أسباب الفتور وعلاجه 3

الدرس في أسباب الفتور وعلاجه 3، وكان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر شوال 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حرص السلف على استغلال الوقت وشحذ الهمم

يستعرض المقطع نماذج من حرص السلف على الوقت، كإمام الطبري الذي كان يكتب ستين ورقة يومياً وطلب من طلابه إعداد آلاف الأوراق، وابن تيمية الذي ألف في كل فن وطالع أكثر من مئة تفسير لمسألة واحدة، مما يحفز طالب العلم على الاقتداء بهم.

علو همة علماء السلف في طلب العلم والتأليف

يسلط المقطع الضوء على جدّ علماء السلف واجتهادهم في طلب العلم وتأليف المصنفات رغم قصر أعمارهم، مستعرضاً نماذج من الإمام النووي وابن حجر والمزني وأبي حاتم الرازي، مع تأكيد أهمية تكرار قراءة الكتب لإتقانها وشحذ الهمة.

نماذج من اجتهاد السلف في طلب العلم وتدوينه

يستعرض المقطع نماذج من اجتهاد السلف في طلب العلم كقيام الإمام الشافعي ليلاً لتدوين الفوائد، ومذاكرة المحدثين حتى الفجر، وحفظ القرآن في الصغر، وقراءة الكتب المطولة مراراً، مع توصية بالاطلاع على سيرهم في كتب التراجم.

الختام والدعاء بالتوفيق للجميع

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، ويؤكد أن الله ولي ذلك والقادر عليه، ثم يحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم في الدرس الماضي الكلام على الحرص على الأوقات، ونظر المسلم في أهمية الوقت. وإن مما يعين على استغلال الأوقات، وعلى كذلك شحذ الهمم، القراءة فيما عليه السلف في استغلالهم لأوقاتهم وشحذ هممهم. فإن الناظر في حياة السلف يتعجب من مدى حرصهم ومدى علو همتهم، ويقول في نفسه: إن هؤلاء الرجال كأنهم ليسوا مما نحن عليه من خصائص البشر. فتتعجب من عظيم هممهم، ومن شدة حرصهم على أوقاتهم. وفي هذا المجلس نذكر بعض هذه الأمثلة مما نقله لنا أهل السير في مدى حرص واهتمام السلف الصالح بأوقاتهم، مما يشحذ همة طالب العلم. فمن ذلك ما جاء عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير رحمه الله تعالى. هذا الإمام، قيل: لو قسمت الأوراق التي كتبها منذ أن خُلق إلى أن مات، لأصبح مقدار ما يكتبه في اليوم ستين ورقة. ستين ورقة! انظروا إلى أي علو همته، وحرصه على كتابة العلم. حتى أنه ذات مرة أشار على بعض طلبته أن يكتبوا في تاريخ الإسلام، أو في تفسير القرآن، فقال: فأحضروا ثلاثين ألف ورقة. قال لهم: أحضروا ثلاثين ألف ورقة واكتبوا فيها. فقال هؤلاء الطلاب: إن هذه المدة تنقطع دونها رقاب الإبل. فقال الإمام أبو محمد، أو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير: الله أكبر، ماتت الهمم. ثم قال: أحضروا ثلاثة آلاف ورقة. انظروا إلى علو الهمة، وكيف أنه كان حريصًا على كتابة العلم، وعلى حث طلابه على هذا الأمر العظيم. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يتعجب المرء عندما يقرأ في كتبه، وعندما يستعرض مكتبته: كم ألف من الكتب؟ وكم رد على المخالف؟ كتب في التفسير، وكتب في العقيدة، وكتب في الفقه، ورد على الفلاسفة، ورد على الفرق الضالة. ما من فن من الفنون إلا وله تأليف فيه. وذات مرة يحكي عن نفسه، كما في آخر تفسيره لسورة النور، أنه أراد أن يبحث مسألة، وهي: هل في الصحابة اختلاف في تأويل الصفات؟ هل جاء عن أحد من الصحابة أنه أول الصفات؟ يريد أن يبحث هذه المسألة. يحكي عن نفسه أنه طالع تفاسير الصحابة، وطالع الكتب الصغار والكبار، قال: «وطالعت أكثر من مئة تفسير». طالع أكثر من مئة تفسير حتى يحقق هذه المسألة. ثم قال: فلم أجد عن أحد من الصحابة أنه قال بتأويل آية من آيات الصفات، ولا حديث من أحاديث الصفات. انظروا إلى علو همته. وكذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى، هذا الإمام مات وقد بلغ من العمر خمسة وأربعين سنة، مات صغيرًا. ومع هذا، إذا استعرضت مؤلفاته لوجدت أنه قد ألف الكتب الكثيرة. فله شرح لأحاديث مسلم عليه رحمة الله، وله «روضة الطالبين»، وله كتاب في تهذيب اللغة، وله كذلك شرح على المهذب في الفقه، ألف فيه تسعة مجلدات، ثم أدركته المنية. فأكمل السبكي إلى أن انتهى الإمام النووي إلى كتاب البيوع، وفي باب الربا. ثم أكمل السبكي إلى المجلد الحادي عشر، ثم جاء المطيعي وأكمل إلى المجلد الثالث والعشرين. وهذا فيه تنبيه على طالب العلم: أنه إذا نظر إلى المجموع شرح المهذب، إذا كانت الأبواب بعد كتاب الربا، فلا ينسب ذلك للإمام النووي؛ لأنه لم يشرح آخر الكتاب، وإنما وقف إلى كتاب الربا فقط. الشاهد من هذا أنه ألف هذه المؤلفات، إضافة إلى بعض الكتب الصغيرة كالأربعين النووية، ورياض الصالحين، وكتاب الأذكار، وهو مات ويبلغ من السن خمسة وأربعين سنة. وهذا يدل على علو همته. حتى أنه ذكر عنه أنه ربما في اليوم الواحد يدرس أكثر من اثنتي عشرة درسًا، ويلازم المشايخ، ويطلب العلم عندهم. وهذا لا شك يدل على علو همته. ولذلك أخرج هذه الخزينة العلمية للمسلمين. وكذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، كان غاية في الجد والاجتهاد في طلب العلم، وفي علو الهمة. ذكر عنه أنه قرأ معجم الطبراني الصغير في جلسة، ما بين الظهر والعصر. سبحان الله! جلسة واحدة يقرأ فيها هذا الكتاب من كتب الحديث. وكذلك الإمام المزني رحمه الله تعالى، قيل: أنه قرأ كتاب الرسالة في أصول الفقه للإمام الشافعي خمسين مرة. قرأها خمسين مرة. وهذا فيه تنبيه لطالب العلم: أنه لا يكتفي في قراءة الكتب أو في دراسة الكتب على المرة الواحدة، بل ينبغي عليه حتى يتقن هذا الكتاب أن يكرر قراءته، وأن يكرر دراسته حتى يتقنه. وهذا دأب العلماء. وكذلك أبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى، بلغ به مدى الاهتمام بوقته وحرصه على طلب العلم، أنه كان في وقت قضاء الحاجة يأمر ولده أن يقرأ عليه، حتى لا يضيع شيء من الوقت. يأمر ولده أن يقرأ عليه العلم. انظروا إلى مدى حرصهم على أوقاتهم، وشحذ كذلك همتهم. وكذلك الإمام الشافعي عليه رحمة الله، ربما في الليلة الواحدة يقوم المرات الكثيرة. كلما تذكر فائدة قام وأوقد السراج، وكتب هذه الفائدة، ثم ينام. وكتب هذه الفائدة، ثم ينام. وهكذا عدة مرات في الليلة الواحدة، يوقد السراج ويكتب الفائدة التي ذكرها، ذكرها واستحضرها. انظروا إلى مدى حرصهم على كتابة العلم، وعلى إفادة الأمة. وكذلك إذا قرأت في سيرة السلف تتعجب: ربما اجتمع فريق مع بعض أهل الحديث بعد صلاة العشاء، وتذاكروا الحديث عند باب المسجد، فلم يشعروا إلا ويؤذن المؤذن لصلاة الفجر، وهم يتذاكرون الحديث طيلة الليل، وهم يتذاكرون الحديث. وكذلك يفيد بعضهم بعضًا في مذاكرة الحديث، وفي حفظ الحديث. وكذلك حفظهم للقرآن: إذا قرأت سيرتهم تتعجب، كيف أن أغلب أولئك العلماء يحفظون القرآن قبل البلوغ؟ قبل البلوغ، ربما حفظ أحدهم القرآن وهو ابن سبع سنين، أو أكثر من ذلك، أو أقل من ذلك، كما جاء عن بعضهم: يحفظ القرآن وهو في هذا السن. فهذا لا شك أنه يدل على حرصهم، وعلى كذلك اهتمامهم بأمر طلب العلم، وإفادة الأمة بكتابة العلم وحفظ العلم. وكذلك عبد الله بن محمد فقيه العراق، قيل: أنه طالع كتاب المغني ثلاثًا وعشرين مرة، لابن قدامة. المغني لابن قدامة، هذا الكتاب العظيم الكبير، قرأه وطالع هذا الكتاب ثلاثًا وعشرين مرة. فانظروا إلى مدى حرصهم على مطالعة العلم وقراءة العلم. هذا إنما هي أمثلة. وأنصح طالب العلم أن لا يهمل هذا الجانب، ألا وهو جانب القراءة في سيرة السلف الصالح. ليس فقط في اهتمامهم وجدهم واجتهادهم في طلب العلم فحسب، بل في غيرها من أبواب الخير والصلاح. اقرأ في سيرة السلف في إخلاصهم، في متابعتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، في طلبهم للعلم، في عباداتهم، في زهدهم، في ورعهم، في دعوتهم إلى الله عز وجل، في أبواب كثيرة. فستجد بإذن الله تعالى ما يكون حافزًا لك، وما يكون مشجعًا لك على أن تحذو حذوهم، وأن تتشبه بهم، ولو الشيء اليسير مما هم عليه من ذلكم السلوك، ومن ذلكم الطريق. فلا تنسَ حظك يا طالب العلم من القراءة في كتب السلف الصالح، في سيرة السلف الصالح. تقرأ في «سير أعلام النبلاء»، تقرأ كذلك في «تاريخ الإسلام»، تقرأ في «البداية والنهاية»، تقرأ في غيرها من تلكم الكتب التي تجد فيها من تراجم السلف، ومن هدي السلف، ومن كذلك ما عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.