المحاضرة بعنوان من المواسم العظام شهر الله الحرام، والتي كانت ضمن الدورة العلمية المكثفة الرابعة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر السبت 5 محرم 1448هـ الموافق 20 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين فضل الأمة المحمدية وخصائصها، حيث خصها الله بموسم تلو الآخر من الخيرات والبركات. هذه المواسم تتوالى على الأمة بسبب خيريتها وفضلها على سائر الأمم.
يُناقش أهمية استغلال العمر في الطاعات والعبادات، ويُشير إلى أن طول العمر ليس نعمة بحد ذاته، بل يعتمد على جودة الأعمال. المواسم المباركة تحفز الناس على الاستمرار في سيرهم إلى الله.
يُشجع على اغتنام الفرص الروحانية بعد رمضان، ويُبرز فضل شهر المحرم وصيام عاشوراء. يحث على صيام التاسع والعاشر من المحرم، ويشير إلى أن الأجر يعظم مع المشقة والصبر.
يُشدد على أهمية اغتنام المواسم الفاضلة مثل شهر محرم والصيام فيها اقتداءً بالنبي. يُطلب من الله أن ينفع المسلمين بما سمعوه ويُصلى على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، فإن من عظيم نعمة الرحمن أن منّ علينا، معاشر أهل الإسلام، بهذه الشريعة الغراء، هذه الشريعة التي حوت كل خير، ونفت وخلت عن كل سوء وشر وضير. هذه الشريعة التي أسقط الله عز وجل فيها الواجبات عن العاجزين، وأباح المحظورات للمضطرين. هذه الشريعة التي أسقط الله فيها الإثمية عن المخطئين والناسين وعما وقع في الضمير. هذه الشريعة، العبادات قائمة على اليسر والتيسير، وعلى نفي الحرج والتشديد والتعسير، ما جعل عليكم في الدين من حرج. هذه الشريعة، العمل اليسير يجازيه ربنا جل وعلا بالأجر الكثير العظيم الوفير، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. هذه الشريعة التي جعل الله عز وجل فيها لأهلها، بين الفينة والأخرى، أزمانًا مباركة ومواسم فاضلة، أزمان مباركة وأزمان فاضلة تضاعف فيها الأجور والحسنات، وتزداد فيها الخيرات والبركات. بالأمس كنا في شعبان، شهر ترفع فيه الأعمال، ومن ثم جاء رمضان، زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان. ثم جاء شوال، من صام بضعة أيام كان كصيام العام، ثم جاءت أيام العشر من ذي الحجة، أيام فاضلة، أيام مباركة، أقسم بها رب الأرض والسماوات. ثم ها نحن في هذا الشهر المحرم، شهر كفاه شرفًا أن الله عز وجل أضافه إلى نفسه، شهر الله، كما قال أبو الفضل العراقي. وما هناك شهر أضيف إلى الله إلا هذا الشهر، شهر الله المحرم. قال أبو عبيد: وإنما أضيف إليه لعظمته وشرفه. إخواني في الله، إن كان من وقفة وعبرة وعضة نستفيدها من تتابع هذه المواسم علينا، الموسم تلو الآخر، فإننا نستفيد من ذلكم عدة مسائل وفوائد. من أولى هذه الفوائد، إخواني في الله، أن نعلم فضيلة الأمة المحمدية، هذه الأمة التي شرفها وخصها وميزها الله عز وجل عن سائر الملل والنحل. ما هنالك أمة تداني ولا توازي ولا تساوي أمة محمد عليه الصلاة والسلام. ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، كنتم خير أمة. ومن خيرية هذه الأمة أن الله عز وجل خصها بمثل هذه المواسم، ما يأتي فترة إلا وموسم، جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مثلكم ومثل اليهود والنصارى إلا كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغداة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود من الغداة إلى نصف النهار على قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين؟ قال عليه الصلاة والسلام: فأنتم تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين، ضوعف لكم في الأجر، ضوعف لكم في الأجر». فقال عليه الصلاة والسلام: «فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: يا رب، عملنا كثيرًا وأجرنا قليل؟ فقال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا يا رب. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء». ففضل الله جل وعلا أن خصه لهذه الأمة المحمدية. ومن عظيم ما خصنا الله جل وعلا به مثل هذه المواسم العظام تتوالى علينا. فاحمد الله يا عبد الله أولًا على نعمة الإسلام أن جعلك الله من المسلمين، لا أنت من المشركين ولا من الكافرين. ثم أحمد الله على ما خصنا الله به من هذه المواسم المباركة. الفائدة الثانية التي نستفيدها من تتابع المواسم علينا ما يكون من فضيلة طول العمر، لأن الإنسان بطول عمره يدرك هذه المواسم، الموسم تلو الآخر. ها نحن عددنا لك يا عبد الله هذه المواسم من الذي أدركها؟ الذي أحياه الله، أحياه الله فأدرك هذه المواسم والتي قبلها والتي قبلها. وإذا أحياه الله سيدرك بعدها والتي بعدها، بماذا؟ بما منّ الله عز وجل عليك بطول عمرك. فكم من أناس هم أشد منا حرصًا وأكثر منا حبًا أن يكونوا معنا، يزاحموننا في مثل هذه المواسم العظام، لكن سبقتهم الآجال ووافتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، ما استطاعوا إدراك مثل هذه المواسم المباركة. بينما أنا وإياك يا أمة الله نتمتع في أن نتقلب في هذه المواسم المباركة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيرًا». عمرك يا عبد الله يزيدك خيرًا وقربه إلى الله، لكن إذا قمت باستغلاله. وقد سئل عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟ أطولكم أعمارًا، أحسنكم أعمالًا». هذا هو الضابط والمعيار في خيرة خلق الله عند الله. «ألا أنبئكم بخياركم؟ خياركم أطولكم أعمارًا، أحسنكم أعمالًا». وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله». هذا المعيار في أن تعلم أن العمر بحد ذاته ليس بنعمة. فتجد من الناس من يهرع إلى إطالة عمره بالعقاقير والتحاليل وبأشعة جاما وبالهرمونات وبغير ذلك من التطورات العلمية، على وعسى أن يزاد في عمره، ماذا تريد بالعمر الزائد؟ العبرة ليس بالسنة العمرية، العبرة بالكم بالأعمال. من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله. وقد ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، حين آخى نبينا بين شخصين، حديث عبيد، حين آخى نبينا بين رجلين، فقتل أحدهما، ثم مات الآخر بعده، فلما صلوا على الأخير، قال نبينا: «ماذا قلتم في دعائكم؟» قلنا: يا رسول الله، دعونا الله له: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه». أي صاحبه الذي مات قبل فترة، الصحابة ظنوا أن من لوازم المؤاخاة أن يكون هؤلاء أصحاب في الدنيا وأيضًا أصحاب في الآخرة مع بعض. «اللهم ألحق بصاحبه»، فقال عليه الصلاة والسلام: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صيامه من بعد صيامه؟ وفي رواية: وأين عمله من بعد عمله؟» فلما بينهما كما بين السماء والأرض، جاءت في بعض الروايات عند أبي داود أن الفترة الزمانية بين مقتل الأول وموت الآخر أربعين يومًا، أربعين يوم فقط، في خلال أربعين يوم، هذا المتأخر استطاع أن يصلي، يصوم، يقوم بأعمال، هذه الأعمال في هذه الفترة الوجيزة أصبحت هذه الرفعة كما بين السماء والأرض. فما ظنك يا عبد الله بك والله عز وجل يطيل في عمرك وأنت تستغلها في مثل هذه المواسم الفاضلة والأزمان المباركة؟ فأحمد الله على أن الله عز وجل وسع لك في عمرك وجعل لك فسحة من دهرك. الفائدة الثالثة مما نستفيدها من هذه المواسم، فضيلة العمل الصالح. وجه ذلك أن نفهم القاعدة الأولى في هذا الباب، أو المقدمة الأولى: نحن في هذه الدنيا مأمورون من عند ربنا جل وعلا بضرورة التعبد له، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوا﴾، هذه المهمة التي ينبغي علينا أن نؤديها ولابد. القاعدة الثانية: أن هذه المهمة ينبغي أن تكون معنا في كل حياتنا وفي كل شؤوننا، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، في ليلك ونهارك، وصباحك ومسائك، في كل عمرك وأنت لا تفتر، لا كلل ولا ملل، في سيرك إلى الله. تأتي القاعدة الثالثة: أن في خضم سيرك يا عبد الله، تأتيك العواقب، تأتيك العوائق، تأتيك الحواجز تصدك تمنعك عن المضي إلى الله، كالشيطان فوساوسه، والنفس الأمارة بالسوء، والدنيا ولذاتها والشهوات ومحبتها، والشبهات وأضرارها، والفتن وشدتها، هذه العوائق عائق بعد عائق يصدك، يبعدك، يطردك عن سيرك إلى الله عز وجل. ومن هنا تجد الواحد منا في حياته يتعب من الطاعات، من يرجع القهقرة، من ينحرف، من يضعف، من يتكاسل. هنا تأتي المواسم، وكأنها تأخذ بأيدينا لأن نستمر إلى ربنا جل وعلا. مثلًا في شعبان لربما كاد الواحد منا يصاب بالضعف، فيبشر بأن هذا الشهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فشمر منا من شمر بالطاعات والعبادات. فما أن ينتهي شعبان حتى يدخل رمضان، والمنادي ينادي: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر»، فشمر الجميع، الصغار والكبار، والذكور والإناث، شمرنا عن الصيام والقيام وعلى قراءة القرآن في الليل والنهار. وما إن خرج رمضان حتى أن الواحد لربما أراد أن يلجأ إلى الفتور، جاء شوال بهذه البشرى العظيمة: «من صام ستة أيام كان كصيام العام»، فأصبح الواحد يفكر متى يصوم، ذاك في أوله، ذاك في وسطه، وذاك في آخره. وما إن ينتهي شوال وأراد الواحد منا أن يذهب يمنة أو يسرة، يأتي العشر من ذي الحجة، أيام فاضلة، بلغ أن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله. والحينها نفض منا من نفض عن التقاعس عن الطاعة، فقمنا استغلالًا واغتنامًا لهذا الأمر العظيم. ثم جاءت أيام التشريق، وما أن ينتهي هذا الشهر المفضل حتى هل علينا هذا الشهر، شهر الله المحرم، شهر مبارك، شهر معظم، مبجل، جعله الله عز وجل منسوبًا إليه، شهر الله، كما جاء في وصف بيت الله وفي وصف عبد الله، إضافة تشريف. واختلف العلماء لماذا هذه الإضافة؟ حاول العلماء يأتون ببعض العلل من ذلك ما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى: «إنما أضيف إلى الله عز وجل لأن الشهور العربية هي هي في الجاهلية وفي الإسلام، هي هي ما غيرت ولا بدلت، إلا هذا الشهر كان قديمًا في الجاهلية يسمى بصفر الأول، فلما جاء الإسلام سمي بشهر المحرم، فلهذه الميزة أنه اسم إسلامي أضافه الله إلى نفسه»، كما قال ذلك السيوطي وغيره. وذكر هناك علة أخرى بأنه من أوائل الأشهر الحرم، فكان له الشرف في هذا المقام أن أضافه الله إلى نفسه. ومن شرف هذا الشهر، إخواني في الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحراه بالأعمال، وأعظم عمل كان يتحراه نبينا عليه الصلاة والسلام الصيام، كما جاء في الصحيح، عندما سئل نبينا عن أفضل الصيام بعد رمضان، قال: «شهر الله المحرم»، أفضل الصيام. تذكر يا عبد الله فضيلة الصيام في رمضان، اعلم أن الرتبة الثانية في هذا الشهر في الفضيلة وفي الغنيمة. فحرص يا عبد الله على أنك تجعل لك حظًا من صيام هذا الشهر، فهو من الأشهر المعظمة، فالأجر فيه مضاعف، كما قال ذلك جماعة من أهل العلم. وإن كان من حريص، احرص يا عبد الله على أن تصوم اليوم العاشر، وهو يوم عاشوراء، يوم خصه الله جل وعلا بالتفضيل والتقديس والتشريف. ولست في هذا المقام بذكر هذا الأمر، فإن عاشوراء له مسائل وله أحكام يطول ذكرها، ولعل إذا قرب موعد عاشوراء فإن ذلك سيكون. ولكن كذلك مما يضاف إلى أنك تختار وتحرص على صيام هذا اليوم، احرص يا عبد الله على أن تصوم التاسع. وأيضًا مما أحب أن أذكره في هذا المقام، لا شك أن الناس في هذه الأيام في أوقات حارة، قد يعتذر البعض ويتعذر بالحر عن الصوم. لكن يا عبد الله احتسب الأجر عند الله، وإنما أجرك على قدر مشقتك. وإذا وافق العمل الصالح شيء من المشقة فإن الأجر يعظم. وقد كان من فعل سلفنا الصالح الحرص على صيام الأيام الحارة، وهذا أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال الراوي: «كنا في سفر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في يوم حار، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، قال: وما كان فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة»، فقط. هذا ماذا يفيد؟ على حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على إتمام شعيرة الصيام ولو كان في مثل هذه الأيام الحارة، يحتسب الأجر. وهكذا مثل ما جاء عن سلفنا الصالح، كما جاء عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: «صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور»، صوموا لهذا اليوم، صوموا حر شديد، لكن صوموه لماذا؟ لحر أعظم، لحر يوم النشور، الجزاء من جنس العمل. فإذا أنت يا عبد الله تفرط على نفسك بصوم هذه الأيام الحارة، فالله عز وجل يدفع عنك ما هو أحر من هذا اليوم، وما يكون يوم القيامة. نسأل الله السلامة والعافية. وكان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في ساعة احتضاره، كان يحزن على أشياء وعلى فراق أشياء، ومن الأشياء التي حزن عليها رضي الله عنه أنه كان قد حزن على فراق صوم الهواجر، صوم الهواجر، الهواجر هي الأيام الحارة. فكان رضي الله تعالى عنه يتلذذ بصيام هذه الأيام، وعندما يدرك بدنو أجله، كان يفتقد تلك الأيام الطيبة، والتي كان يبرهن فيها على صدق تعبده لربه. فالشاهد، إخواني، فلا هذه مقدمة لنا جميعًا في معرفة فضل هذه المواسم التي تمر ومرت، ولا زالت تمر، وخاصة ما نحن فيه من هذا الشهر الفضيل، وما سيأتينا من يوم عاشر. وأن الواحد منا يحرص على هذه الشعيرة العظيمة التي حرص عليها نبينا، إذ كان يتحرى الصيام في مثل هذه الأيام، ولو مع شدة الحر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.