المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل أبو ماجد البيحاني، الخميس 5 شوال 1433هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية ألقاها
يشرح المقطع أن أهل السنة يعتمدون على القرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين للوحي، ويشترطون فهمهما على منهج السلف الصالح. ويستدلون بآيات وأحاديث تأمر بالتمسك بهما والتسليم لحكمهما، ويردون على الفرق الضالة التي تحرف النصوص أو تقدم الأهواء على الوحي.
يؤكد المقطع على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بفهم الصحابة السابقين الأولين، مبيناً أن الإجماع حجة ملزمة مستندة إلى نصوص قرآنية وسنة. ويناقش أنواعه قطعي وظني وتاريخ إنكاره، مشيراً إلى أن نقل الأئمة المستقرئين للإجماع يُقبل بالظن الغالب الحجة شرعاً.
يبيّن المقطع مكانة الإجماع كدليل قطعي الدلالة لا يحتمل الخطأ، ويضرب أمثلة كمس المصحف وزكاة عروض التجارة. ثم يوضح حجية قول الصحابي إن اشتهر ولم يُنكر فهو إجماع سكوتي، مؤكداً وجوب التزام أقوال السلف وعدم إحداث قول جديد منتقداً المذهب الظاهري.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه أن يريه الحق ويرزقه اتباعه، وأن يغفر للمؤمنين الأحياء والأموات. كما يدعو بأن يعز الإسلام والمسلمين، ويهديهم لأحسن الأخلاق والأعمال، ويصلي على النبي محمد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والله إني قجاء من نفسي أن أقف بين أيديكم بسبب أني لست إلا طالب علم صغير مشغول بأمر دنياه وبأولاده، لم أتفرق تفرق لطلب العلم كما هو حال أكثركم، فسامح الله من يعني ورطنا في هذا الورط. فأقول مستعينا بالله: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن لأهل السنة والجماعة مناهج في التعامل مع بعض الأمور، منها منهجهم في الاستدلال، ومنها منهجهم في الوسطية، أي وسطيتهم بين الفرق الضالة، كما في مسألة الإيمان والأحكام بين المرجئة وبين الخوارج، وكما في مسألة الصحابة بين الرافضة وبين النواصب، وهكذا في القدر، وهكذا في تفسير لا إله إلا الله. وكذلك لهم منهج في التعامل مع الخلق، من هذا التعامل الجهاد في سبيل الله وأقسامه ومتى يشرع ومتى لا يشرع، ومنها كذلك التعامل مع الحكام ومتى يجب الفرار عليهم ومتى لا يجب. فهناك شروط قبل الخروج على الحاكم الظالم: فإن كان مسلما فلا يخرج عليه بشروط، وكذلك إن كان كافرا هناك شروط أخرى، فلا يخرج عليه حتى تتحقق هذه الشروط. ومنها تعاملهم مع أهل البدع وغير ذلك. ونكتفي بكلامنا عن منهج الاستدلال بحيث أن الوقت لا يتسع لذكر هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا من مناهج أهل السنة والجماعة. وأصل هذه كلمات مستقاة من محاضرة للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله ورعاه. فأما منهج الاستدلال فإنهم، أعني أهل السنة والجماعة، يستدلون بكتاب الله، وكذلك يستدلون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الوحي: كتاب الله وسنة رسوله، ويحيانا يطلق عليه الوحيين. فلا بد من التمسك بهذا، ولا بد من أمر ثالث فاصل يفرق بين من يدعي هذا الادعاء، فإن كل يدعي التمسك بالكتاب والسنة. والفاصل في ذلك أن نفهم الكتاب والسنة على فهم سلفنا الصالح. وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾، والاستمسك أبلغ من أن يقال تمسك، استمسك أي استمسك بقوة وشدة. وكذلك أثنى الله على المصطفين من عباده فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ ﴾، أي يتمسكون تمسكا شديدا بالكتاب. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». فأول ما يستدل به أهل السنة والجماعة أن يستدلون بما جاء في كتاب الله عز وجل. قال سبحانه وبحمده عن هذا الكتاب العظيم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾، أقوى في العبادات وأقوى في العقائد وأقوى في السلوك. فهذا القرآن يدل على أحسن طريق وأفضل طريق وأكمل طريق. قال سبحانه وبحمده: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. فلا بد أن إلى جاءتنا الآية من كتاب الله عز وجل أن نسلم بها ونستسلم لحكمها وننقاد لها بلا حرج ولا تعنت ولا ضيق. هذا هو المنهج الصحيح في الاستدلال بكتاب الله عز وجل، فلا نضرب بعضه بعضا كما تفعل كثير من أهل الفرق الضالة. فإن الله سبحانه وتعالى أنزل عليهم آيات كريمات في النهي عن التحزب، وأضرب هذا كمثال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾، ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. انظر للجماعات المختلفة، تقول لهم: هذا الدليل عليكم أوضح من شمس النهار، فلماذا تعرضون عن هذا الدليل؟ قالوا: ذكر الله المهاجرين والأنصار، وهل المهاجرين والأنصار كانوا حزبين متعارضين مختلفين متناحرين؟ بل والله إنهم حزب واحد، وهم أصل أهل السنة والجماعة كما سيأتي الحديث عنهم رضي الله تعالى عنهم. كذلك المعتزلة، لما قيل لهم وهذا مثال آخر في الاستدلال بالكتاب، لما قيل لهم أن الله يرى يوم القيامة، قالوا: الله ما يرى يوم القيامة. استندوا على عقولهم وأهوائهم وآرائهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾. وأما أهل السنة والجماعة ففسروها بتفسير السلف، ولم يضربوا القرآن بعضه ببعض، فقالوا: لا تدركه أي لا تحيط به الأبصار، لا أنها لا ترى، فالإدراك أعم من الرؤية، أعم من الرؤية. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ عَنْ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ ﴾، يعني الكفار محجوبون عن الله، فالمفهوم من هذه الآية أن غير الكفار ليسوا محجوبين عن الله عز وجل. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، ناظرة. وكما قال نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون الكوكب، أو كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»، أي لا تجدون أي صعوبة في النظر إلى القمر ليلة البدر ترونه مكتملا، فكذلك ترون ربكم بدون أي صعوبة، بدون أي صعوبة. هذه أدلة واضحة مثل الجنان يعدل عنها أهل البدع لأهواء وأمور عندهم اتخذوها وقدموها على كتاب الله عز وجل. قال سبحانه وبحمده: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. وقال سبحانه وبحمده: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾. الأمر الثاني الذي يستدل به أهل السنة ويحتجون به ويكون مصدرا لعقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم، ألا وهو الوحي الثاني: سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قال الله عز وجل أن هذا الرسول الكريم يعلم أمته الكتاب والحكمة، قالوا: الكتاب القرآن، والحكمة السنة. وهذا وجه من تفسير الحكمة المذكورة، وجه من وجوه التفسير المذكورة التي فسرت بها الحكمة في هذه الآية. نعم. وقد أرشدنا ربنا سبحانه وبحمده إلى أن نتأمر ونحتكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه وبحمده: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. حتى يحكموك فيما شجر بينهم، وإلى ما فعلت، وإلى ما أمرت. ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، لا حرج في أنفسهم وتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سبحانه وبحمده: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾. لا تقول: أنا أهوى هذا، وآخر يقول: أنا أهوى هذا. ما جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم هو عين الحق وعين الصواب. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾. وأرشدنا الله عز وجل إلى طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ ما أعطانا من توجيهات وإرشادات في عقائد وفي عبادات وفي معاملات. قال سبحانه وبحمده: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾. والذي يخالف هذا يعرض نفسه للفتنة، ويعرض نفسه للردة، ويعرض نفسه للشرف، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. قال سبحانه وبحمده: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. قيل: يا للإمام أحمد، ما الفتنة؟ قال: الشرك. فسرها بالشرك، الفتنة بهذا الموضع من الآية فسرها بالشرك. نعوذ بالله أن نشرك به شيئا. أمرنا الله سبحانه وتعالى بطاعة نبيه وعدم معصيته والاحتكام إليه في نحو من أربعين آية أو تزيد على أربعين آية، كما ذكر مثل ذلك أو نحو ذلك ابن تيمية وقبله الإمام أحمد. ثم المنهج الثالث: أن نفهم ما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نصوص الكتاب والسنة، ولا نعدل عن فهمهم. قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾. نعم. إذا قيل لك: من مؤسس جماعة أهل السنة والجماعة؟ تقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم. من هم قادة هذه الجماعة؟ تقول: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. هؤلاء هم قادة هذه الجماعة المباركة. وقد ذكرهم الله عز وجل بشيء من التفصيل في سورة الحشر، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾. والفرقة الثانية: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. الآية الأولى وصفت المهاجرين بأنهم هم الصادقون، والآية الثانية وصفت الأنصار بأنهم هم المفلحون. ثم الثالثة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. وقال سبحانه وبحمده: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾، أي هؤلاء الثلاثة، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، أي إن آمن غير هؤلاء الثلاثة بمثل ما آمن به الثلاثة فقد اهتدوا. ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾. وقال سبحانه وبحمده: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. ثم كيفية فهم منهج السلف الصالح، هؤلاء الثلاثة: المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، يكون فهمهم ومنهجهم على ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإجماع الذي أجمعوا عليه. والأمر الثاني: قول الصحابي بشروطه. والأمر الثالث: أن لا يحدث في دين الله شيئا لم يسبق إليه. لأن ركيزة أهل السنة والجماعة هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. قال سبحانه وبحمده: الأمر الأول قلنا الإجماع، ودليل الإجماع قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾، وقوله سبحانه وبحمده: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وقوله سبحانه وبحمده: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾. أي الأمر الذي لم يختلف فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حكم الله عز وجل. وقد جاء حديث يصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه: «ما اجتمعت أمتي على ضلالة، ما اجتمعت أمتي على ضلالة». أي أن الصحابة والتابعون لهم بإحسان إذا أجمعوا على أمر صار حجة بدلالة الآيات التي ذكرناها وغيرها من الآيات. إذن الإجماع حجة ملزمة وهو فهم سلف هذه الأمة، الإجماع. وهذا الأمر الأول: الإجماع حجة ملزمة وهو فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة في كل عصر إذا اجتمع. وينبغي أن تتنبه لمسائل الإجماع: المسألة الأولى أن الإجماع يكون قطعي ويكون ظني. فأما القطعي: ما كان له دليل صريح قطعي، مثل إقامة الصلاة، فإنها تستند إلى دليل قطعي صريح من الكتاب والسنة، فإجماعها قطعي. وهناك إجماع آخر وهو الإجماع الظني السكوتي، وهناك إجماع سكوتي من باب الظن الغالب، والراجح فيه أن هذا الإجماع حجة ملزمة. نعم. وأول من أنكر الإجماع: فالإجماع حجة عند صحابة رسول الله وعند التابعين لهم بإحسان، وعند تابع التابعين. أول من خالف في هذه المسألة وجعل الإجماع غير حجة هو النظام المعتزلي، لا أدري في أي وقت جاء، إنما جاء في القرون المتأخرة، أنكر هذا الإجماع. ولا يجوز إنكار الإجماع، بل الإجماع بالإجماع حجة ملزمة. وقلنا أن أول من أنكر هذا هو النظام المعتزلي. ومن مسائل الإجماع: أن بعض الخلاف كان قد حصل قبل الإجماع ثم أجمعت الأمة، مثل الخروج على الحاكم، كان بعض السلف رأى رأيا فيه ثم حصل الإجماع بعد فتنة ابن الأشعث. وقد ذكر هذا الإجماع وذكر أنه استقر الإجماع على هذا الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم، قال: واستقر الإجماع على ما لا أن لا يخرج على المسلم الظالم، أو كما قال. كذلك ذكر هذا الحافظ في الفتح في تهذيب التهذيب. كذلك ذكر هذا الإمام ابن تيمية، كلهم يذكرون أن هناك اختلاف قبل الإجماع. وأحيانا يكون الخلاف بعد الإجماع، وله مسوغ بأن لا يصل هذا العالم الإجماع أو لا يثبت لديه الإجماع، فإن ثبت لديه الإجماع فلا يجوز لأحد مخالفة الإجماع. ومن أين نأخذ الإجماع؟ كثير من الناس يقول: من أين نأخذ الإجماع؟ نقول: يوجد الإجماع من أئمة الإسلام المستقرئين للشريعة، أمثال النووي وابن حجر وابن تيمية وابن القيم، وقبلهم الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك بن أنس وغيرهم كثير. هؤلاء الأئمة المستقرئون إذا نقل اثنان منهم أو ثلاثة أو أربعة أو كثيرا منهم نقل الإجماع، يجب علينا قبوله والتسليم له، لأنه من باب الظن الغالب، والظن الغالب حجة في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال عز من قائل: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾، وهل شقوا عن قلوبهن حتى يعلموا أنهن مؤمنات؟ إنما علمهم من باب الظن الغالب. وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما بأليذ بن مسعود في صلاة السهو: «فليتحر الصواب»، أي الظن الغالب. فالظن الغالب حجة من حجة الشرع يجب العمل به. كذلك الإجماع الظني حجة من باب الظن الغالب، فإنه يجب علينا النصير، النصير إلى هذا الإجماع. لكن أحيانا قد ينقل بعض أهل العلم الإجماع خطأ، فينظر من خالفه ويستقرأ المسألة استقراء عن طرف أئمة الإسلام، فإن ثبت لدينا أنه أخطأ في نقل الإجماع يخطأ، وإن لم يثبت ذلك فالأصل غلبة الظن في الإجماع، فالإجماع في هذه الحالة حجة. وهناك ميزة أخرى للإجماع، وهي أن دلالة الإجماع قطعية ليست احتمالية. أحيانا يأتي الحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفهمه الصحابي هذا بفهم، وهذا الصحابي هذا بفهم، فيصير عندنا احتمالان: إما هذا وإما هذا. لكن ميزة الإجماع أنه قطعي الدلالة. وقد ذكر نحو ذلك الإمام الغزالي في كتابه المستصفى وغيره، ذكر هذه المسألة. إذن هذه جملة من مسائل الإجماع يجب على طلبة العلم أن يعتنوا بمسائل الإجماع، وأن يولونها اهتماما خاصا، وأن يحققوا مسائل الإجماع حتى تزين، حتى تزول كثير من الإشكالات التي تعرض لهم. وقلنا أن منهج السلف حجة في العبادات وفي العقائد وفي المعاملات وفي أمور الفقه. بعض الناس ما يرى مذهب السلف حجة في الفقه، يقول: إنما هو حجة في العقيدة أو حجة في العبادات، أما في الفقه ليس حجة، يسميها المسائل الفرعية. المسائل الفرعية مهما صغرت إذا أجمع عليها سلف هذه الأمة فلا يجوز الحيدة عنها أبدا. من ذلك ما ذكره ابن قدامة، وهو أن نمس المصحف، تنبه معي لهذه المسألة: أن نمس المصحف لا يجوز إلا لمتوضئ. قال ابن قدامة بمعنى كلامه: قال: ماذا؟ قال: ولم يخالف في هذه المسألة، أو أول من خالف في هذه المسألة داود الظاهري، وداود الظاهري جاء في آخر المئتين أو أول الثلاثة المئة، فقد أجمع الصحابة والتابعون وتابعوهم على أن نمس المصحف لا يجوز إلا لمتوضئ. بخلاف بعض من لا يهتم بالإجماع، فإنه يضعف حديث عمر بن حزم، ويرى أنه لا حجة في الحديث، ونحن نقول: مع أنه صحيح لا حجة في هذا الحديث، إنما الحجة في الإجماع، وهذا الحديث عاضد. وكذلك الآية المباركة التي تقول: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾، فإنها حجة، فإنها عاضدة أيضا، كما قال ابن القيم إشارة إلى أنه لا يمس المصحف إلا متوضئ، أو كما قال رحمه الله تعالى. مسألة أخرى: وهي مسألة زكاة عروض التجارة. زكاة عروض التجارة الحجة فيها الإجماع، وما جاء من الأدلة الأخرى فهو عاضد لها، مثل ما ثبت عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وكذلك ثبت عن ابن عمر أنه قال: لا تجب الزكاة في العروض إلا ما كان للتجارة، هذا ثابت عند ابن أبي شيبة بسند صحيح. إذن عندنا الحجة الإجماع، وقد نقل الإجماع خمسة من الأئمة المستقرئين: نقلها أبو عبيد القاسم بن سلام، ونقلها ابن تيمية، ونقلها ابن المنذر، ونقلها ابن قدامة، ونقلها ابن عبد البر. خمسة مستقرئين للشريعة نقلوا هذا الإجماع، فغلبة الظن في هذه المسألة هو أن عروض التجارة فيها زكاة، لا كما يقول البعض أنه ليس فيها زكاة. وكذلك النصوص العامة في إيجاب الزكاة في الأموال تؤيد هذه المسألة. وأنا أضرب لكم أمثلة قليلة على مثل هذه المسألة. الأمر الثاني: وهو قول الصحابي، أي من أين نأخذ مذهب السلف؟ الأمر الأول من الإجماع، والأمر الثاني من قول الصحابي. وقول الصحابي تارة يكون إجماعا وتارة يكون حجة وليس بإجماع. فإذا قال الصحابي قول واشتهر بين الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكر عليه أحد، فهو حجة وإجماع، ويسمى إجماعا سكوتيا. وأما إن قال قول ولم يشتهر بين الصحابة، فإنه حجة على الراجح من أقوال أهل العلم وليس بإجماع. فقول الصحابي حجة. نعم، قول الصحابي حجة. فإذا قال الصحابي في مسألة ليس فيها كتاب ولا سنة، فإن قوله حجة، وهو فهم السلف الصالح الذي يجب أن يصار إليه. نعم. الأمر الثالث: وهو أن لا نحدث في دين الله ما لم نسبق إليه. نهى ربنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم عن الإحداث في الدين. كذلك النهي عن الإحداث في فهم سلف هذه الأمة، فإنه منهج معصوم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويكفيكم أن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن الإحداث في أغلب خطب الجمعة، فكان يقول: «إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد. فالتعامل مع الإحداث يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول: أن لا تحدث أي مسألة لم يحدثها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تشرع في الدين كما سنع. الأمر الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم لو اختلفوا على قولين أو ثلاثة أقوال، لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يأتي بقول رابع في المسألة، سواء مسألة فقهية أو عقدية أو غير ذلك. والمسائل العقدية نادرا ما تجد قولين فيها، وأما المسائل الفقهية فكثيرا ما تجد القولين والثلاثة للصحابة وغيرهم. فإذا اختلف سلف هذه الأمة على قولين فلا يجوز أن يأتي أحد بقول ثالث، كما قال الإمام أحمد. قلنا الأمر الأول: أن لا يأتي بقول لم يأت به أحد، وأن لا يفتأت على أقوال الصحابة. وأهل الظاهر والمسمى بالمذهب الظاهري، وعلى رأسهم داود الظاهري وابن حزم وغيرهم ممن تسمى بهذا المذهب، قد بدعهم أئمة أهل السنة والجماعة. قلنا مسألة الإحداث: يجب أن لا يؤتى بقول جديد في مسائل الفقه ولا غيرها. والأمر الثاني: أن الصحابة إذا اختلفوا على أمرين يجب علينا أن نقف مع هذين الأمرين، وننظر أيهما أشبه بالكتاب والسنة، ونرجح بينهم، ولا يجوز لأحد أن يأتي بقول ثالث أو رابع. والأمر الثالث: إذا اختلف السلف على قولين يجب علينا أن لا نلفق بين القولين، لأنك لو لفت بين القولين جعلت قولا ثالثا، فلا بد إما أن تجمع بين القولين أو تنظر للراجح منهما وذلك بالأشبه بالكتاب والسنة. هذه المسألة مهمة، ومسألة أن أئمة الإسلام بدعوا المذهب الظاهري وأهله بسبب خمس أمور، لكني لا أحفظ هذه الأمور، وأعظم ما في هذه الأمور الخمسة هو افتئاتهم على أقوال السلف، فإنهم يجيزون أن يؤتى بقول جديد، ويجيزون أن يؤتى بقول ثالث في المسألة بعد قول السلف، أو قول رابع، أو قول خامس. وهذا سبب رئيسي لتبديع أهل الظاهر. فعلينا أن نهتم في أمور الفقه بالمذاهب الأربعة أكثر من أن نهتم بغيرها، وخاصة مذهب أهل الظاهر، فإنهم قد بدعوا، ولا بأس أن يستفاد مما يستدلون به بعد معرفة ما عندنا من الفقه، حتى لا نرجع لأهل البدع إلا عند الحاجة، ونبقى على أصول أهل السنة ونعمل بها ونقتدي بأئمة السنة، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وبحمده أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يجعلنا من خير أمة أخرجت للناس. ونسأله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم عز الإسلام والمسلمين. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. والعفو منكم. شكرا، شكرا.