتأخرون من فقهاء الشافعية استحباب ذلك، والمالكية استحباب التلفظ بالنية، فإذا نوى الصلاة استحبه أن يقول: «نويت أن أصلي صلاة العشاء أربع ركعات» إلى آخر، وإذا أراد الوضوء يقول: «نويت الوضوء لأجل الصلاة» ونحو هذه النيات على وجه الاستحباب لا على وجه الاشتراط. لكن هذا القول الذي يقوله هؤلاء العلماء المتأخرون لم يوجد له أثارة من علم عند الأئمة المعتبرين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام، لا يوجد أثارة من علم نقلا عن هؤلاء الأئمة، فضلا عن النقل عن التابعين، فضلا عن النقل عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لا يوجد في هذا أثارة من علم، إنما هو رأي رآه بعضهم فتابعه أناس بعد أناس عليه، ولا يوجد له أثارة من علم في كتب الشافعي ولا في كتب أحمد ولا في كتب مالك ولا غيرهم من أئمة الإسلام، فضلا عن أن نقول إنه قول فلان من أتباع التابعين أو قول أتباع التابعين أو قول التابعين أو أنه قول الصحابة، هذا كله ليس فيه أثارة من علم، لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف، إنما هو رأي ينتشر ويشتهر حتى يظنه الظالم أنه منصوص عليه، فإذا ما قلب الكتب تعبت عيناه وكلت حواسه ولا يجد أثارة من علم في كلام هؤلاء العلم. حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نقل اتفاق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع. نقل الإمام ابن تيمية رحمه الله اتفاق الأئمة، أي الأئمة الذين هم كبار الأمة وهم الذين يعتمد عليهم من بعدهم، نقل اتفاقهم رحمه الله على أنه ليس من المشروع الجهر بالنية أو تكرير النية بها، حتى قال ابن تيمية رحمه الله: «إن من اعتاده ينبغي أن يؤدب تأديبا يمنعه عن التعبد بالبدع»، إن من اعتاده ينبغي أن يؤدب تأديبا يمنعه عن التعبد بالبدع، وعن إيذاء الناس، وعن إيذاء الناس. ثم قال رحمه الله: «إن الجهر بالنية منهي عنه عند الشافعي وعند سائر أئمة الإسلام»، خلافا للمتأخرين. طبعا وجه العجة في هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طيلة حياته لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد الوضوء أو أراد الصلاة يقول: «نويت أن أصلي لله عز وجل أربع ركعات في هذا المسجد إمامه» أو يقول: «نويت أن أتوضأ لأجل صلاة كذا». لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولم ينقل عن التابعين رحمهم الله ولا عن غيرهم من الأئمة. فلو كان هذا مشروعا لاشتهر، فإنه أمر يوجب إظهاره إشهاره، هذا أمر يوجب إظهاره إشهاره. الآن رجل يصلي بجانبك قبل أن يكبر يقول: «نويت أن أصلي لله عز وجل في هذا المسجد المبارك أربع ركعات مأمومة الله أقر». أنت سمعت، والذي بجانبك سمع، وربما الذي في الصف الثاني سمع. فكيف لو كانوا عشر يسوون كذا؟ كيف لو كانوا صف كامل صف؟ يعني ما أليس كله سيسمع الثاني؟ طيب لو كان فعله واحد أليس سيشتهر أمره؟ طيب لو فعله اثنان أليس يشتهر؟ طيلة زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف مثل هذا، وهو عبادة، النية عبادة، فلم يعرف مثل هذا، ولا عرف في زمن التابعين، ولا عرف عن الصحابة المكرمين رضي الله عنهم، فلا شك أن هذا رأي خاطئ دخل في كتب بعض أهل العلم المتأخرين فاشتهر، وكما قلنا ليس عليه أثارة من حجة في كلام الأئمة المتقدمين، بل إن هذا عبه، بل إن هذا عبه، عياذا بالله، فإن هذا فعل كأنه من أفعال من بهم شيء من الخلل في عقوله، كأنه من أفعال من بهم شيء من الخلل في عقوله، وهو يأباه في سائر أموره. خرج توضع في بيته قبل صلاة الظهر ثم خرج إلى المسجد، ماذا يريد هذا الرجل؟ يعني لو سألنا هذا الرجل: يريد العبكرة أو يريد يسوي توضع في بيته ولا باستيابه وخارج إلى المسجد بعد أذان الظهر؟ هذا يعني لماذا توضع؟ ليش؟ لو سألنا قال: رايح المسجد يصل الظهر. هذه أليست نية؟ هذه نية باتفاق العلماء: قصد الشيء مقترنا بفعله، قصد الشيء مقترنا بفعله. فإذا رفع صوته وقال قبل الوضوء: «نويت أنا توضى لله عز وجل من أجل أن أصلي الظهر»، وربما زاد: «في مسجد كذا وكذا». طيب يعني هذا أنت تشك في نفسك الآن من أجل هذا الكلام، أو يعني عندك شيء في نفسك من الأمراض، أو لماذا تعمل هذا؟ أنت متوضى، يعني أنت تفعل هذا في غدائك أو في أكلك أو في كذا أو في كذا؟ لا تتكلم، لأن هذه النوايا أمورها قلبية، التلفظ ليس بنية. أرأيتم رجلا تلفظ ولم ينو بقلبه، هل ينفعه التلفظ؟ النية أين محلها، اللسان أو القلب؟ قال العلماء: القلب. طيب رجل تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه، هل ينفعه ذلك؟ نقل النووي إجماع أهل العلم على أنه لا ينفعه، وهو الصواب. مجرد التلفظ ليس بنافعه، إذن العبرة بما في القلب من القصد. وهذا أمر لو كان مشتهرا لظهر، أمر لو كان مشتهرا لنقل، فلما لم ينقل دل على أنه لم يفعل، لما لم ينقل دل على أنه لم يكن يفعل. ولهذا هذا من محدثات الأمور التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، عياذا بالله. العلماء الذين قالوا بها مجتهدون معذورون، أجرا واحد، أخطأوا في المسألة، خالف الأئمة، هؤلاء المتأخرون أخطأوا. لكنك أنت يا من بلغه العلم، بلغته الحجة، بلغ الدليل، لست في عجر، إذا تعصبت وعاندت وتمسكت بمذهب قد بان لك أنه لا دليل عليه، الله جل جلاله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، هذه النية: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، بغير لفظ أو تلف، تقوم إلى الصلاة. ولهذا كما قدمنا هذا ضرب من العبد، ضرب من العبد الذي لا ينبغي لأهل العلم الوقوع فيه، ولكن قدر الله عز وجل وما شاء فعل. علماء فاضل من المتأخرين كالنور رحمه الله يحكون هذا تقليدا لمن سبق، لا تحققا بالمسألة، تقليدا لمن سبق، كل يسمع من قبله يقول حجة أو يقول كلاما فيقول ما قال، فيحصل الغلق، يحصل الغلق في هذه المسائل. نسأل الله العافية والسلام. فروض النية، يكفيها، يكفيك نية القلب، يكفيك نية القلب. من باب الفائدة ينبغي أن يعلم أن النية هي في فعل المأمور لا بد منها، النية في فعل المأمور لا بد منها، ولكن النية في ترك المنهي لا تشترط. النية شرط في فعل المأمور لا بد من الاتيان بها، وليست شرطا في ترك المحظور والمنهي. هذه قاعدة ينبغي أن تعلم، نقل فيها إجماع أهل العلم، نقل فيها إجماع أهل العلم. فعل المأمور مثل الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، هذا أمر، إذن الصلاة مأمور بإقامته. فعل المأمور مثل الزكاة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، مثل فعل العبادات، مثل فعل سائر العبادات، قراءة القرآن ونحوه، لا بد لها من نية، لا بد لها من نية صالحة. أما المحظور وترك المحظور وترك المنهي عنه فمثل ترك الزنا، عياذا بالله، هل يشترط له نية؟ أم الواجب الامتثال؟ الواجب الامتثال، لا يشترط النية في ترك الزنا. كذلك إزالة النجاسة، العبرة بإزالة الحدث، ولو لم ينوي ولم يخطر في قلبه شيء، يجب عليه أن يزيل النجاسة. إزالة النجاسة من باب التروك، وباب التروك لا تشترط له النية، ونقل في ذلك إجماع الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر له. الوضوء هل هو من فعل المأمور؟ الجواب: نعم، الوضوء عبادة جليلة، الوضوء عبادة جليلة. الحنفية يقولون: لا تشترط له النية، ثم يقولون: ويجب في التيمم النية. قيل لهم: فمن فرق بين الوضوء والتيمم؟ فلما اشترطتم في التيمم ولم تشترطوه في الوضوء؟ وأجابوا بأجوبة فيها ضعف. حاصل أن النية فعل، أن النية عمل قلبي يقع في القلب، كما قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، تلقظوا بها، ليس بشرط إجماع، والجهر بها غير مشروع إجماع عند المتقدمين، خلافا لمتأخرين أهل العلم من الشافعية والمالكية. دخل الوقت، ونقرأ غدا إن شاء الله في غسل الوجه، فإذا كان لكم شيء وإلا وقفنا هاهنا. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لهداه، ويعيننا على رضاه، ويرحم علماءنا جميعا، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا للمشاهدة، للمشاهدة.