الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 386، ألقاها
ذكر الإمام البخاري رحمه الله النهي عن النوم على سطح بيت بدون سترة أو جدار، واستدل بحديث نبوي يدل على المنع من ذلك لما فيه من تعريض النفس للخطر. الحديث النبوي يحذر من هذا الفعل ويبين أهمية الأخذ بالأسباب.
المقطع يشرح حديثًا نبويًا يحذر من النوم على سطح بيت بدون جدار ويبين أهمية الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله. الشريعة الإسلامية تهتم بمصالح العباد في دينهم ودنياهم وتأمر باتخاذ إجراءات السلامة.
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من تعريض النفس للهلاك ويبين أن من يفعل ذلك تبرأ منه الذمة. هذا التحذير يشمل كل ما يعرض الإنسان للخطر دون أخذ بأسباب السلامة، ويعتبر الشخص مسؤولا عما يحدث له إذا لم يتخذ إجراءات السلامة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب من بات على سطح ليس له سترة. قال حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا سالم بن نوح، قال أخبرنا عمر - رجل من بني حنيفة، وهو ابن جابر - عن وعلة بن عبد الرحمن بن وثاب، عن عبد الرحمن بن علي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب فقد برئت منه الذمة». قال أبو عبد الله: في إسناده نظر. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب من بات على سطح ليس له سترة". ليس له سترة يعني ليس له جدار، ليس له جدار يكون السطح مكشوفًا ليس عليه جدار مبني بحيث يمنع الإنسان من السقوط. فذكر هذه الترجمة "من بات على سطح ليس له سترة" يعني ما حكم ذلك؟ وذكر في هذا الباب ما يدل على المنع، ما يدل على المنع من أن يبيت الإنسان على سطح ليس له سترة، سترة أي جدار يمنعه ويحجزه من السقوط. وذلك أن الإنسان إن أنام ربما يتحرك وهو نائم يتقلب، فما يدري إلا وقد سقط، أو ربما يقوم فيمشي، بعض النائمين يقوم وهو نائم يقوم يمشي ربما يقوم وهو نائم ويمشي فيسقط، فربما يموت، ربما يتكسر شيء من أضلاعه، فيحصل له ضرر في الأجل، ذلك جاء النهي عن ذلك. وذكر حديث علي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب» يعني جدار، الحجاب الشيء الذي يحجب الإنسان ويستره ويمنع. فالمرأة مثلًا عندما تتحجب وتلبس الحجاب سمي الحجاب حجابًا لأنه يحجبها ويسترها ويمنع من النظر إليها. وكذلك الحجاب هو الجدار لأنه يحجب الإنسان من السقوط ويمنعه من السقوط. فإذا بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب، قال: «فقد برئت منه الذمة». وفي رواية عند أبي داود: "بدأ الحجاب حجار" حجار بمعنى مانع، بمعنى مانع. ومنه سمي العقل حجرًا، سمي العقل حجرًا لأنه يمنع الإنسان من الوقوع في المفاسد والوقوع في الأمور المهلكة والمفسدة، ﴿إن في ذلك لقسمًا لذي حجر﴾ أي لمن كان له عقل. فالعقل سمي بذلك لأنه يمنع صاحبه من الوقوع فيما يهلكه ويضره. قال: «فقد برئت منه الذمة» يعني إذا بات وحصل له شيء فقد برئت منه الذمة لأنه غرر بنفسه وأوقع نفسه في الهلاك. والمراد ببراءة الذمة من هنا أي ذمة الحفظ، ذمة الحفظ أي ليس بحفظ الله لأنه لم يتخذ أسباب الحفظ، فعرض نفسه للخطر وعرض نفسه للمهلكة، فقد برئت منه الذمة. كما ذكر ذلك أمين بطار رحمه الله في شرح صحيح البخاري أن المراد براءة الذمة في مثل هذا الموضع - نحوي من الأحاديث - هي ذمة الحفظ، وليس المراد براءة الذمة - ذمة الإسلام - يعني لا يكفر بذلك، لا يكفر بهذا الفعل، لكن هو عرض نفسه للمهلكة. وهذا الحديث فيه وقول هنا قول البخاري: قال أبو عبد الله في إسناده نظر. أبو عبد الله هو البخاري المؤلف رحمه الله، قال في إسناده نظر أي في إسناد هذا الحديث، ويقصد بذلك سالم بن نوح، لأنه قيل فيه: صدوق له أوهام. وأبو حاتم رحمه الله يقول: يكتب حديثه ولا يحتج به، يعني أنه في الشواهد يحتج به في الشواهد أما بنفسه فلا. وأشياخ الألباني رحمه الله صحح الحديث كما في "الصحيحة" وفي "صحيح الجامع". هذا الحديث كما علمنا الآن يدل على المنع من أن يبيت الإنسان على ظهر بيت ليس عليه جدار، لأن ذلك سبب لوقوعه فيما يضره من السقوط، ربما ينام فيسقط، أو يقوم فيسقط، أو يتدحرج فيسقط، فيحصل له بذلك مضرة. كذلك أيضًا فيه بيان عموم هذه الشريعة التي اعتنت بمصالح العباد في دينهم ودنياهم، فما ينفع العباد في دينهم دلت عليه ورغبت فيه، وهكذا أيضًا ما ينفع العباد في دنياهم فإنها كذلك حثت عليه ورغبت فيه. وما يضرهم حذرت منه، حذرت منه، ومنه هذا الحديث أن مبيت الإنسان على ظهر بيت ليس عليه جدار فيه مضرة، فيه مضرة عليه وسبب لوقوعه فيما يهلكه. كذلك أيضًا في هذا الحديث الحث على الأخذ بالأسباب، على الأخذ بالأسباب. فالإنسان مأمور أن يتخذ الأسباب في جلب المنافع وفي دفع المضار مع التوكل على الله جل وعلا، مع التوكل على الله جل وعلا. لا بد من الأخذ بالأسباب، لا بد من الأخذ بالأسباب. ومن ذلك ما في هذا الحديث، فإن فيه أن نوم الإنسان على ظهر بيت ليس عليه جدار فيه نوع من ترك السبب، ترك أسباب السلامة. فلا يقول: أنا متوكل على الله ثم ينام على سطح مكشوف. يقال: أنت متوكل على الله خذ بالسبب، يجعل لك جدار يمنعك من السقوط، ربما تقوم وتتدحرج أو كذا. أما أنت نام على سطح مكشوف ثم تقول: أنا متوكل على الله، أين الأخذ بالأسباب؟ لا بد من الأخذ بالسبب والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، كما أن الاعتماد على السبب خطأ، يعني لا يعتمد على السبب وإنما يعتمد على الله والسبب إنه سبب من الأسباب فقط. وفي نفس الوقت كذلك لا يترك السبب، فإن من كمال اعتماده على الله وتوكله عليه أن يأخذ بالسبب. لو أن إنسان قال: أنا أريد الولد، اللهم ارزقني ولدًا. طيب، هل يمكن أن يرزق ولدًا من غير زواج؟ ما يمكن. لا بد من أخذ بالسبب، النكاح سبب لوجود ذرية. قال وحدثنا محمد بن كثير، قال أخبرنا سفيان، عن عمران بن مسلم بن رياح الثقفي، عن علي بن عمارة، قال: جاء أبو أيوب الأنصاري فصعدت به على سطح أجلح - أجلح معنى مكشوف ليس عليه جدار ولا شيء يمنع من السقوط - قال: فنزل وقال: «كدت أن أبيت الليلة ولا ذمة لي». يعني لا ذمة لي تحفظني إذا أبيت في مثل هذا السطح المكشوف الذي ليس عليه جدار. سأبيت ولا ذمة لي لأني عرضت نفسي للهلاك وغررت بنفسي. لكن هذا الأثر فيه ضعف، فعلي بن عمارة مجهول الحال. قال وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا الحارث بن عبيد، قال حدثني أبو عمران، عن زهير، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بات على انجار فوقع منه فمات برئت منه الذمة، ومن ركب البحر حين يرتج يعني يغتلم فهلك برئت منه الذمة». والحديث حسن، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقول: "عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" لا يضر جهالة الصحابي لأن الصحابة كلهم عدول، الصحابة كلهم عدول، فلا يضر عدم معرفة اسم الصحابي، فلا يضر ذلك في صحة الحديث. بخلاف غيره من الرواة، التابعي فمن بعده، إذا جهل هذا يضر بصحة الحديث، احتمال يكون ثقة واحتمال يكون ضعيف. لكن الصحابة كلهم عدول، إذا عرف أن هذا الرجل صحابي فلا يضر جهالته في هذا الحديث. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بات على انجار» - الانجار المراد به المكان الذي ليس له جدار، ليس له جدار، والسطح الذي ليس له جدار أو شيء يمنع الإنسان من السقوط - «فوقع» يعني سقط، «فمات» بسبب السقوط، «فقد بريأت منه الذمة»، بريأت منه ذمة الله في حفظه لأنه ما أخذ أسباب الحفظ، ما أخذ أسباب الحفظ، وإنما عرض نفسه للمهلكة، عرض نفسه للمهلكة، وغرر بنفسه إذ بات على سطح ليس عليه جدار. وفيه أن الإنسان لا يعرض نفسه للهلاك، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، الشيء الذي يكون سببًا لهلاك الإنسان ينبغي أن يبتعد عنه، ولا يعرض نفسه لما يهلكه ويكون سببًا في موته. قال: «من بات على انجار فوقع منه فمات بريأت منه الذمة، ومن ركب البحر حين يرتج» وهذا فيه أيضًا أن كل ما يكون السبب لهلاك الإنسان فإنه لا عذر له في ذلك، ولا ذمة له إذا عرض نفسه لمثل هذا الهلاك. كمن مثلًا يدخل نفسه في شيء وهو لا يحسنه ولا يعرفه، فيكون ذلك سببًا - مثلًا - في هلاكه. مثلا من دخل البحر وهو لا يحسن السباحة، لا يحسن السباحة، ويدخل إلى مكان بعيد وعميق، ثم يحصل له ما يحصل له من غرق، هذا يعتبر كذلك أهلك نفسه، يعتبر أهلك نفسه، وبرأت منه الذمة لأنه عرضها للهلاك، عرضها للهلاك. أو من يعني ربما أيضًا يسوق السيارة بسرعة جنونية، هي مظنة لحصول الحادث - مثلًا - هذا يعتبر فيه معنى من معاني المهلكة وبراءة الذمة لأنه لم يأخذ بأسباب السلامة. أو يمشي بسيارة - مثلًا - وفيها ما فيها من عطل وخراب، ويسرع فيها، هذا أيضًا من أسباب المهلكة. وقس على ذلك ما كان مثل ذلك. أو من يستعمل بعض الأشياء - يعني مما يضر بجسده - كالدخان - مثلًا - أو نحوي من هذه الأشياء التي يستخدمها بعض الناس، وهي عرضة لهلاك النفس أو تعرضها لأمراض خطيرة كالسرطان ونحوها. قالوا: «من ركب البحر حين يرتج» يعني يغتلم، «فهلك بريأت منه الذمة». كذلك من ركب البحر وهو يرتج، يعني يكون البحر هائجًا، أمواج واضطراب، ثم يركبه وهو على هذا الحال، هذا الآن عرض نفسه للهلاك، فهلك يعني مات غرق، دخل البحر بسفينته والبحر في أمواج وفي اضطراب فغرق، بريأت منه الذمة لأنه عرض نفسه للهلاك. وقس على ذلك ما كان في مثل هذا المعنى. الشاهد من هذا الحديث أن من بات على سطح ليس عليه جدار فمات، قام فسقط وهو نائم، أو تدحرج فسقط، فقد بريأت منه الذمة لأنه - كما سمعنا - عرض نفسه للخطر ولم يأخذ بأسباب السلامة. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.