الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 418، ألقاها
يناقش هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الحداء للنساء وأحكام الغناء في الإسلام، حيث يفرق بين الغناء المصحوب بآلات الطرب والغناء دونها. يُذكر أن الغناء المصحوب بآلات لهو محرم بإجماع أهل العلم.
يتناول هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اللعب بالنرد، ويعتبره من المحرمات التي تقود إلى الشر والآثام، مستندا إلى حديث نبوي شريف يتشبه فيه اللاعب بمن يغمس يده في لحم خنزير ودمه.
يشرح هذا الفصل أهمية إفشاء السلام ويحذر من الأشرة والعبث واللعب بالنرد، موضحا خطورة هذه الأفعال على الفرد والمجتمع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه "الأدب المفرد"، باب الحداء للنساء. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وكان أنجشة يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة، رويدك، سوقك بالقوارير". هذا الباب، باب الحداء للنساء، الحداء نوع من أنواع الشعر الذي كان يقوله العرب، يأتون به لأجل تنشيط الإبل في السير. فيأتي الشعر الذي عنده صوت حسن، يترنم بكلمات تجعل الإبل تنشط في سيرها، وهذا النوع من الشعر يسمى الحداء، وهو جائز، أقره النبي عليه الصلاة والسلام. ذكر في هذا الباب حديث أنس، أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، يعني يأتي بالصوت وتنشط الإبل التي يركبها الرجال. وكان أنجشة يحدو بالنساء، يعني بالإبل التي تركبها النساء، يحدو وينشد الشعر، وتسمعه الإبل فتنشط في سيرها. وكان حسن الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة، رويدك، سوقك بالقوارير"، رويدك يعني هون، هون عليك في سوقك لهذه الإبل التي عليها النساء. ولضعف النساء، شباهن النبي عليه الصلاة والسلام بالقوارير، القارورة كما هو معلوم أنها ضعيفة، سرعان ما إذا سقطت تنكسر. وهكذا المرأة ضعيفة، ربما إذا أسرعت الإبل في سيرها تسقط من هودجها فتنكسر، أو يصيب شيء من الكسر لضعفها. قال: باب الغناء. قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء وأشباهه. هذا الباب، باب الغناء، وما أرده المؤلف، رحمه الله، في هذا الباب من آثار، قد مر في الأبواب التي قد مضت برقم ثلاثمائة وأربعين، ذكره نحو هذا الباب، وترجمه بقوله: "الغناء واللهو". وذكر هذه ثلاثة الآثار وغيرها، ليستدل به على بيان حكم الغناء. والغناء إذا كان بطرب ولحن، وبكلمات فيها مجون، ووصف لما سمعنا للنساء أو الخمور أو شيء من ذلك، فهذا محرم. وإذا صاحبه آلات لهو والطرب، فهو أشد تحريما. وأما إن كان بصوت كلمات، وهي كلمات حسنة وكلمات طيبة، من ذكر مثلا، كما سمعنا نحو الشعر فيما يعين ويرفع الهمم في طلب العلم، وفي الجهاد في سبيل الله، وفي ذكر محاسن الأخلاق ونحوها، فهذا جائز. ذكر في هذا الباب، الغناء إذا كان مقترنا بآلات لهو، فهو محرم بإجماع أهل العلم. وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء على حرمة الغناء الذي فيه آلات لهو والطرب. وما خالف في ذلك إلا من شذ، كالإمام حزم، رحمه الله، شذ في هذه المسألة وأجاز الغناء، تعتبر هذه زلة منه، رحمه الله، لا يجوز متابعته عليها. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا الفزاري وأبو معاوية، قال: أخبرنا قنان بن عبد الله النهى، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام تسلموا، والأشرة شر". قال أبو معاوية: "الأشرة العبث". وهذا الحديث حسن، علام الألباني، رحمه الله. أفشوا السلام تسلموا، ومر معنا في الأبواب التي مضت حكم إفشاء السلام وما يتعلق بأدابه. قول: "والأشرة شر"، الأشرة بطر النعمة وكفرها، بطر النعمة وكفرها شر، أي كفر النعمة وبطرها وعدم شكرها من الشر الذي يقع فيه الإنسان. وفسر الأشرة بالعبث، العبث يعني الوقوع في الباطل أو في الأمور المحرمة، فهي شر على الإنسان. ومن العبث الغناء والاشتغال به، بسماعه أو بفعله، فإنه مما يوقع الإنسان في الشر، فهو يصد عن ذكر الله وعن طاعة الله، ويبعد عن طاعة الله جل وعلا، ويوقع الإنسان في المحرمات، وهو بريد الزنا كما ثبت عن ابن مسعود، رضي الله عنه. قال: وحدثنا عصام، قال: حدثنا جرير، عن سلمان الألهاني، عن فضالة بن عبيد، وكان مجمعا من المجامع، فبلغه أن أقواما يلعبون بالكوبة، فقام غضبانا ينهى عنها أشد النهي، ثم قال: "ألا إن اللاعب بها ليأكل قمارها كآكل لحم الخنزير، ومتوضئ بالدم". يعني بالكوبة النرد. قوله: "إن اللاعب بها ليأكل قمارها"، يعني القمار الذي يحصل باللعب بها، ما يأخذه من القمار مما يوضع من مال أو نحوه، فيأخذه الغالب كآكل لحم الخنزير، يعني آكل المحرم، لأن لحم الخنزير محرم. ومتوضئ بالدم، والدم لا يجوز التوضؤ به. وكأنه يشير إلى الحديث الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام: "من لعب بالنرد، فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه". صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.